الثقافة

عبد الرزاق فتاح يفتح أفقًا جديدًا لتحديث الإدارة القضائية بإصدار جديد

من هيبة القضاء إلى حكامة الأداء.. عبد الرزاق فتاح يفتح أفقًا جديدًا لتحديث الإدارة القضائية..إصدار جديد يضع التدبير الاستراتيجي ولوحات القيادة في صلب النجاعة المؤسساتية للنيابة العامة.

  • بقلم: حسن كرياط //

في سياق التحولات العميقة التي تشهدها منظومة العدالة بالمغرب، وما تفرضه من رهانات متجددة على مستوى الحكامة والنجاعة وجودة الخدمات القضائية، يبرز الإصدار الجديد للأستاذ عبد الرزاق فتاح، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بأكادير، بعنوان «معالم التدبير الإداري الحديث في عمل النيابة العامة: التدبير الاستراتيجي ولوحات القيادة»، الصادر سنة 2026، بوصفه إضافة علمية ومؤسساتية تفتح نقاشًا جادًا حول مستقبل الإدارة القضائية، وشروط الانتقال بها من تدبير الإكراهات اليومية إلى بناء رؤية استراتيجية تستشرف التحولات وتستجيب لمتطلبات الإصلاح.
ولا تكمن أهمية هذا المؤلف في تناوله موضوعًا إداريًا متخصصًا فحسب، بل في اختياره مدخلًا بالغ الأهمية لفهم التحولات التي أصبحت تفرض نفسها على المؤسسات القضائية؛ ذلك أن استقلال القضاء، وهيبة المؤسسة، وجودة الأحكام والقرارات، تظل عناصر أساسية في بناء العدالة، غير أن تعزيز أثرها المؤسساتي يقتضي، أيضًا، تطوير أساليب التدبير، وترشيد استخدام الموارد، واعتماد آليات دقيقة للتخطيط والتقييم وقياس الأداء.
من هذا المنطلق، يكتسب الكتاب راهنيته، لأنه يلامس إحدى القضايا الجوهرية في تحديث المرفق القضائي: كيف يمكن الانتقال من منطق تدبير الملفات والإكراهات الآنية إلى ثقافة مؤسساتية قائمة على التخطيط الاستراتيجي، واستثمار المعطيات، واستشراف الحاجيات، وربط المسؤولية بالنتائج؟
إنه سؤال يتجاوز حدود الإدارة اليومية، ليضع القيادة القضائية أمام تحدي التوفيق بين متطلبات العمل القضائي، وضمانات المحاكمة العادلة، والالتزامات الحقوقية، وبين ضرورة تطوير الأداء التنظيمي والإداري بما يضمن استمرارية المرفق القضائي وفعاليته. فالتدبير الحديث لا ينبغي أن يُختزل في إجراءات تقنية أو مؤشرات رقمية، وإنما يتعين النظر إليه باعتباره منظومة متكاملة تساعد على تحسين القرار، ورفع مستوى التنسيق، وتحديد الأولويات، واستثمار الإمكانات المتاحة على نحو أكثر عقلانية وفعالية.
التدبير الاستراتيجي.. من معالجة الإكراهات إلى صناعة الرؤية
يضع مفهوم التدبير الاستراتيجي المؤسسة القضائية أمام أفق جديد في ممارسة المسؤولية؛ إذ لم يعد كافيًا الاكتفاء بالتفاعل مع ضغط الملفات وتزايد انتظارات المرتفقين، بل أصبح من الضروري بناء تصورات واضحة للأهداف، وتحديد الأولويات، واستشراف المخاطر، وتقييم الإمكانات، ثم وضع آليات عملية لتتبع الإنجاز وتصحيح الاختلالات.
وتزداد أهمية هذا التوجه داخل النيابة العامة بالنظر إلى طبيعة المهام المنوطة بها، وحجم المسؤوليات القانونية والمؤسساتية الملقاة على عاتقها، وما تتطلبه من سرعة في المعالجة، ودقة في اتخاذ القرار، وفعالية في التنسيق، واحترام تام للقانون وضمانات الحقوق والحريات.
وعليه، فإن التدبير الاستراتيجي لا يمثل مجرد خيار إداري قابل للتبني أو التجاوز، بل يشكل أحد المداخل الممكنة لتعزيز قدرة المؤسسة على الاستجابة للتحولات، شريطة أن يظل خاضعًا للضوابط القانونية، ومندمجًا في فلسفة العدالة القائمة على استقلال القرار القضائي، وحماية الحقوق، وتحقيق المصلحة العامة.
