
واشنطن: الحكم الذاتي أساس وحيد للمفاوضات..
الصحراء المغربية أمام منعطف دبلوماسي جديد.. واشنطن تعدّل مشروع قرار مجلس الأمن وتُبقي الحكم الذاتي أساساً وحيداً للمفاوضات
تعديلات أمريكية على صياغة الحل السياسي ومستقبل بعثة «مينورسو»، مع الحفاظ على مركزية المبادرة المغربية للحكم الذاتي، في انتظار الحسم داخل مجلس الأمن يوم الجمعة 30 أكتوبر.
تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة من المشاورات الدبلوماسية داخل مجلس الأمن الدولي، بعدما وزعت الولايات المتحدة الأمريكية نسخة منقحة من مشروع القرار المتعلق بالنزاع الإقليمي، تضمنت تعديلات مهمة على بعض المقتضيات السياسية والأمنية والأممية، دون التخلي عن التوجه الأساسي الذي يمنح المبادرة المغربية للحكم الذاتي موقعاً محورياً في العملية التفاوضية.
وتأتي هذه التطورات قبل أيام قليلة من الموعد المرتقب للتصويت على القرار الجديد، في سياق تحركات دبلوماسية مكثفة تسعى من خلالها واشنطن إلى تقريب مواقف أعضاء المجلس، والحصول على أوسع توافق ممكن بشأن مستقبل العملية السياسية وولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء.
وبحسب المعطيات التي نشرتها وسائل إعلام اطلعت على النسخة المنقحة المؤرخة في 26 أكتوبر، فإن واشنطن خففت بعض الصياغات، خصوصاً ما يتعلق باعتبار الحكم الذاتي الحل النهائي الوحيد، لكنها أبقت المقترح المغربي أساساً حصرياً للمفاوضات في مشروعها الحالي.
الحكم الذاتي.. ثبات المرجعية وتعديل الصياغة
يشكل الحفاظ على مركزية المبادرة المغربية للحكم الذاتي أبرز عناصر الاستمرارية بين المسودة الأولى والنسخة المنقحة من المشروع الأمريكي.
فبعدما تضمنت الصيغة الأولى توصيفاً للحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق، انتقلت الصيغة الجديدة إلى اعتباره الحل الأكثر قابلية للتطبيق، مع الاحتفاظ بالمقترح المغربي الموسع والمحدث أساساً وحيداً لمواصلة المناقشات.
ويكتسي هذا التعديل أهمية دبلوماسية، لأنه يعكس محاولة أمريكية للجمع بين دعم المبادرة المغربية وضرورة مراعاة التوازنات داخل مجلس الأمن، خاصة في ظل استمرار اختلاف مواقف أعضائه بشأن طبيعة التسوية النهائية.
ومن الناحية السياسية، فإن التمييز بين «الحل الوحيد» و«الحل الأكثر قابلية للتطبيق» ليس مجرد تعديل لغوي، بل يعكس درجة الالتزام التي يراد تضمينها في القرار الأممي، ويترك مجالاً للتفاوض حول الصيغة النهائية للتسوية.
ومع ذلك، فإن الإبقاء على المقترح المغربي أساساً حصرياً للمفاوضات في المسودة يمثل تطوراً مهماً بالنسبة للمقاربة التي تدافع عنها الرباط، مع ضرورة التمييز بين ما تقترحه الولايات المتحدة وما سيعتمده مجلس الأمن في قراره النهائي.
القرار 2797.. مرجعية أممية للمسار الجديد
تستند المسودة الأمريكية إلى القرار رقم 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، وشكل محطة مهمة في تطور المعالجة الأممية لقضية الصحراء.
فقد دعا ذلك القرار إلى مواصلة المفاوضات على أساس مقترح المغرب للحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، ومتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير.
كما اعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر المخرجات قابلية للتطبيق، دون أن يعني ذلك أن المجلس حسم بصورة نهائية الوضع القانوني للإقليم.
وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المشروع الجديد، إلى البناء على هذه المرجعية وإعطاء العملية السياسية توجهاً أكثر تحديداً، مع الإبقاء على دور الأمم المتحدة في رعاية المفاوضات.
مستقبل «مينورسو».. نحو إعادة النظر في طبيعة المهمة الأممية
لا تقتصر أهمية المشروع الأمريكي على الجوانب السياسية المرتبطة بالحكم الذاتي، بل تمتد إلى مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المعروفة اختصاراً باسم «مينورسو».
فبعدما اقترحت المسودة الأولى انتقالاً زمنياً محدداً نحو بعثة سياسية خاصة، تراجعت النسخة المنقحة عن هذا الانتقال التلقائي، وأبقت مسألة إعادة الهيكلة خاضعة لمقترحات الأمين العام للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن اللاحقة.
وتقترح النسخة الجديدة تمديد ولاية البعثة إلى 31 أكتوبر 2027، مع تغيير تسميتها ابتداء من فاتح نونبر 2026، بحذف الإشارة إلى الاستفتاء من الاسم الرسمي.
كما تدعو إلى إعداد مقترحات مفصلة بشأن هيكلة البعثة ومواردها البشرية واللوجستية، وإعادة النظر في انتشارها الميداني، بما يتناسب مع تطورات العملية السياسية.
ويعكس هذا التوجه نقاشاً متزايداً حول مدى ملاءمة طبيعة المهمة الأممية الحالية للتحولات التي عرفها الملف منذ إنشاء البعثة سنة 1991.
غير أن أي تغيير فعلي في اسم البعثة أو ولايتها يظل مشروطاً باعتماد النص النهائي من طرف مجلس الأمن.
الأمم المتحدة تحتفظ بدورها في قيادة العملية السياسية
من بين العناصر البارزة في النسخة المنقحة إعادة التأكيد على الدور المركزي للأمم المتحدة، وعلى دعم الأمين العام أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن المشروع إلى الترحيب بالجهود الأمريكية والأممية الرامية إلى تيسير المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.
كما تمنح الصيغة المقترحة للمبعوث الأممي مجالاً أوسع للتشاور مع مختلف الفاعلين الصحراويين، بمن فيهم المقيمون داخل الإقليم وفي مخيمات تندوف والشتات.
ويبرز هذا التوجه رغبة في توسيع دائرة المشاورات المرتبطة بالحل السياسي، دون تغيير الإطار التفاوضي الأساسي الذي تقترحه واشنطن.
السمارة وتندوف.. البعدان الأمني والإنساني يعودان إلى الواجهة
تتضمن النسخة المنقحة، وفق المعطيات المنشورة بشأنها، إدانة للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة يوم 5 ماي 2026، في سياق الدعوة إلى احترام وقف الأعمال العدائية وتجنب أي تصعيد من شأنه التأثير على العملية السياسية.
ويكتسي إدراج هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط الأمن والاستقرار في المنطقة بفرص نجاح أي تسوية سياسية مستقبلية.
وفي الجانب الإنساني، يتناول المشروع استمرار الأوضاع الصعبة في مخيمات تندوف، ويدعو إلى البحث عن حلول دائمة وطوعية تتوافق مع القانون الدولي والمعايير المعتمدة لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.
كما يطرح مسألة تسجيل سكان المخيمات، بما يتيح توفير معطيات دقيقة تساعد على تدبير المساعدات الإنسانية وتقييم الاحتياجات والحلول الممكنة.
وتبقى هذه القضايا من الملفات الحساسة التي تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية والسياسية، وتستدعي تعاون الأطراف المعنية والمؤسسات الدولية المختصة.
واشنطن بين دعم المقترح المغربي وبناء التوافق الدولي
تكشف التعديلات التي أدخلتها الولايات المتحدة على مشروع القرار عن طبيعة المفاوضات الجارية داخل مجلس الأمن، حيث تحاول واشنطن الحفاظ على الخطوط الأساسية لمبادرتها، مع إدخال مرونة على بعض الصياغات التي قد تثير تحفظات لدى أعضاء آخرين.
وتبرز أهمية هذا المسعى بالنظر إلى اختلاف مواقف القوى الدولية بشأن قضية الصحراء، خصوصاً بين الدول الداعمة للمبادرة المغربية والأطراف التي تتمسك بقراءة أخرى لمبدأ تقرير المصير وطبيعة الحل السياسي.
وتواصل جبهة البوليساريو المطالبة بمسار يتيح خيار الاستقلال، بينما يدافع المغرب عن الحكم الذاتي تحت سيادته باعتباره الإطار المناسب للتسوية.
وفي هذا السياق، فإن الوصول إلى توافق داخل مجلس الأمن لا يرتبط فقط بتمديد ولاية البعثة الأممية، وإنما كذلك بتحديد طبيعة المرجعية السياسية التي ستؤطر المفاوضات خلال المرحلة المقبلة.
المغرب أمام مرحلة دبلوماسية تتطلب تحويل الدعم إلى نتائج سياسية
بالنسبة للمغرب، تبرز أهمية هذه التطورات في استمرار حضور مبادرة الحكم الذاتي في صلب النقاش الأممي، بعد سنوات من الجهود الدبلوماسية الرامية إلى توسيع دائرة التأييد الدولي للمقترح الذي قدمته الرباط سنة 2007.
غير أن الانتقال من الدعم السياسي للمبادرة إلى تسوية نهائية للنزاع يظل مرتبطاً بجملة من الشروط، في مقدمتها التوافق على مضمون الحكم الذاتي، وضمانات تنفيذه، وصلاحيات المؤسسات المحلية، والعلاقة بين السلطة المركزية والهيئات المنتخبة، فضلاً عن قبول الأطراف المعنية بمخرجات العملية السياسية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بتثبيت مرجعية التفاوض، وإنما أيضاً بمدى قدرة المسار الأممي على الانتقال من المبادئ العامة إلى مناقشة الترتيبات المؤسساتية والقانونية والعملية للحل المقترح.
30 أكتوبر.. موعد مرتقب لاختبار التوافق داخل مجلس الأمن
تتجه الأنظار إلى يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، الموعد المرتقب للتصويت على مشروع القرار الجديد، قبل انتهاء الولاية الحالية لبعثة «مينورسو» في 31 أكتوبر.
وسيكون القرار النهائي مؤشراً مهماً على اتجاه النقاش داخل مجلس الأمن بشأن ثلاثة ملفات مترابطة: المرجعية السياسية للمفاوضات، ومستقبل المهمة الأممية، وآليات مواكبة التسوية.
وإذا كانت النسخة المنقحة قد حافظت على المكانة المركزية لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، فإن الصياغة النهائية ستظل خاضعة للمشاورات والمواقف التي ستعبر عنها الدول الأعضاء.
وبذلك، تقف قضية الصحراء أمام محطة دبلوماسية جديدة قد تؤثر في طبيعة تدبير النزاع خلال المرحلة المقبلة، دون أن تعني بالضرورة التوصل الفوري إلى تسوية نهائية.
ويبقى الرهان الأساسي هو مدى قدرة الأطراف، بدعم من الأمم المتحدة والقوى الدولية المعنية، على تحويل الزخم الدبلوماسي الحالي إلى مفاوضات منتجة تفضي إلى حل سياسي دائم، يضمن الاستقرار والأمن والتنمية في المنطقة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



