المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية: ربع قرن من مصالحة المغرب مع الذات - اكادير اليوم

المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية: ربع قرن من مصالحة المغرب مع الذات

  • شارك الخبر

تحلّ الذكرى الخامسة والعشرون لتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM) كإحدى أبرز المحطات التاريخية والمؤسساتية في المغرب الحديث. ففي 17 أكتوبر 2001، ألقى الملك محمد السادس من بلدة “أجدير” بإقليم خنيفرة خطابه التاريخي الذي وضع اللبنات الأولى لإعادة الاعتبار للأمازيغية كرافد محوري وأساسي للهوية المغربية المتعددة. ومنذ إحداث المعهد بموجب الظهير الشريف رقم 1-01-299، قطع المغرب شوطاً مؤسسياً وأكاديمياً غير مسبوق في تدوين اللغة الأمازيغية وترسيمها وتعميمها في الفضاء العام.
أبعاد المصالحة الوطنية في موضوع الهوية
لم تكن المصالحة التي هندس معالمها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية مجرد إجراءٍ لغوي أو تسويةٍ سياقية، بل كانت قيامةً ثقافية وصحوةً للذاكرة الوطنية، أعادت ترتيب أوراق الهوية المغربية المركبة، وجعلت من التعدد أصلَ الرصانة ورمزَ الثراء. وقد تجلت هذه المصالحة الفريدة في ثلاثة أبعاد رئيسية:
أ. المصالحة مع التاريخ والجغرافيا: استعادة الجذر والعمق
أعاد المعهد وصلَ ما انقطع من حبل الذاكرة، مفرجاً عن العمق الأمازيغي الضارب في القدم، ومؤكداً أن المغرب ليس مجرد نقطة في الهامش، بل هو شجرة وافرة الأغصان جذورها ممتدة في عمق إفريقيا وشمالها لآلاف السنين. لقد كان هذا الإجراء بمثابة ردّ الاعتبار للإنسان والأرض، وإعلاناً صريحاً بأن التراث الأمازيغي هو الحجر الأساس الذي بُني عليه الصرح الحضاري للمملكة، وأن الهوية نسيجٌ حُبك بغزل الأزمنة ولا يقبل التجزئة.
ب. المصالحة الثقافية واللغوية: احتفاء بالتعدد وتبديد للأحادية
طوت المملكة بفضل هذه الخطوة التاريخية عهد الرؤية الأحادية الضيقة، لتفتح أبوابها على وسعها للنظر إلى الثقافة كفضاءٍ يتسع للجميع. وبدخول حرف “تيفيناغ” الشامخ إلى ساحات الفضاء العام، وواجهات المؤسسات، ورِحاب المناهج التربوية جنباً إلى جنب مع الحرف العربي، أشرقت على المغرب شمسُ لغةٍ جديدة للعيش المشترك؛ لغةٍ تجعل من الاختلاف آية جمال، ومن التنوع اللغوي صمام أمانٍ يكرّس التسامح والقبول بالآخر.
ج. المصالحة الحقوقية والسياسية: من الوجدان إلى سمو الدستور
لم تتوقف هذه النهضة الهوياتية عند حدود الانفعال العاطفي أو التراكم الأكاديمي، بل اتسعت لتصوغ عقداً اجتماعيًا وسياسيًا جديدًا. تجسد ذلك في المحطة المفصلية لـ دستور 2011 الذي بوّأ الأمازيغية مكانتها المستحقة كـ لغة رسمية للدولة، ليتوج هذا المسار الدستوري لاحقاً بالقوانين التنظيمية المُفعّلة، وبإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية؛ في إشارة رمزية بالغة الدلالة على أن الدولة تصالحت نهائياً مع وجدان شعبها وتاريخه المجيد.
حصيلة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية
تتلخص حصيلة المعهد في مسار ترسيم وتفعيل اللغة الأمازيغية في عدة مجالات رئيسية:
* التقعيد والتهيئة اللغوية (المعيار اللغوي)
* اعتماد خط تيفيناغ: التوصل إلى قرار تاريخي بتبني حرف “تيفيناغ” كتابة رسمية للغة الأمازيغية، وتطوير معاييره التقنية والرقمية.
* المعيرة والنحو: إنجاز معاجم بيداغوجية ومتخصصة، وتوحيد القواعد النحوية والصرفية للأمازيغية للانتقال بها من التنوع الشفهي/المحلي إلى لغة مكتوبة ومعيارية وموحدة لتسهيل تدريسها واستعمالها المؤسساتي.
* الترميز الرقمي (Unicode): إدماج حرف تيفيناغ في منظومة “يونيكود” العالمية، مما مكن من كتابتها ومعالجتها إلكترونياً على أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية وفي البرمجيات الدولية.
* قطاع التربية والتكوين والتعليم
* المنهج الدراسي: إعداد المناهج والكتب المدرسية والأدلة البيداغوجية لتدريس الأمازيغية في مرحلة التعليم الابتدائي بالتعاون مع وزارة التربية الوطنية.
* التكوين والتأهيل: تكوين الأساتذة والمفتشين، وتقديم الخبرة التقنية والبيداغوجية لمسالك الدراسات الأمازيغية بالجامعات والمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.
* الإعلام والاتصال والتكنولوجيات الحديثة
* المرافقة الإعلامية: تقديم الخبرة اللغوية والتكوينية عند إطلاق القناة الثقافية الأمازيغية (القناة الثامنة) وإعداد المصطلحات والمفاهيم للإعلام السمعي البصري.
* الرقمنة والذكاء الاصطناعي: إنجاز تطبيقات إلكترونية ومعاجم رقمية وموارد برمجية لتسهيل الترجمة والتعلم من وإلى الأمازيغية.