ومن هنا، تتجلى القيمة الفكرية والعملية للموضوع الذي اختاره الأستاذ عبد الرزاق فتاح، باعتباره مدخلًا للتفكير في القيادة القضائية ليس فقط من زاوية السلطة المرتبطة بالمنصب، وإنما أيضًا من زاوية القدرة على بناء الرؤية، وتنظيم العمل، وتحفيز الموارد البشرية، وتطوير آليات التنسيق والتقييم.
لوحات القيادة.. حين تتحول المعلومة إلى أداة لصناعة القرار
إذا كان التخطيط الاستراتيجي يحدد وجهة المؤسسة وأهدافها، فإن لوحات القيادة توفر الأدوات التي تساعد على تتبع مستوى التقدم، ورصد الاختلالات، وقياس النتائج، وتوفير معطيات موضوعية تسند عملية اتخاذ القرار.
وتكتسي هذه الآلية أهمية خاصة في الإدارة القضائية، حيث يمكن لاستثمار المؤشرات الإحصائية والمعطيات المرتبطة بسير العمل أن يساعد على تشخيص مكامن القوة والضعف، وتحديد الحاجيات الفعلية، وتحسين توزيع الموارد، وتطوير التنسيق بين مختلف المصالح، فضلًا عن تعزيز القدرة على التقييم المستمر.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في مجرد إنتاج الأرقام أو تجميع المعطيات، وإنما في تحويلها إلى معرفة عملية تساعد المسؤول القضائي على فهم واقع المؤسسة واتخاذ القرارات الملائمة. فالمؤشر، مهما بلغت دقته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن التقدير القضائي المستقل، ولا يجوز أن يتحول إلى غاية في حد ذاته، بل ينبغي أن يظل أداة لتحسين التنظيم الإداري، مع مراعاة خصوصية العمل القضائي وأبعاده القانونية والإنسانية.
ومن هذا المنظور، تكتسب لوحات القيادة معناها الحقيقي حين تصبح وسيلة لتطوير الأداء المؤسسي، لا مجرد آلية للمراقبة الشكلية؛ وحين تتيح للمسؤول الانتقال من الانطباعات العامة إلى التشخيص الموضوعي، ومن التدخل الظرفي إلى المعالجة المبنية على المعطيات، ومن التقييم الموسمي إلى ثقافة التحسين المستمر.
إنها مقاربة تجعل من المعلومة عنصرًا أساسيًا في الحكامة، ومن التقييم وسيلة لتصحيح المسار، ومن التخطيط آلية لاستباق الصعوبات بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
القيادة القضائية بين صرامة القانون ومتطلبات الحكامة الحديثة
لا يمكن فصل تحديث الإدارة القضائية عن طبيعة القيادة التي تتولى تدبيرها؛ فالمسؤولية القضائية لا تُقاس فقط بمدى احترام الإجراءات والضوابط القانونية، وإنما تتطلب كذلك القدرة على تنظيم العمل، وترسيخ الانضباط المهني، وتطوير التواصل المؤسساتي، وتحقيق التوازن بين متطلبات النجاعة وضمانات الحقوق.
ومن ثم، فإن القيادة القضائية الحديثة تستدعي الجمع بين الكفاءة القانونية والخبرة التدبيرية، وبين وضوح الرؤية والقدرة على التنفيذ، وبين الحزم في تحمل المسؤولية والانفتاح على الممارسات الإدارية الناجعة.
وفي هذا السياق، تبرز الرقمنة وتأهيل الموارد البشرية باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي إصلاح مؤسساتي مستدام. فالتحول الرقمي لا يقتصر على إدخال التكنولوجيا إلى المكاتب والمصالح، بل يشمل إعادة التفكير في مسارات العمل، وتيسير تداول المعلومات، وتحسين التنسيق، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز أمن المعطيات وحمايتها.
أما الموارد البشرية، فتظل العنصر الحاسم في نجاح أي مشروع للتحديث؛ إذ لا يمكن للأنظمة التقنية، مهما بلغت درجة تطورها، أن تحقق أهدافها دون كفاءات مؤهلة، وتكوين مستمر، وبيئة مهنية محفزة، وثقافة مؤسساتية تؤمن بالتطوير وتستوعب متطلبات التغيير.
وعلى هذا الأساس، فإن الحديث عن التدبير الإداري الحديث داخل النيابة العامة هو حديث عن مشروع متكامل تتفاعل فيه الرؤية الاستراتيجية مع الأدوات التقنية، وتتكامل فيه الحكامة مع الكفاءة البشرية، ويظل فيه احترام القانون وصون الحقوق مرجعية ثابتة لا تقبل الاختزال أو المساومة.
تقديم مؤسساتي يعزز راهنية الموضوع
ويكتسب هذا الإصدار بعدًا مؤسساتيًا إضافيًا من خلال تقديمه بقلم الأستاذ هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، بما يعكس أهمية الموضوع الذي يتناوله الكتاب في النقاش المتصل بتطوير أساليب تدبير المرفق القضائي وتعزيز نجاعة الأداء المؤسساتي.
