الحكومة الجديدة ووهم القطيعة مع نظيرتها السابقة.. - اكادير اليوم

الحكومة الجديدة ووهم القطيعة مع نظيرتها السابقة..

  • شارك الخبر

  • أكادير اليوم  – الحسن باكريم //

الحكومة الجديدة ووهم القطيعة مع حكومة أخنوش.. هل يستطيع «البام» وحلفاؤه التنكر لحصيلة كانوا شركاء في صناعتها؟ أو حين تتحول الخصومة السياسية إلى محاولة لمحو الذاكرة الحكومية.

يبدو أن بعض مكونات الأغلبية الحكومية الجديدة، وفي مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة وحلفاؤه، تحاول تسويق مرحلة سياسية جديدة تقوم على الإيحاء بوجود قطيعة مع الولاية الحكومية السابقة التي قادها عزيز أخنوش باسم حزب التجمع الوطني للأحرار.

غير أن هذه المحاولة تطرح إشكالاً سياسياً وأخلاقياً عميقاً، يتعلق بمدى مشروعية التنصل من حصيلة حكومة كان حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال شريكين أساسيين في تدبيرها وصناعة قراراتها طوال خمس سنوات.

فهل يكفي خروج التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، وانتقال رئاسة الحكومة إلى فاطمة الزهراء المنصوري، حتى تتحول حصيلة الأمس إلى إرث يراد التخلص منه؟ وهل يمكن للخصومة السياسية أن تلغي حقيقة أن السياسات العمومية والأوراش الكبرى كانت ثمرة مسؤولية حكومية مشتركة، وليست قرارات فردية لرئيس الحكومة السابق؟

إن التأمل في البرنامج الحكومي الذي قدمته المنصوري أمام البرلمان، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، يكشف أن جزءاً مهماً من تعهداته يقوم على استكمال أوراش انطلقت خلال الولاية السابقة، وفي مقدمتها الحماية الاجتماعية والدعم المباشر وإصلاح منظومة التقاعد. بل إن التعهد برفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم مع نهاية الولاية يمثل تطويراً لبرنامج قائم، وليس تأسيساً لسياسة اجتماعية من العدم.

وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لحكومة أن تعلن، سياسياً، بداية مرحلة مختلفة، بينما تؤكد، برنامجياً، اعتمادها على الأسس التي وضعتها الحكومة السابقة؟

إن التغيير في رئاسة الحكومة لا يعني بالضرورة القطيعة مع السياسات العمومية، كما أن الانتقال من الأغلبية إلى المعارضة لا يحول منجزات الأمس إلى أخطاء اليوم.

ولعل مشاهد تسليم السلط بين الوزراء السابقين واللاحقين كانت أكثر تعبيراً عن حقيقة الاستمرارية من بعض الخطابات الحزبية المتسرعة. فقد كان التأكيد على مواصلة البرامج والأوراش، والمحافظة على المكتسبات، وتطوير الأداء، هو المنطق الطبيعي لانتقال المسؤوليات. وهذا يفرض التمييز بين التنافس الحزبي المشروع وبين استمرارية الدولة ومؤسساتها.

فالمغرب، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، انخرط في مسار متراكم من الإصلاحات والأوراش الاقتصادية والاجتماعية والبنيات التحتية، تعاقبت على تنفيذها حكومات بألوان سياسية مختلفة. ولم تكن أي حكومة تبدأ من الصفر، كما لا تستطيع أي حكومة الادعاء بأنها وحدها صنعت ما تحقق من تقدم.

ومن هذا المنطلق، ينبغي إنصاف تجربة حكومة عزيز أخنوش دون السقوط في منطق التقديس أو إنكار الاختلالات.

فالحكومة السابقة، بمشاركة الأصالة والمعاصرة والاستقلال، ساهمت في تنزيل أوراش اجتماعية مهمة، من بينها تعميم التغطية الصحية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، وتفعيل برامج دعم السكن، ومواصلة إصلاح منظومات اجتماعية واقتصادية ظلت لسنوات تواجه صعوبات بنيوية. وقد انطلق الدعم الاجتماعي المباشر نهاية سنة 2023، في إطار تنزيل الورش الملكي للحماية الاجتماعية.