* الإدارة والخدمات العمومية والترجمة
* المواكبة المؤسساتية: وضع الخبرة الاستشارية رهن إشارة القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية لإدماج الأمازيغية في علامات التشوير والواجهات والمواقع الإلكترونية.
* ترجمة النصوص والنشرات: ترجمة الوثائق والخطابات والقوانين والتطبيقات الرسمية إلى الأمازيغية بحرف تيفيناغ.
* تكوين الموظفين: تنظيم دورات تدريبية لموظفي القطاعات الحكومية (مثل العدل، الصحة، الثقافة) لتسهيل التواصل بالأمازيغية مع المواطنين.
* النشر والبحث العلمي ودعم الإبداع
* الدراسات والإصدارات: نشر مئات الكتب والمعاجم والدراسات الأنثروبولوجية والأدبية والتاريخية المتعلقة بالتراث الأمازيغي.
* الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية: تشجيع الإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي والإعلام والتطبيقات الرقمية الأمازيغية عبر منح جوائز سنوية تحفيزية.
* شراكات المجتمع المدني: تقديم الدعم المالي والفني للجمعيات الثقافية والمهتمين بالنهوض باللغة والثقافة الأمازيغية.
تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية ورش وطني استراتيجي يكتسي أهمية بالغة في مسار ترسيخ الهوية الوطنية الدستورية، غير أن تنزيله على أرض الواقع يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية والميدانية المتشعبة:
* التحديات الإدارية والمؤسساتية
* بطء وتيرة التعميم الإداري: لا يزال حضور الأمازيغية في الإدارات العمومية، والمرافق الحيوية، ولوحات التشوير، والوثائق الرسمية دون السقف المأمول، نظراً لغياب آليات إلزامية صارمة ومواكبة دقيقة في بعض القطاعات.
* نقص الموارد البشرية المؤهلة: يعاني قطاع الوظيفة العمومية من خصاص ملحوظ في الأطر والموظفين القادرين على التواصل بطلاقة باللغة الأمازيغية وتقديم الخدمات للمواطنين بها (استقبال، توجيه، وتحرير الوثائق).
* ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية: يتطلب التفعيل السليم تكاملاً محكماً بين قطاعات متعددة (كالتعليم، والثقافة، والاتصال، والعدل)، وهو ما تعوقه أحياناً تباينات في الإيقاعات التنفيذية وبرمجة الميزانيات.
* التحديات التعليمية والبيداغوجية
* بطء وتيرة التوسيع المدرسي: بالرغم من الخطوات المحمودة لتدريس الأمازيغية في الأسلاك التعليمية الأولى، إلا أن نسبة التغطية وتعميم التدريس على جميع المؤسسات الابتدائية تعرف تعثرات مرتبطة بتوفر الأساتذة المتخصصين.
* الخصاص في تكوين الأساتذة: النقص الحاصل في مسالك التكوين الأساسي والمستمر للأستاذات والأساتذة المتخصصين في تدريس الأمازيغية يشكل عائقاً أمام جودة التعلمات واستدامتها.
* الامتداد نحو الأسلاك العليا: التحدي قائم بقوة في إدماج الأمازيغية بشكل فعلي وتدريجي في التعليم الإعدادي والثانوي (الثانوي التأهيلي)، وكذا في التعليم العالي والجامعي.
* التحديات الرقمية والإعلامية
* ضعف الحضور الرقمي والمحتوى الرقمي: نقص البرمجيات، والتطبيقات الذكية، والمحتويات الرقمية المكتوبة بحرف “تيفيناغ”، مما يحد من إدماج الأمازيغية في اقتصاد المعرفة والثورة الرقمية.
* محدودية الإنتاج الإعلامي السمعي البصري: على الرغم من إطلاق قنوات تلفزية متخصصة وإذاعات جهوية، فإن الإنتاج الدرامي، والسينمائي، والثقافي الناطق بالأمازيغية ما زال يحتاج إلى دعم مالي ولوجستي وازن ليرقى إلى تطلعات الجمهور والانتشار الواسع.
* التحديات الثقافية والتشريعية
* بطء إصدار النصوص التنظيمية: التأخر النسبي في تنزيل بعض القوانين والمراسيم التطبيقية المرتبطة بمجالات إعمال الطابع الرسمي بدقة ووضوح زمني.
* غياب الوعي المجتمعي بأهمية الإدماج الشامل: استمرار بعض الصور النمطية أو القشور في إدراك البعد الحقوقي والتنموي للأمازيغية بوصفها رأسمالاً ثقافياً مشتركاً لكل المغاربة.
إن تجاوز هذه التحديات يقتضي نفساً جديداً يقوم على إرادة سياسية قوية، ورصد ميزانيات كافية، وإرساء آليات تقييم ومراقبة دقيقة تضمن تحويل الطابع الرسمي من نص دستوري إلى ممارسة يومية ومواطنة فعلية.
23/10/2026
بقلم الأستاذ أبرايم إدريس

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

المغرب اليوم

المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية: ربع قرن من مصالحة المغرب مع الذات

المغرب اليوم

الذاكرة لا تنسى.. والبرلمان ليس ملاذا للمتورطين في سنوات الرصاص

المغرب اليوم

دﻓﺎﻋﺎ ﻋﻦ ﺣﻘﻮق اﻟﻤﻬﻨﻴﺎت واﻟﻤﻬﻨﻴﲔ وﻋﻦ ﻛﺮاﻣﺘﻬﻢ ﺑﻤﻮﻗﻊ SNRTnews

المغرب اليوم

مهنيو المحاسبة يحتجون أمام وزارة المالية لهذا السبب..

المغرب اليوم

العثور على جثة رضيعة بمنطقة خلاء بدار بوعزة يستنفر المصالح الأمنية