
حين يصبح الاختلاف الفكري مبررا لسحب الاعتراف الرمزي
- بقلم: حُستي محمد //
ليس كل قرار تتخذه كل مؤسسة أوجمعية باسم الأخلاق يكون بالضرورة قرارا أخلاقيا ، وليس كل جهة تتخذ من القيم عنواناً لنشاطها تملك، بمجرد هذا الاختيار ، سلطة معرفية أو قانونية تخولها تحديد المقبول والمرفوض في ضمير المجتمع .
وبهذا التساؤل والاستفسار يمكن مقاربة قرار “منتدى الأخلاقيات والقيم” سحب وسام البذل والعطاء والشهادة التقديرية من الإعلامي المغربي محمد عمورة، وهما التكريمان اللذان منحهما إياه سنة 2018 خلال حفل احتضنته المكتبة الوطنية بالرباط.فهذا القرار، الذي وقعه رئيس المنتدى “بدر الدين اليتيم” بتاريخ 19 أكتوبر 2026، لا يقتصر على استعادة تكريم منح للصحافي عمورة سابقا، بل يستدعي إشكالاً أوسع للتحليل والنقاش الموضوعي حيث يتعلق الفعل بطبيعة المعايير ومساطرها المعتمدة في منح الجوائز وسحبها، وحدود سلطة المؤسسات والجمعيات المدنية في تقييم مواقف الأفراد والمجتمع ، والعلاقة بين الاختلاف الفكري والسياسي والحكم الأخلاقي تحت يافطة مؤسسة أوجمعية .
ووفقا لنص البيان المنشور، اتُّخذ القرار بعد مشاورات مع أعضاء المجلس الإداري للمنتدى، واستند في حكمه هذا إلى ما وصفه بـ«الخروج الإعلامي غير الموفق مرتين للصحفي عمورة ». ويتعلق الأمر، بحسب البيان ، بتعليق محمد عمورة على التظاهرات المناهضة للتطبيع مع إسرائيل ، ثم بتعبيره عن تقديره الكبير للفاعلين المدنيين الدكتور محمد الفايد والباحث الحقوقي والمفكر أحمد عصيد، اللذين ينسب إليهما البيان الدفاع عن الصهيونية والتطبيع، معتبرا إياهما من “القامات العظيمة في التنوير”.
وفي ختام البيان تم التأكيد على تعارض هذه المواقف وهذا التوجه ، وفق تقدير المنتدى، مع توجهه الإسلامي وما يعتبره مقتضيات الهوية المغربية وتقاليدها وأعرافها الإسلامية.غير أن وجود هذه المبررات في بيان رسمي لا يعفيها من الفحص النقدي، ولا يحول تقديرات المؤسسة إلى حقائق نهائية.فالسؤال ليس ما إذا كان المنتدى يملك حق الاختلاف مع محمد عمورة، فهذا حق لا ينازعه فيه أحد، وإنما ما إذا كان قد قدم معايير موضوعية ومقنعة تبرر سحب التكريم، وما إذا كان اختلافه مع المكرَّم كافيا لتحويل قرار إداري داخلي إلى رسالة إدانة أخلاقية موجهة إلى الرأي العام.
- ماذا يكشف البيان الأصلي؟
تكتسب قراءة الوثيقة الأصلية أهمية خاصة لأنها تسمح بالتمييز بين ما قرره المنتدى فعلا وما أضافته التغطيات الإعلامية أو التعليقات المتداولة.فالوثيقة لا تكتفي بإعلان سحب الوسام والشهادة التقديرية، بل تربط القرار صراحة بموقفين إعلاميين محددين، وتضعهما ضمن إطار مرجعية المنتدى الإسلامي.وهنا تبرز ملاحظة أساسية لابد من الإشارة إليها : حيث يبدو من صياغة البيان أن الخلاف لا يتعلق، في المقام الأول، بادعاء تزوير إنجاز مهني أو ثبوت مخالفة ارتكبها الصحفي عمورة أثناء حصوله على التكريم سنة 2018، وإنما بمواقف وتعبيرات نُسبت إليه لاحقا وهذا الفارق يبقى جوهريا.فإذا كان الوسام أو التقدير قد مُنح تشريفا للعطاء الإعلامي أو المهني للصحفي عمورة ، فإن مراجعة القرار تستدعي توضيح العلاقة بين الإنجازات التي استوجبت التكريم وبين المواقف اللاحقة التي اعتبرها المنتدى غير مقبولة.
أما إذا كان التكريم مشروطاً أيضا بالتزام المكرَّم بمرجعية فكرية أو سياسية معينة، فإن السؤال ينتقل إلى مدى إعلان هذه الشروط مسبقاً، ووضوحها، وقبول المكرَّم بها، ووجود مقتضيات تنظيمية تجيز السحب عند مخالفتها.إذ لا يقدم البيان، في الصورة المتاحة، تفصيلاً كافياً بشأن هذه النقاط المبهمة ، ولا يحدد بصورة واضحة المعيار التنظيمي الذي استند إليه المجلس الإداري في اتخاذ قراره التعسفي وألا أخلاقي.
ولا يعني ذلك الجزم بعدم وجود مثل هذه القواعد الفضفاضة ؛ فالحسم في هذه المسألة يتطلب الاطلاع على النظام الأساسي والنظام الداخلي للمنتدى والوثائق المنظمة للتكريم.لكن غياب التوضيح في البيان المنشور يظل نقطة ضعف في التعليل، لأنه يترك الجمهور أمام قرار معلن ومبررات عامة من دون عرض كافٍ للرابطة بين شروط منح الوسام وأسباب سحبه.
- هل تحولت جائزة العطاء إلى شهادة في الولاء الفكري؟
يطرح قرار السحب سؤالاً يتجاوز حالة محمد عمورة: هل التكريم اعتراف بعمل أُنجز، أم امتياز يظل قائما ما دام صاحبه منسجما مع التوجهات الفكرية للجهة المانحة؟
إذا كان التكريم يتعلق بإنجازات مهنية تحققت في الماضي، فإن هذه الإنجازات لا تختفي بأثر رجعي لمجرد اختلاف صاحبها مع المؤسسة في موقف سياسي أو فكري لاحق.يمكن بالطبع مراجعة أي تكريم وفق شروط واضحة، كما يمكن للمؤسسة أن تعتبر بعض السلوكيات اللاحقة منافية للمبادئ التي قامت عليها الجائزة. لكن ذلك يقتضي التمييز بين الإنجاز الذي استند إليه منح التكريم وبين الالتزامات التي يُفترض أن يستمر المكرَّم في احترامها.وهذا التمييز ليس شكلياً؛ إنه يتعلق بمصداقية المؤسسة نفسها.
فإذا كانت الجائزة تمنح تقديراً للعطاء، ينبغي أن تكون معايير العطاء محددة بدقة ومحصورة في ترتيب دقيق . وإذا كانت تمنح تقديرا لمواقف فكرية أو سياسية، فينبغي التصريح بذلك منذ البداية .أما الجمع بين العنوان المهني للتكريم والاشتراطات الإيديولوجية غير الواضحة، فيفتح الباب أمام الالتباس ويطرح التساؤل: هل يُكرَّم الشخص على ما أنجزه، أم على مدى تطابق أفكاره مع أفكار الجهة التي منحته الوسام؟
إن الاعتراف بالإنجاز لا ينبغي أن يتحول إلى عقد ولاء غير معلن للإبقاء على الحريات الفكرية للفرد ، ولا يجوز أن يصبح التكريم وسيلة لفرض استمرار التطابق الفكري بين المكرِّم والمكرِّم.ومع ذلك، لا يكفي هذا الاعتراض وحده للحكم بأن قرار السحب غير قانوني؛ إذ يظل من حق المؤسسة مراجعة تكريماتها وفق قواعدها المشروعة والواضحة. إنما يتعلق النقد هنا بضرورة وضوح المعايير واتساقها، وبمدى عدالة استخدامها في الحالة المعنية.
- من منح المنتدى سلطة تعريف الأخلاق؟
إن تأسيس منتدى يحمل اسم «الأخلاقيات والقيم» أمر مشروع من حيث المبدأ. فمن حق المواطنين تأسيس جمعيات ومؤسسات مدنية تسعى إلى الدفاع عن منظومات أخلاقية أو ثقافية أو دينية، ومن حق هذه المؤسسات أن تعلن مرجعياتها وأن تمارس النقد انطلاقاً منها.لكن الاسم لا ينشئ سلطة خاصة ولا وصاية قانونية ، وهذه المرجعية لا تمنح كذلك صاحبها حق احتكار التعريف بالأخلاق حسب اتجاهاته الايديولوجية .
