
أيتها الداعية..لسنا مسؤولين عن أُمّيتكِ بلهجتنا الباذخة
أغرب أنواع الاستعلاء هو ذلك الذي يأتيك متسلحاً بيافطة “الدعوة” ومحمولاً على غباء مطبق وجهل فاضح بالتاريخ والجغرافيا
جاءت إلينا “داعيتنا” –التي فرّت من ضيق اليد بمصر لتستقر بحبوحة تركيا– فحطت رحالها في تطوان الآمنة.
ولأن بضاعتها القديمة من المتاجرة العاطفية بـ “فلسطين وبيت المقدس” قد كسدت وباتت مكرورة في أسواق النجومية الرخيصة قررت أن تنصب نفسها رقيباً لغوياً وشرطياً على ألسنة أصحاب الدار..
بكل صفاقة وغرور وقفت هذه الوافدة تطالب المغاربة بأن “يُبدلوا لهجتهم” لكي تستقيم مع مقاسات عقلها المحدود وافق فكرها الضيق .
مستغربا من أين جاءها هذا الوهم.. وكيف اعتقد ان المغرب إقطاعية خاصة بها أو فرعاً طفيلياً يتبع لملحقاتها الفكرية..؟
نقولها لكِ ببساطة ودون لف أو دوران:
لسنا مسؤولين البتة عن أميتكِ المدقعة وعجزكِ الذهني عن استيعاب اللسان المغربي العريق.
فالدارجة المغربية ليست عيباً نعتذر عنه ولا انحرافاً لغوياً ينتظر صك غفران من نكرة وعابرة سبيل بل هي سيمفونية حضارية وتلاقح بليغ ومعجز بين العربية والأمازيغية والحسانية والأندلسية
الدراجة المغربية نبض الوجدان المغربي الحي الذي يظل أرفع وأكبر بكثير من أن تدركه عين طفيلية لا ترى العالم إلا من ثقب بابها الضيق .
ولو أن هذه السيدة فتحت كتاب تاريخٍ واحد فقط بدلاً من الاكتفاء بحفظ خطب الاستعراض لعلمت يقيناً أن المغاربة –والأمازيغ منهم خصوصاً– هم من حرسوا بوابات العربية الفصحى وأعادوا لها هيبتها وبنيانها يوم أن تلاطمت أمواج العجمة والتحريف في مشرقها المتهالك
وتطوان بتاريخها وحواضرها وخزائن علمها لا تنتظر درساً في الفصاحة من وافدة تبحث عن بهرجة زائفة وبضاعة مغشوشة
نحن نتقن الفصحى ونصول بها في المحافل حين نريد أما في شوارعنا وبيوتنا وحياتنا اليومية فلا سلطان لكِ –ولا لألف مثلكِ من النكرات– على لساننا وألسنتنا.
نصيحة أخيرة أيتها الضيفة الثقيلة:
قبل أن تتطاولِ لتأُمري المغاربة بتغيير ألسنتهم استوعبي أولاً أدبيات الضيافة.. فمن يدخل بيوت الناس لا يحق له أن يشكو تفاصيلها… ومن لم تستطع أن تفهم لغة الأرض التي تستضيفها فالأجدر بها وبكل غرورها أن تحزم حقائبها وتعود إلى تجارتها من نوع فلسطين
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