فالإصلاح القضائي لا يتحقق بالنصوص والهياكل التنظيمية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى إنتاج المعرفة المتخصصة، وتبادل الخبرات، وتوثيق التجارب المهنية، وتطوير اجتهادات تدبيرية قادرة على تحويل التوجهات الإصلاحية إلى ممارسات عملية قابلة للتقييم والتطوير.
ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية المؤلفات التي تنقل النقاش حول تحديث العدالة من مستوى الشعارات العامة إلى مستوى الأدوات والآليات والمقاربات التطبيقية، وتتيح للباحثين والقضاة والأطر الإدارية والمهتمين بالشأن القضائي مادة للتأمل والمناقشة وتطوير الممارسة.
كما أن الربط بين التجربة المهنية والبحث المعرفي يمنح موضوع التدبير القضائي قيمة خاصة، لأنه يفتح المجال أمام مقاربة تنطلق من خصوصيات الواقع المؤسساتي، وتستفيد من أدوات الإدارة الحديثة، دون إغفال الطبيعة المتميزة للعمل القضائي وحدوده القانونية والحقوقية.
من تحديث الإدارة إلى ترسيخ الثقة في العدالة
إن القيمة الأعمق لأي مشروع لتحديث الإدارة القضائية تقاس بمدى انعكاسه على جودة الخدمة المقدمة للمرتفق، وقدرة المؤسسة على الاستجابة لانتظارات المجتمع، وتعزيز الثقة في العدالة باعتبارها إحدى ركائز دولة القانون والمؤسسات.
فالمواطن لا ينتظر من المؤسسة القضائية احترام القانون فحسب، وهو أمر جوهري لا غنى عنه، بل يتطلع أيضًا إلى إدارة منظمة، وإجراءات واضحة، وتواصل مسؤول، ومعالجة فعالة داخل الآجال القانونية، وضمانات فعلية لصون الحقوق والكرامة الإنسانية.
ومن هنا، تبرز ضرورة النظر إلى التدبير الحديث باعتباره وسيلة لخدمة العدالة، لا غاية مستقلة عنها؛ فالمؤشرات لا تكتسب قيمتها من الأرقام التي تنتجها، وإنما من قدرتها على المساهمة في تحسين الأداء، والتخطيط لا يحقق غايته بمجرد صياغة البرامج، بل بمدى ترجمتها إلى نتائج ملموسة، والرقمنة لا تصبح إصلاحًا حقيقيًا إلا حين تسهم في تيسير الخدمات، وتحسين جودة العمل، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
ولعل هذا هو الرهان الأساسي الذي يجعل موضوع الكتاب جديرًا بالاهتمام: بناء إدارة قضائية أكثر قدرة على التخطيط والتقييم والتطوير، من دون التفريط في استقلال القضاء، أو اختزال العدالة في منطق المردودية الكمية، أو إغفال بعدها الإنساني والحقوقي.
وصفوة القول:
إن إصدار الأستاذ عبد الرزاق فتاح، «معالم التدبير الإداري الحديث في عمل النيابة العامة: التدبير الاستراتيجي ولوحات القيادة»، يضع بين أيدي المهتمين بالشأن القضائي موضوعًا يتجاوز حدود التدبير الإداري بمفهومه التقليدي، ليفتح أفقًا للتفكير في طبيعة القيادة القضائية، وأدوات تطوير الأداء، وشروط بناء مؤسسة قادرة على استيعاب التحولات والاستجابة لمتطلبات الإصلاح.
وإذا كانت هيبة القضاء تستمد أساسها من استقلاله ونزاهته واحترام القانون، فإن تعزيز فعاليته المؤسساتية يمر أيضًا عبر حكامة جيدة، وتخطيط رصين، وتقييم موضوعي، واستثمار مسؤول للمعلومة، وتأهيل مستمر للموارد البشرية.
وبين ثبات المرجعية القانونية وتطور أدوات التدبير، تتحدد معالم الإدارة القضائية الحديثة: إدارة لا تكتفي بتدبير الحاضر، بل تستشرف المستقبل؛ ولا تنشغل بالأرقام لذاتها، بل توظفها لتحسين الأداء؛ ولا تجعل من النجاعة هدفًا منفصلًا، بل تربطها بجودة العدالة وصون الحقوق وترسيخ الثقة في المؤسسات.
ذلك هو التحدي الحقيقي أمام تحديث الإدارة القضائية بالمغرب: أن تتحول الحكامة من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية، وأن يصبح التخطيط أداة للاستباق، والتقييم مدخلًا للتطوير، والنجاعة سبيلًا إلى عدالة أكثر جودة وفعالية وإنصافًا.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto