
أحمد بودهكات : الزمن المسلوب والعطل المهدورة.. حين تسرق الواجبات المنزلية زمن الطفولة
لم تكن العطل المدرسية يوماً مجرد ثقب في الزمن الدراسي أو استراحة مجانية من المسؤولية، بل هي محطة بيداغوجية بيولوجية صُممت بعناية لتتيح للدماغ البشري إعادة تنظيم معارفه وتجديد طاقته الحيوية. غير أن واقع الممارسة التعليمية اليوم يضعنا أمام مفارقة عجيبة؛ حيث يُصر البعض على اغتيال هذه الفرصة عبر إغراق التلاميذ بسيل لا ينتهي من الواجبات المنزلية والفروض المتراكمة.
إن هذا الإصرار على تحويل المنزل إلى امتداد ثقيل للقسم لا يعكس حرصا على التحصيل بقدر ما يكشف عن أزمة عميقة في فهم إيقاعات التعلم وتوازنات الطفولة.
وفي هذا السياق، تجد ظاهرة الواجبات المنزلية مبرراتها التقليدية في رغبة المدرس في ترسيخ المكتسبات المعرفية، غير أن تحويل البيت إلى امتداد مكثف لفضاء القسم يحرم الطفل من حقه الأصيل في اللعب وممارسة هواياته واكتساب مهارات حياتية خارج أسوار المؤسسة التعليمية. وما يضاعف من حدة الأزمة ويجعلها مأساة حقيقية هو حرمان المتعلمين من متعة العطل البينية التي وضعت أصلا لتجديد النشاط والترويح عن النفس، ليتحول الأطفال إلى أسرى لعشرات التمارين والفروض المنزلية.
ولا يتوقف النزيف عند هذا الحد، بل تتدخل مراكز الدعم التربوي الخاصة لتثقل كاهلهم بتكثيف حصص الدعم طيلة أيام العطلة، مما يحرم الطفل وعائلته من أبسط حقوقهم في الاسترخاء والسفر وتغيير الروتين.
والمؤسف حقا أن هذه الظاهرة المجحفة تتغذى من تمثلات مغلوطة لدى بعض أولياء الأمور؛ حيث يسود اعتقاد خاطئ يُقيّم أداء الكفاءة المهنية للأستاذ انطلاقا من كمية الواجبات والبحوث والتمارين التي يغرق بها التلاميذ. هذا المعيار المقلوب يمارس ضغطا غير مباشر على المدرس، فيجد نفسه مجبرا على إرضاء الأولياء بكم هائل من الواجبات -قد تكون عشوائية- لكي يبدو مجدا ومتمكنا، متناسيا الأثر العكسي لهذا الكم على استيعاب الطفل وصحته النفسية.
فالنجاح البيداغوجي لا يقاس بكتلة الورق والمطبوعات المنجزة، بل بنوعية التعلمات ومستوى الرغبة والدافعية التي يمتلكها التلميذ تجاه التعلم.
ومن منظور بيداغوجي ونفسي حديث، تجمع أدبيات علوم التربية على أن الدماغ البشري -لا سيما لدى الأطفال والمراهقين- يحتاج إلى فترات راحة منتظمة لترسيخ المعلومات في الذاكرة طويلة المدى؛ لأن الضغط المستمر يؤدي حتما إلى “الاحتراق النفسي المدرسي”، ويولد شعورا بالنفور والكره اتجاه المدرسة وكل ما يمت بصلة للتعلم.
وفي المقابل، تقدم لنا التجارب الدولية الرائدة نماذج يحتذى بها، كفنلندا المعروفة بنظامها التعليمي العالمي التي تكاد تخلو مدارسها من الواجبات المنزلية التقليدية، وتمنح أطول فترات الراحة والعطل للطلاب، مؤكدة أن الطفل بحاجة لأن يكون طفلا أولاً وأن التعلم الفعال يحدث داخل قاعة الدرس في ظل ظروف محفزة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



