
حرق النفايات بتارودانت.. معاناة بيئية متواصلة تستدعي حلولا جذرية
لم تعد مشكلة النفايات بمدينة تارودانت تقتصر على مشاهد الأزبال المتراكمة أو النقاط السوداء التي تشوه جمالية بعض الفضاءات، بل أصبحت، في ظل استمرار ظاهرة حرق النفايات وما يرافقها من مخاوف بيئية وصحية، قضية تؤرق الساكنة وتطرح أسئلة ملحة حول سبل تدبير هذا الملف بشكل مستدام.
فمنذ مدة، تعبر ساكنة المدينة عن انشغالها إزاء هذه الوضعية، خاصة عندما تتحول النفايات إلى مصدر للأدخنة والروائح المزعجة، بما يثير مخاوف بشأن جودة الهواء وسلامة المحيط الذي يعيش فيه المواطنون. فحرق النفايات في الهواء الطلق ليس مجرد سلوك يسيء إلى جمالية المدينة، بل ممارسة قد تؤدي إلى انبعاث ملوثات ضارة، تختلف خطورتها بحسب طبيعة المواد المحترقة وظروف الاحتراق.
وفي هذا السياق، يشكل وادي الواعر أحد المواقع التي عاد إليها النقاش بشأن الرمي العشوائي للنفايات، في وقت انطلقت فيه تدخلات ميدانية لإحداث حاجز يمنع دخول الدراجات ثلاثية العجلات والعربات المجرورة بهدف التخلص من الأزبال بالمكان. كما شكلت زيارة لجنة إلى المطرح البلدي خطوة نحو الوقوف على الوضعية وتحديد التدخلات المطلوبة.
ولا شك أن هذه التحركات تمثل مؤشرا على التفاعل مع الإشكال المطروح، غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في التدخل الظرفي أو إغلاق منفذ هنا ومعالجة نقطة سوداء هناك، بل في وضع تصور متكامل يعالج أسباب المشكلة ويمنع انتقالها من مكان إلى آخر.
فمنع الرمي العشوائي يظل إجراء ضروريا، لكنه لن يحقق النتائج المرجوة ما لم يواكب بتوفير بدائل عملية للتخلص من النفايات، وتنظيم عمليات جمعها ونقلها، وتعزيز المراقبة، والتصدي للمخالفات وفق القوانين الجاري بها العمل. كما أن معالجة وضعية المطرح البلدي تقتضي تقييما دقيقا لطرق تدبيره، واتخاذ التدابير البيئية اللازمة، مع الحرص على منع حرق النفايات ومراقبة مصادر الأدخنة والانبعاثات.
إن الحق في بيئة سليمة ليس ترفا، بل هو جزء من جودة الحياة وكرامة المواطن. ومن هذا المنطلق، فإن ساكنة تارودانت في حاجة إلى إجراءات ملموسة ومستدامة، لا إلى حلول مؤقتة سرعان ما تتراجع آثارها مع مرور الوقت.
كما أن معالجة هذا الملف تستدعي تنسيقا فعالا بين السلطات الإقليمية والمحلية والجماعة الترابية المكلفة بتدبير قطاع النظافة، مع إشراك المجتمع المدني والساكنة في التوعية والتبليغ عن الممارسات المضرة بالبيئة. فالمسؤولية مشتركة، وإن كانت معالجة الاختلالات البنيوية وتوفير شروط التدبير السليم للنفايات تقتضي وضوحا في الاختصاصات والتزامات الجهات المعنية.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال دور المواطنين في الحفاظ على نظافة المدينة، من خلال الامتناع عن الرمي العشوائي واحترام الأماكن المخصصة للنفايات، لأن أي مجهود مؤسساتي يظل محدود الأثر إذا لم يواكبه سلوك مسؤول من الجميع.
إن ما تحتاجه تارودانت اليوم هو الانتقال من تدبير آثار أزمة النفايات إلى معالجة أسبابها، عبر خطة واضحة تتضمن إجراءات عاجلة وأخرى بعيدة المدى، وتحديد المسؤوليات والآجال، مع إطلاع الرأي العام على التدابير المتخذة والنتائج المحققة.
فتارودانت، بما تختزنه من تاريخ ورصيد حضاري، تستحق محيطا نظيفا وهواء سليما، ولا ينبغي أن تظل ساكنتها رهينة مشاهد النفايات وأدخنتها. ويبقى الأمل معقودا على أن تشكل التدخلات الجارية بداية لمسار جدي ومستمر، يعيد الاعتبار للبيئة الحضرية ويضع صحة المواطن في صلب الأولويات.
فالمطلوب اليوم ليس فقط إيقاف حرق النفايات، بل بناء منظومة تدبير تجعل تكرار هذه المشاهد أمرا غير مقبول، وتضمن لساكنة تارودانت حقها في مدينة نظيفة وبيئة آمنة.
عبد المجيد الترناوي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