فالأخلاق ليست ملكية حصرية لمؤسسة معينة أولفرد معين ، وهذه القيم لا تتحول إلى قواعد وبنود ملزمة للمجتمع بمجرد أن تتبناها جهة مدنية وتعلن الدفاع عنها.يمكن للمنتدى أن يقول إن موقفا معيناً يتعارض مع قناعاته الإسلامية أو السياسية، وله أن يشرح أسباب اعتراضه ويدافع عنها. لكنه لا يستطيع أن يفترض أن تفسيره الخاص للأخلاق يمثل التفسير الوحيد المقبول، أو أن اختلاف الآخرين معه دليل كافٍ على انحرافهم الأخلاقي.
هناك فرق واضح بين موقفين: الأول أن تقول المؤسسة: “هذا الرأي لا ينسجم مع مرجعتينا، ولذلك نرفضه وننتقده”.
والثاني أن توظف قرارا رمزيا لإنتاج انطباع عام بأن صاحب ذلك الرأي لم يعد جديرا بالاعتراف الأخلاقي.فالأول تعبير عن حرية الاعتقاد والتقييم، والثاني يثير سؤالا صريحا حول حدود السلطة الرمزية لمؤسسة مدنية معينة، خصوصاً حين تكون مبررات القرار الصادرة عن إدارتها مرتبطة بمواقف فكرية وسياسية قابلة للنقاش.وليس المقصود هنا أن الأخلاق عبارة عن أذواق فردية لا يمكن نقدها أو الاحتكام إلى معاييرها، بل إن الحكم الأخلاقي الجاد يتطلب حججاً واضحة، ومعايير متسقة، وتمييزاً بين الأفعال والآراء، وبين الوقائع والتأويلات.فمن حق المنتدى أن يدافع عن قيمه، لكن ليس من حقه أن يحول مرجعيته الايديولوجية الخاصة إلى سلطة أخلاقية مطلقة على المجتمع.
- ماذا يقول القانون المغربي عن حدود هذه السلطة؟
من الضروري التمييز بين ثلاثة أمور: الحق في اتخاذ قرار داخلي، ومشروعية القرار وفق القواعد المنظمة للمؤسسة، وادعاء امتلاك سلطة قانونية عامة على الأفراد. فالدستور المغربي يضمن حرية الفكر والرأي والتعبير في الفصل 25، كما ينص الفصل 28 على حرية الصحافة والتعبير ونشر الأخبار والأفكار والآراء، في إطار الضوابط التي يحددها القانون.
وتؤسس هذه المبادئ لبيئة يكون فيها الاختلاف الفكري والسياسي مشروعا، ويظل النقد المتبادل وسيلة أساسية لمناقشة الأفكار والمواقف.لكن ينبغي ألا نحمّل هذه المقتضيات ما لا تحتمله. فحرية التعبير لا تعني أن المؤسسة الخاصة ممنوعة من مراجعة تكريماتها، كما أن سحب وسام خاص لا يشكل، بمجرده، انتهاكا دستوريا. كذلك، فإن وصف القرار بأنه غير أخلاقي أو غير منصف لا يكفي وحده لإثبات عدم قانونيته.ولكي يُحسم الجانب القانوني، لا بد من فحص النظام الأساسي للمنتدى، وشروط منح التكريم وسحبه، ومدى احترام الإجراءات التنظيمية، وأي مقتضيات قانونية ذات صلة.
أما بشأن سؤال الوصاية، فالمبدأ واضح: لا يكتسب المنتدى، بسبب اسمه أو مرجعيته الإسلامية، سلطة قضائية أو تفويضا عاما يتيح له إصدار أحكام قانونية ملزمة بشأن أخلاق الإعلاميين أوغيرهم .ويظل القرار، في حدود ما تكشفه الوثيقة، قرارا صادرا عن جهة مانحة لتكريم خاص، لا حكما قضائيا ولا قرارا صادرا عن هيئة رسمية مختصة بتحديد المسؤولية القانونية.ولهذا ينبغي توجيه النقد إلى موضعه الدقيق: ليس منحق المنتدى أن يحتكر الأخلاق أو يفرض تفسيره على الجميع، لكن له الحق أن يحدد بدقة معايير تكريماته في إطار القانون. وفي المقابل، يحق للرأي العام أن يناقش مدى اتساق تلك المعايير وعدالتها.
