الرأيالمغرب اليوم

حوار المهداوي ـ عرشان : الاغتيال الثاني لضحايا سنوات الرصاص

لم يكن ذاك اللقاء بين حميد المهداوي ومحمود عرشان مجرد مقابلة صحفية عادية تُقاس بمعايير السبق أو نسب المشاهدة.. بل مشهداً سوريالياً يستوجب التوقف عنده طويلاً لا بما قيل فيه فحسب بل بكل ما تم السكوت عنه وتغييبه وتعصيب الأعين دونه.
حين يجلس صحفي عُرف عنه – عن حق أو باطل – التشويش والمشاكسة وحشر الضيوف في زوايا حرجة فيتحول فجأة في هذا اللقاء إلى مستمع ودي ومصفق صامت وممثل مساعد يفتح المسرح على مصراعيه لضيف يلاحقه تاريخ ثقيل من الذاكرة والوجع فإننا نكون أمام عملية تسويق سياسي وهندسة مقصودة لتبييض صفحات لم تجف بعد دمعة أصحابها.
لنكن واضحين بلا لف أو دوران:
ليس لأحد أن يصادر حق محمود عرشان في الكلام ولا حق أي فاعل سياسي أو أمني سابق في الدفاع عن نفسه فالتاريخ ليس ملكاً لأحد والذاكرة تحتمل الروايات المتعددة… لكن أين ينتهي حق الدفاع وأين يبدأ حق المجتمع في الحقيقة ؟
فعرشان ليس مجرد عابر سبيل في حديقة السياسة
هو رجل أمن سابق ارتبط اسمه بظلال داكنة من مرحلة «سنوات الرصاص».
وحين تُستضاف شخصية من هذا الطراز فإن أبسط بديهيات المهنة تفرض على الصحفي أن يتحول إلى حارس للذاكرة وأن يواجه ضيفه بالوثائق والشهادات وأنّات الضحايا وأسئلة هيئة الإنصاف والمصالحة لا أن يتركه يصول ويجول في مونولوج طويل عريض يُعيد فيه كتابة التاريخ على مقاسه ومن دون أن يُزعج هدوءه سؤال واحد محرّك للضمير أو فاضح للتناقضات.
المؤلم حقاً ليس أن عرشان تكلم بل أن المهداوي استقال من دوره الأصلي كمحاور شرس واختفى وراء صمت مريب تاركاً المشاهد يتابع حلقة كاملة من الإشهار الرمزي. وأصبح الميكروفون للأسف مغسلة كبرى لغسل أوزار الماضي وتمرير الخطابات من دون حسيب أو رقيب…
بل كنا أمام جلسة مجاملة تلفزيونية فرشت السجاد الأحمر لمن يُفترض أن يخضع للمساءلة والتدقيق.
جلسة في عمقها الفكري اغتيال ثانٍ لكل من حملوا ندوب تلك المرحلة.. واغتيال للذاكرة الجماعية وعلى الهواء مباشرة حيث أُتيحت للجلاد أو لمن يدور في فلكه، فرصة إعادة صياغة الرواية على مقاسه بينما بقي الضحايا في الظل يتابعون بصمت كيف تُباع حقيقتهم في سوق النخاسة الإعلامية.
صحيح أن الصحافة الحقة ليست محاكمة بوليسية.. لكنها أيضاً ليست منصة إعلانية لتبييض السِّيَر السوداء.
وحين تتخلى عن وظيفتها النقدية كما في حالة هذا اللقاء فإنها – أي الصحافة –
تصبح شريكاً في الجريمة الكبرى:
جريمة اغتيال الذاكرة. !

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto