ما شهدناه تحت قبة البرلمان مؤخراً لم يكن مجرد شطحة كلامية أو مناكفة سياسية عابرة في سياق مناقشة البرنامج الحكومي والتنافس على المكاسب السياسية بل كان مشهداً مكثفاً ومؤلماً يختزل حجم الفراغ الأخلاقي الذي بات يهدد الممارسة السياسية بالمغرب.
أن يتطوع برلماني ارتبط اسمه في الذاكرة الحقوقية والسياسية بمركز درب مولاي الشريف وبإرث ما يُعرف بسنوات الجمر والرصاص لتسخير الكلمة التي مُنحت له باسم الشعب لا للدفاع عن هموم الفقراء وأزمات التنمية بل ليصنع منها مغسلة شخصية لتبييض صفحة ماضٍ أمني يتذكره المغاربة بكثير من الغصة ويهاجم المجتمع المدني بعبارات التخوين ووصمه بالطابور الخامس.. فذلك في تقديري انحراف عن الجوهر الأصيل للمهمة التمثيلية التي تقتضي الدفاع عن كرامة المواطنين وحقوقهم لا استغلال المؤسسة التشريعية لإعادة فتح جراح الذاكرة الوطنية.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود هذا التدخل بل يمتد إلى الصمت الذي أحاط به وإلى التساؤل عن مسؤولية رئاسة الجلسة في ضمان احترام ضوابط النقاش البرلماني وعن موقف القيادات السياسية التي تجعل من العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية جزءاً من رصيدها السياسي والرمزي.
إن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ بالضرورة بوصفه حياداً بروتوكولياً بل يثير أسئلة مشروعة حول مدى الالتزام العملي بقيم الإنصاف والمصلحة وحول القدرة على صون كرامة الضحايا بعيداً عن الحسابات السياسية الظرفية.
ولأن الذاكرة الوطنية لا تُختزل في المواقف الراهنة ولأن استحضار الماضي يفرض علينا أيضاً استحضار الشهادات التي تكشف كيف تعامل ممثلو الأمة مع رموزه ومحطاته المؤلمة أستحضر هنا شهادة للأخ الصادق الرغيوي المناضل النقابي والحقوقي أعتبرها ذات دلالة في هذا السياق :
( للتاريخ عندما كنت برلمانياً وخلال إحدى الجلسات المنقولة مباشرة على الهواء والتي تزامنت مع ذكرى اغتيال الشهيد المهدي بنبركة أخذت نقطة نظام وطلبت من الجميع الوقوف دقيقة صمت وقراءة الفاتحة ترحماً على عريس الشهداء فوقف جميع البرلمانيين الحاضرين بما فيهم رئاسة الجلسة، باستثناء الكوميسير عرشان) .
إن استحضار هذه الشهادة لا يراد منه مجرد المقارنة بين مواقف أشخاص في لحظات تاريخية مختلفة بقدر ما يفتح باب التساؤل حول علاقة السلوك السياسي بالذاكرة الوطنية وحول ما إذا كانت المؤسسات التمثيلية قادرة على التعامل مع محطات تاريخنا المؤلمة بروح المسؤولية والإنصاف بعيداً عن الحسابات الضيقة.
فالبرلمان ليس ملكاً لأشخاص أو أحزاب بل هو مؤسسة دستورية يفترض أن تعكس نبض المجتمع وتعدد روافده وحساسيته التعبيرية وأن تظل فضاءً للنقاش المسؤول لا مجالاً لتصفية الحسابات مع الذاكرة الوطنية أو تبخيس تضحيات المدافعين عن حقوق الإنسان.
لذلك نؤكد وبكل مسؤولية على أن المناصب قد تغيّر مواقع الجلوس لكنها لا تمنح صكوك الغفران والمقاعد الوثيرة تحت قبة البرلمان لا تشتري ذمة التاريخ ولا شرفه.
فالذاكرة الوطنية ليست ملكاً لأحد حتى يختزلها أو يعيد صياغتها وفق حساباته.
وبين المصالحة والنسيان مسافة لا ينبغي أن يطمسها الصمت لأن الوفاء للحقيقة والكرامة يظل قبل كل شيء امتحاناً لأخلاق السياسة وشرف المسؤولية
وختاما على الجميع العودة إلى خطاب جلالة الملك محمد السادس بتاريخ 6 يناير 2006
( … وإني لواثق أن هذه المصالحة الصادقة التي أنجزناها، لا تعني نسيان الماضي، فالتاريخ لا ينسى. وإنما تعتبر بمثابة استجابة لقوله تعالى:
” فاصفح الصفح الجميل ”
وإنه لصفح جماعي من شأنه أن يشكل دعامة للإصلاح المؤسسي)
وأعيدها قال تعالى
(.. فاصفح الصّفح الجميل )
يوسف غريب كاتب صحفي