- هل يكفي الاختلاف حول التطبيع لتبرير سحب الوسام؟
يضع البيان تعليق محمد عمورة على التظاهرات المناهضة للتطبيع ضمن الأسباب الموجبة للسحب، ويشير إلى أنه لم يبدِ الحياد الذي كان المنتدى ينتظره منه .وهنا يبرز سؤال مهني وسياسي: ما المقصود بالحياد في هذه الحالة؟ وهل المطلوب من الإعلامي أن يتبنى موقفاً سياسياً بعينه، أم أن يقدم خطابا يمكن تقييمه وفق معايير الدقة والمسؤولية واحترام حق الآخرين في التعبير؟
ليس من الضروري أن يتفق الناس على موقف واحد من التطبيع حتى يتمكنوا من مناقشة القضية بصورة مسؤولة. كما أن اختلافهم في تقدير الوسائل والخطابات لا يبرر تلقائيا اتهام أحدهم بسوء الأخلاق.وإذا كان المنتدى يرى أن الصحفي عمورة حرّف وقائع معينة أو قدم معلومات مضللة مجانبة للحقيقة أو أساء إلى حق المحتجين في التعبير عن اهتماماتهم الانسانية أو السياسية ، فعليه أن يحدد بدقة التصريحات المعنية الصادرة عن عمورة ، وأن يوضح موضع الخطأ بالضبط ، وأن يقدم ما يدعم نقده من براهن دالة .
أما الاكتفاء بوصف موقفه بأنه غير منسجم مع توجه المنتدى، فلا يحسم مدى صحة الموقف أو خطئه، بل يثبت أساسا وجود اختلاف بين الطرفين.ومن حق المنتدى أن يتخذ موقفا واضحا من التطبيع، وأن ينتقد من يراه مدافعا عنه. لكن الدفاع عن القضية الفلسطينية لا يستلزم تحويل الاختلاف السياسي إلى امتحان شامل للأخلاق، كما أن مناهضة التطبيع لا تعفي أي خطاب من ضرورة الدقة في استخدام المفاهيم وتقديم الأدلة. فالقضايا الانسانية العادلة لا تحتاج إلى تحصين المواقف من النقد، بل إلى حجج قوية قادرة على مواجهة النقد.
- الإشادة بمحمد الفايد وأحمد عصيد ليست حكماً نهائياً على أخلاق صاحبها
يورد البيان تعبير محمد عمورة عن تقديره للدكتور محمد الفايد وللباحث والمفكر الحقوقي أحمد عصيد، ويعتبر أن هذا التقدير يتعارض مع المرجعية التي يتبناها المنتدى.لكن الإشادة بشخصية عامة ليست، في ذاتها، دليلاً على الموافقة على جميع آرائها أو تبني جميع مواقفها.يمكن نقد الدكتور محمد الفايد في ما يتعلق بادعاءات علمية محددة، كما يمكن مناقشة أطروحات أحمد عصيد الفكرية والثقافية والسياسية والحقوقية ، والاعتراض الموضوعي على ما يراه البعض من مواقفهما أو استنتاجاتهما. غير أن ذلك يتطلب مناقشة المضمون بإعمال العقل والتحليل الموضوعي، لا الاكتفاء بإطلاق توصيفات عامة لا تقدم للفكر أي شيء.
وينطبق كذلك الأمر نفسه على الصحفي الكبير محمد عمورة, حيث يمكن لنا مساءلته عن أسباب إعجابه بشخصيات عمومية معينة، ومدى دقة توصيفه لها، واتساق أحكامه مع الوقائع . لكن الانتقال من نقد تقييمه الفكري إلى استنتاجات أخلاقية واسعة يحتاج إلى حجة مستقلة.أما نسبة الدفاع عن الصهيونية والتطبيع إلى الشخصيات العمومية المذكورة، كما أتى به البيان، فهي دعوى ينبغي اختبارها بالرجوع إلى تصريحاتها وأعمالها الأصلية، وتحديد المقصود بكل مفهوم والسياق الذي ورد فيه.فلا يكفي نقل وصف من وثيقة إلى أخرى كي يصبح حقيقة موثقة.
ولا يتعلق أمر هذا الخطاب بالدفاع عن هذه الشخصيات العمومية أو منحها حصانة مقدسة، بل بإخضاع الجميع لمعيار واحد: من يطلق حكما ينبغي أن يقدم دليله القاطع، ومن ينتقد موقفا ينبغي أن يحدد مضمونه والحكم بدقة وموضوعية .إن المعيار العلمي والأخلاقي لا يتغير بحسب قرب الشخص من مرجعية المؤسسة أو بعده عنها.
- مصداقية المنتدى ليست معطى مفترضا، بل موضوع للمساءلة
لا يمكن الحكم النهائي على مصداقية المنتدى من خلال قرار واحد، مثلما لا يجوز افتراض نزاهته المطلقة لمجرد أنه يحمل إسما أخلاقيا ومرجعية دينية . فالمصداقية لا تُستمد من التسمية أو من المرجعية الايديولوجية المعينة ، وإنما تُبنى من وضوح الأهداف، وشفافية الإجراءات، واتساق المعايير، والقدرة على تفسير القرارات، والاستعداد لمراجعتها عند ظهور ما يستدعي ذلك.ومن هذا المنطلق، فإن قرار سحب وسام محمد عمورة يطرح أسئلة مشروعة:
أولاً: ما المعايير الأصلية لمنح الوسام؟
هل مُنح تقديرا لإنجازات مهنية محددة، أم كان مشروطا بالتزام المكرَّم بمواقف سياسية وفكرية بعينها؟
ثانياً: أين القواعد المنظمة للسحب؟
هل يتضمن النظام الداخلي مقتضيات واضحة تتيح سحب الوسام لأسباب تتعلق بالمواقف الإعلامية اللاحقة؟ وهل كانت هذه الشروط معروفة للمكرَّم؟
ثالثاً: هل استند القرار إلى تصريحات أصلية موثقة؟
ينبغي أن تكون المواقف المنسوبة إلى عمورة قابلة للتحقق، وأن تُعرض في سياقها، بدلا من الاكتفاء بتوصيفها من قبل الجهة التي اتخذت القرار.
رابعاً: هل يطبق المنتدى المعايير نفسها على الجميع؟
إن اتساق المعايير هو الاختبار الحقيقي للإنصاف. فإذا كان الاختلاف الفكري سبباً للسحب في حالة معينة، وجب توضيح ما إذا كانت القاعدة نفسها تطبق على الحالات المماثلة، من دون انتقائية.
خامساً: هل توجد آلية للمراجعة والتظلم؟
إن المؤسسة التي تتعامل بجدية مع مسؤوليتها الأخلاقية ينبغي أن توضح كيف تُراجع قراراتها، وكيف تتعامل مع الاعتراضات عليها، وما إذا كان بإمكانها تصحيح قرار ثبت قصور مبرراته.لا تثبت هذه الأسئلة أن المنتدى يفتقر إلى المصداقية، لكنها تحدد ما ينبغي التحقق منه قبل إصدار حكم بشأنها.ومع ذلك، فإن غياب التوضيح الكافي للمعايير في البيان المنشور يضعف قدرة الجمهور على تقييم القرار، ويترك مساحة واسعة للتأويل بشأن العلاقة بين التكريم الأصلي والمواقف التي أدت إلى سحبه.
- من يراقب المؤسسة التي تتولى مراقبة الأخلاق؟
تكمن المفارقة في أن المؤسسة التي تضع نفسها في موقع المدافع عن الأخلاق مطالبة بأن تجعل من ممارستها نموذجا للوضوح والإنصاف والتناسب.فالأخلاق ليست موضوعاً للخطاب فحسب، بل معيارا لتقييم الوسائل التي يستخدمها أصحاب ذلك الخطاب.
وإذا كان المنتدى يرى أن مواقف محمد عمورة تمثل خروجا عن مرجعيته، فإن من حقه إعلان ذلك. لكنه يتحمل أيضاً مسؤولية شرح قراره، وبيان أساسه، وتوضيح العلاقة بين الأسباب المعلنة والنتيجة المتخذة. فهل كان سحب الوسام ضروريا لتصحيح خطأ مهني محدد؟ أم أنه يعبر عن رفض المؤسسة لمواقف سياسية وفكرية لا تنحو منحاها الأيديولوجي ؟
لا تسمح الوثيقة وحدها بالجزم بالدافع النهائي للمنتدى، لكنها تسمح بطرح هذا السؤال، خصوصاً أن الأسباب المعلنة تتعلق بمواقف وتصريحات وتقييمات فكرية، لا بواقعة مهنية محددة جرى إثباتها تفصيليا في البيان. وهنا يظهر الفرق بين ممارسة النقد وممارسة الوصاية.النقد يواجه الفكرة بالحجة، ويختبرها بالوقائع، ويقبل أن يخضع هو نفسه للمراجعة. أما الوصاية فتبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى مبرر لإنتاج حكم رمزي يوحي بأن المؤسسة تملك معياراً نهائياً لتحديد المقبول أخلاقياً. ولا يعني ذلك أن كل سحب للتكريم يمثل وصاية؛
فقد يكون السحب مشروعاً إذا استند إلى قواعد واضحة وأسباب موضوعية. لكن حين ترتبط المبررات أساساً بالخلاف الفكري والسياسي، يصبح من الضروري توضيح الحدود بين حق المؤسسة في تحديد هوية تكريماتها وبين محاولة فرض مرجعيتها على المجال العام.
- الأخلاق لا تُحتكر، والوسام لا يتحول إلى محكمة
إن سحب وسام محمد عمورة لا يقتضي الدفاع عن جميع مواقفه، مثلما لا يقتضي انتقاد القرار التشكيك المسبق في نوايا المنتدى أو إنكار حقه في تحديد مرجعيته. لكن من حقنا أن نسأل عن المعايير التي تحكم قراراته، وعن مدى وضوحها، وعن العلاقة بين أسباب منح التكريم وأسباب سحبه.فإذا كان الوسام قد مُنح تقديرا لعطاء إعلامي تحقق سنة 2018، فإن المواقف اللاحقة لا تمحو ذلك العطاء بأثر رجعي.
وإذا كان التكريم مرتبطاً أيضاً بشروط فكرية أو سياسية، فإن الشفافية تقتضي إعلانها وتحديد كيفية تطبيقها.أما إذا لم تكن العلاقة بين التكريم الأصلي وأسباب السحب واضحة، فإن القرار يظل موضع مساءلة مشروعة من زاوية الإنصاف والاتساق المؤسسي.ومن الناحية القانونية، لا يمكن الجزم بعدم مشروعية القرار من مجرد نص البيان؛ فذلك يتطلب الاطلاع على الوثائق التنظيمية ذات الصلة.
لكن لا يظهر في الوثيقة ما يمنح المنتدى، بمجرد اسمه أو مرجعيته، سلطة قانونية عامة على أخلاق الأفراد.إنه يملك حق اتخاذ موقف، لكنه لا يملك احتكار الأخلاق. ويملك حق سحب تكريم خاص وفق القواعد المنظمة له، لكنه لا يملك تحويل قراره إلى حكم نهائي على قيمة الشخص أو أهليته الأخلاقية في المجتمع.كما أن احترام المرجعية الإسلامية لا يتعارض مع احترام حرية التعبير، ولا يجعل كل اختلاف في التأويل أو الموقف السياسي خروجاً تلقائياً عن الأخلاق.
إن السؤال الحقيقي في هذا الحادث ليس: هل يملك المنتدى حق سحب الوسام؟ بل: هل قدم مبررات كافية تجعل قراره عادلا ومقنعا ومتسقا مع المعايير التي يعلن الدفاع عنها؟
فالمؤسسات لا تكتسب المصداقية من الأسماء التي تختارها، بل من الممارسات التي تقدمها، ولا تثبت التزامها بالقيم بمجرد إعلانها، بل بقدرتها على تطبيقها باتساق على نفسها وعلى غيرها.وعندما تصبح الأخلاق أداة لإقصاء المختلفين عنا فكريا ، يصبح من المشروع مساءلة الجهة التي تتحدث باسمها، لا لأن الأخلاق فقدت أهميتها، بل لأن أهميتها تفرض ألا تتحول إلى امتياز مؤسساتي أو وسيلة لفرض الامتثال والتبعية الفكرية.فمن يراقب من يدّعي مراقبة الأخلاق؟ ومن يحاسب المؤسسة حين تصبح معاييرها نفسها موضعا للمساءلة؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي مؤسسة تتخذ من الأخلاق والقيم عنوانا سطحيا لها: أن تقبل أن تكون قراراتها، بدورها، خاضعة للنقد والسؤال، وأن تبرهن على أن ممارستها للاختلاف لا تناقض المبادئ التي تعلن الدفاع عنها.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



