قطبية السينما المغربية ومفهوم "النسق".. - اكادير اليوم

قطبية السينما المغربية ومفهوم “النسق”..

  • شارك الخبر

  •  محمد بكريم //

قوة السينما الامريكية لا تنبع من دعم عمومي مباشر ولكنها تستفيد من مناخ عام مساعد يلخصه الشعار “كل ما هو مفيد لهوليود فهو مفيد لأمريكا” والذي يومن به كل الفاعلين…من وول ستريت الى البنتاجون.

في الحالة المغربية هناك فعلا عناصر سياسة عمومية مساعدة ومرافقة (يتميز بها المغرب على العديد من البلدان) ولكن لم تنتج مناخا عاما مُتقبلا …يستفيد فيلم “جيد” من دعم عمومي ومن سمعة دولية غالبا مشروعة، ولكن لا يجد خط تواصل مع جمهوره الطبيعي والمفترض.
في أمريكا هناك تماثل بنيوي عام (homothétie) بين السينما والأمة الامريكية.

أول جملة / فكرة افتتحت بها كتاب “القراءة والتأويل – من الأفلام الى السينما” كانت: وصلت السينما عندنا في شرط تاريخي غير سينمائي. استرجعتها وأنا اتأمل من جديد ما كتبه الناقد السينمائي الفرنسي جان ميشيل فرودون في كتابه الهام (يرافقني دوما) حول علاقة السينما والأمة. يقول مثلا: “…ولكن لا يكفي أن تُنصب في المدن الكبرى أجهزة عرض وشاشات، ولا لاحقًا قاعات مُخصصة حصريًا لهذا الغرض، ولا أن تُصوَّر هنا وهناك أفلامٌ بشكل منتظم إلى حد ما، بل وأحيانًا أفلامٌ جيدة، لكي يَتأسَّس “السينما” بالمعنى المقصود هنا. أي باعتباره نسقًا – système-، ومجموعةً مركبةً لا تقبل التجزئة تجمع بين ما هو جمالي واقتصادي واجتماعي، وتتسم بالاستمرار والغزارة على مدى طويل. والحال أن هذه الأنساق، حين توجد، تكون على مستوى الأمم.”

سأنطلق من هذا المقطع (انظر كتاب “العرض الوطني: السينما والأمة”، ص. 23)، الذي يحدد مفهوم السينما بشكل مركب: صناعي، تجاري، اجتماعي، ثقافي. السينما هي أكثر من مجرد وجود / تجهيز قاعات عروض أو إنتاج أفلام بصورة منتظمة. فالسينما، بمدلولها الشامل، هي “نسق متكامل يربط بشكل لا يتقبل التجزئة بين البعد الجمالي، الاقتصادي، والاجتماعي، ويمتد باستقرار وغزارة على المدى الطويل”. أي ما يوفر الشرط التاريخي السينمائي.
لِأصِل الى تشخيص الحالة المغربية وأول ما يثير الانتباه هو حضور واتساع قطيعة تسم المشهد السينمائي المغربي.

قطيعة عبارة عن شرخ عميق يتزايد وضوحًا بين اتجاهين منغلقين على نفسيهما:
– ما يسمى سينما المؤلف / السينما الفنية (المعزولة محليًا)، أفقها حبيس دوائر المهرجانات. حيث أصبحت (المهرجانات المحلية والدولية) بمثابة “ملاذ آمن” وشبه منفصل لحماية وتنشيط هذا الخيار السينمائي. وتولد لدى البعض (المسؤول السياسي مثلا) وهم الانتعاش. فقد تمنح التتويجات والمشاركات الدولية إحساسًا زائفًا باكتفاء الذات وراحة الوجود، في حين أن هذه الأفلام تعاني من عزلة جغرافية/هوياتية وجماهيرية داخل موطنها الأصلي. وينتج عن الرهان على النجاح “العالمي” خطر الاغتراب الثقافي الذي ينضاف الى العزلة الجماهيرية. فالامتثال أحيانًا لمعايير الدعم الخارجي وشروط المهرجانات الغربية يضعف قدرة هذه السينما على مخاطبة وجدان المجتمع المحلي ويقلص من إمكانيات اندماجها في بيئتها.

– وفي المقابل هناك السينما الجماهيرية، غالبا بإنتاج مستقل فقد اثارني هذه الايام تكاثر العروض الأولية لأفلام كوميدية خفيفة، ممولة أحيانًا بإنتاج ذاتي بمنتجين ومخرجين من الجيل الجديد، وهي أفلام مصنوعة برؤية تسويقية سريعة. مع استثمار وصفات مجربة: الاعتماد على الوجوه الشهيرة في الشبكات الاجتماعية وتكرار صيغ الترفيه المباشر دون بحث عن لغة سينمائية بصرية أصيلة. كما توظف هذه الموجة استغلال “إقبالية” الجمهور (خاصة الشباب) على مركبات القاعات الحديثة (Multiplexes) كفضاء للترفيه الخالص (واستهلاكي تذكرة القاعة+ بوب كورن) ضمن فضاءات تجارية واسعة (استفادة من التجربة التركية والخليجية).

– نتيجة هذا التقابل/ هذه القطبية: غياب “المساحة الوسطى” (ما أسميته من زمان اختفاء سينما الوسط) وتفكك النسق/ المنظومة. تتسبب هذه القطيعة في نتائج هيكلية على السينما الوطنية. فمع غياب القاطرة الوسطى التي تجمع بين جودة الطرح الفني والقدرة على جذب الجمهور العريض (حكيم النوري وعبد القادر لقطع…) تحولت المهرجانات إلى بديل عن العرض الجماهيري بدلاً من أن تكون جسرًا لتطوير قابلية هذا الجمهور لسينما مختلفة بل ان بعض المهرجانات تساهم في تكريس منطق السوق والسطحية بدعوى “نزولاً عند رغبة الجمهور”.

إن التعايش بين “سينما مؤلف” موجهة للمهرجانات وسينما شباك تجارية خالية من الرهان الجمالي يخلق إيهامًا بوجود حراك سينمائي، لكنه في الواقع يضعف مقومات “النسق السينمائي المتكامل” (جماليًا، اقتصاديًا، واجتماعيًا) كما عرفته أمم احتضنت السينما ك “نسق” (اليابان كنموذج).

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

الثقافة

قطبية السينما المغربية ومفهوم “النسق”..

الثقافة

 الفنان جواد الكوكبي يحمل فن الروايس إلى باكستان

الثقافة

الصناعة التقليدية المغربية تتألق في معرض «تراثنا 2026» بمصر

الثقافة

الرباط: ندوة حول العدالة الانتقالية بالمغرب

الثقافة

إنطلاق الموسم الجديد للمقاهي الثقافية .. معرض تشكيلي ولقاء مع سينمائي