في معرض إجابتها أمام مجلس المستشارين حول قرار إعفاء الوزيرة مديحة خيير بعد أقل من 48 ساعة على تعيينها اختارت رئيسة الحكومة أن تؤطر المعطى في سياق الجرأة السياسية نافيةً عن الحكومة شبهة الارتباك.
وأكدت في كلمتها أنها اطلعت على الوثائق والمستندات الخاصة بالملف لاحقاً دون علم سابق بها مشيرة إلى أن المعنية بالأمر كانت قد استفادت من رد الاعتبار القضائي عام 2019.
غير أن التوقف عند حدود هذا التفسير السياسي يُغفل الركن الأساسي في عملية صنع القرار العمومي فالوزيرة المعفاة لم تُعيّن نفسها بنفسها بل مرت عبر مسار سياسي وإداري طويل انتهى باقتراح اسمها فالقبول ثم التعيين الرسمي. ومن ثمّ فإن دائرة المسؤولية لا ينبغي أن تقف عند الحدود الشخصية للوزيرة المعفاة بل يجب أن تمتد لتشمل كافة الجهات التي رشحتها والآليات التي دبّر بها الملف والأجهزة التي أوكلت إليها مهمة التحري والتدقيق.
تضعنا هذه الواقعة أمام فرضيتين لا ثالث لهما وكلاهما يستدعي التوضيح والشرح للرأي العام :
فإذا كانت المعطيات المعنية غير متاحة بالفعل قبل قرار التعيين فمن حق المواطنين أن يفهموا كيف كُشف عنها بهذه السرعة القياسية بعد صدور التعيين وما هي الثغرات الإجرائية التي حالت دون معرفتها مسبقاً.
وإذا كانت تلك المعلومات قابلة للتحقق من خلال مساطر التقصي الاعتيادية قبل صدور القرار فإن التساؤل يصير مشروعاً حول أسباب التقصير في تفحصها والتغاضي عنها.
وفي كلا الحالتين لا يكفي القول بأن القرار قد صُحّح بالسرعة المطلوبة بل يكمن الجوهر في تشخيص مكامن الخلل الإجرائي والتعهد بتغيير آليات الانتقاء والتدقيق ضماناً لعدم تكرار الموقف مستقبلاً.
إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن مثل هذه الحالات هو تحويل سرعة الإعفاء إلى غطاء يُعفي مسار التعيين نفسه من طائلة المساءلة والمحاسبة.
أما تقديم الجرأة السياسية كمبرر للقرار يقدم زاوية نظر حكومية لكن الاستحقاق الديمقراطي يتطلب ما هو أعمق من ذلك إيضاحات صريحة حول معايير الإختيار وضمانات مؤسساتية دقيقة تُطمئن الشارع المغربي إلى أن قرارات التعيين في المناصب العليا تخضع لأعلى مستويات الحوكمة والتحري.
لذلك سيظل السؤال الجوهري الذي يتطلب إجابة واضحة من الحكومة :
إذا كان قرار الإعفاء السريع قراراً شجاعاً فمن يتحمل مسؤولية سوء الاختيار منذ البداية ؟
والطامة أن قيادة حزبها الآن يمارسون عليها ضغوطات للتنازل عن مقعدها البرلماني معتبرا هذا الإرغام – إن حصل – بمثابة جريمة قتل سياسية تُرتكب في حقها مرتين:
مرة حين رُميت في مهب التعديلات الحكومية ومرة حين يُراد تجريدها من صوت الناخبين الذين بوّأوها الرتبة الأولى وبفارق كبير مع منافسها
كفى عبثاً..
احترموا أصوات المغاربة ودعوا السيدة تزاول مهامها النيابية التي انتزعتها بعرق جبينها ومصداقيتها وسط المواطنين فأخطاء التعيين تُعالج بالحوكمة والشفافية لا بتضحية حزبيّة أخرى تُصادر حق الناخبين وإرادة الميدان
يوسف غريب كاتب صحفي