كما تولت الحكومة تدبير تداعيات زلزال الأطلس الكبير لسنة 2023، وبرنامج إعادة إعمار المناطق المتضررة، في سياق اقتصادي دولي اتسم بارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية واضطراب سلاسل التوريد نتيجة الحروب والتوترات الجيوسياسية.

ولا ينبغي نسيان أن حكومة أخنوش تسلمت المسؤولية في أكتوبر 2021، بينما كان المغرب لا يزال يواجه الآثار الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا التي بدأت في عهد حكومة سعد الدين العثماني. ولذلك فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين المسؤولية عن تدبير الأزمة والمسؤولية عن معالجة آثارها.

لكن الحديث عن اختلالات القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتراجع بعض المؤشرات الاجتماعية يستدعي العودة إلى جذور عدد من القرارات الاقتصادية، وليس اختزال المسؤولية في خمس سنوات من حكومة أخنوش.

وهنا تبرز مسؤولية حكومة عبد الإله بنكيران، التي اتخذت قرارات عميقة التأثير في الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها رفع الدعم عن المحروقات وتحرير أسعارها بشكل نهائي ابتداء من فاتح دجنبر 2015، وفق ما تؤكده وثائق وزارة الاقتصاد والمالية.

لقد ساهم ذلك القرار في تغيير العلاقة بين أسعار الوقود والسوق الدولية، وفتح نقاشاً مستمراً حول انعكاساته على النقل والإنتاج والقدرة الشرائية، وحول مدى فعالية آليات المنافسة ومراقبة الأسواق.

وإذا كانت تلك الإصلاحات قد بررت آنذاك بضرورة معالجة اختلالات صندوق المقاصة والتوازنات المالية، فإن تقييمها اليوم لا يمكن أن يقتصر على النتائج المحاسباتية، بل يجب أن يشمل كلفتها الاجتماعية وآثارها الطويلة المدى.

كما أن السياسات المرتبطة بالأجور والحوار الاجتماعي والإصلاحات القطاعية خلال سنوات حكومتي بنكيران والعثماني تستحق تقييماً موضوعياً، خصوصاً في ما يتعلق بتراكم المطالب الاجتماعية والاختلالات التي ورثتها الحكومات اللاحقة.

ومن المشروع، في هذا السياق، اعتبار قرارات حكومة بنكيران من بين العوامل الأساسية التي ساهمت في تشكيل الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي وجدته حكومة أخنوش أمامها. غير أن تحميل الإسلاميين وحدهم كل اختلالات العقد السابق لن يكون أكثر إنصافاً من تحميل أخنوش وحده مسؤولية الأوضاع الحالية.

فالمسؤولية السياسية تظل تراكمية ومشتركة، بحسب طبيعة القرارات ومراحل تنفيذها، ولا تسقط عن أي حكومة لمجرد انتهاء ولايتها.

وبالمنطق نفسه، لا يستطيع حزب الأصالة والمعاصرة أو حزب الاستقلال التنصل من حصيلة حكومة أخنوش بمجرد انتهاء التحالف السياسي مع التجمع الوطني للأحرار. فقد شاركا في المجالس الحكومية، وتوليا قطاعات وزارية استراتيجية، وساهما في إعداد الميزانيات وتنفيذ البرامج واتخاذ القرارات.

بل إن فاطمة الزهراء المنصوري نفسها كانت مسؤولة عن قطاع إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة خلال الولاية السابقة، وبالتالي فهي ليست وافدة من خارج التجربة الحكومية، وإنما واحدة من أبرز المشاركين في صياغة جانب من حصيلتها وتنفيذ أوراشها.

ولذلك، فإن من حق المغاربة أن يتساءلوا: إذا كانت الحكومة السابقة قد أخفقت كما قد توحي بعض الخطابات السياسية الجديدة، فأين كانت مسؤولية الأحزاب التي شاركت فيها؟ وإذا كانت قد نجحت في إطلاق أوراش كبرى، فلماذا يصبح الاعتراف بذلك محرجاً سياسياً؟

إن النقد الجاد لحكومة أخنوش يبقى مشروعاً وضرورياً، خصوصاً في ملفات ارتفاع الأسعار والبطالة والفوارق الاجتماعية والمجالية وجودة الخدمات العمومية. غير أن هذا النقد يفقد مصداقيته عندما يتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع المسؤوليات وفق المصالح الحزبية الجديدة.

والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الفاعلين السياسيين يتصرفون وكأن تغيير التحالفات قادر على إنتاج المعجزات، بينما يعرف الجميع أن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لا تزول بمجرد تغيير رئيس الحكومة أو إعادة تسمية القطاعات الوزارية.

فحكومة المنصوري ستواجه الإكراهات نفسها تقريباً، وستحتاج إلى الموارد المالية نفسها، وإلى الإدارة والمؤسسات ذاتها، وإلى مواصلة الإصلاحات التي انطلقت قبلها. ولن يكون بإمكانها الوفاء بتعهداتها دون البناء على ما تحقق، وتصحيح ما تعثر، وتجاوز الاختلالات التي أظهرتها التجربة السابقة.

والقطيعة الوحيدة التي يحتاجها المغرب ليست القطيعة مع حكومة أو حزب أو شخص، وإنما القطيعة مع ضعف النجاعة، وبطء تنفيذ المشاريع، وتفاوت التنمية بين الجهات، واختلالات الحكامة، وضعف أثر بعض السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين.

إن المغاربة لا ينتظرون من حكومة المنصوري أن تثبت أن أخنوش كان مخطئاً في كل شيء، وإنما ينتظرون منها أن تثبت قدرتها على تحقيق نتائج أفضل.

والفرق كبير بين الأمرين.

فالحكومة الناجحة ليست تلك التي تنكر ما أنجزه السابقون، بل التي تعترف بالمكتسبات وتتحمل مسؤولية تطويرها. كما أن المعارضة المسؤولة ليست تلك التي تنكر الاختلالات التي وقعت خلال مشاركتها في الحكم، بل التي تستخلص الدروس وتقدم البدائل وتدافع عن المصلحة العامة.

إن المرحلة السياسية الجديدة تحتاج إلى قدر أكبر من الصراحة والوضوح. فمن حق حزب التجمع الوطني للأحرار أن يدافع عن حصيلته، ومن حق الحكومة الجديدة أن تقدم مشروعها وتصورها المختلف، لكن ليس من حق أي طرف أن يعيد كتابة تاريخ السنوات الخمس الماضية وفق حسابات الخصومة السياسية.

لقد كانت حكومة أخنوش حكومة تحالف ثلاثي، كما أن حكومة المنصوري تقوم اليوم على تحالف سياسي جديد. وبين التجربتين توجد استمرارية في المؤسسات والبرامج والالتزامات، مهما اختلفت المواقع والخطابات.

وفي النهاية، فإن الحكم الحقيقي على حكومة المنصوري لن يكون بمدى نجاحها في إقناع الرأي العام بوجود قطيعة مع أخنوش، بل بمدى قدرتها على تحسين القدرة الشرائية، وتقليص البطالة، والارتقاء بالتعليم والصحة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

أما محاولة تحويل الخلاف مع التجمع الوطني للأحرار إلى قطيعة مصطنعة مع الولاية السابقة، فلن تصنع تنمية ولن تخلق مناصب شغل ولن تخفض الأسعار.

فالدولة لا تبدأ مع كل حكومة جديدة، والتنمية لا تتوقف عند خروج حزب من السلطة. والمغرب أكبر من الخصومات الحزبية، وأوراشه الاستراتيجية أكبر من أن تتحول إلى غنائم سياسية يتنكر لها شركاء الأمس حين يصبحون منافسي اليوم.

ذلك هو التحدي الحقيقي أمام حكومة المنصوري وحلفائها: أن يضيفوا إلى ما تحقق، لا أن ينكروا ما شاركوا في إنجازه؛ وأن يصححوا ما اختل، لا أن يحولوا أخطاء المسؤولية الجماعية إلى اتهام سياسي لرئيس الحكومة السابق وحده.

فالمغاربة لا يحتاجون إلى وهم القطيعة، بل إلى حقيقة الاستمرارية المقترنة بالإصلاح والنجاعة والمحاسبة.

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

الرأي

السيد الوزير… الباقي علينا!

السياسة

الحكومة الجديدة والأمازيغية.. لا جديد!

السياسة

الحكومة الجديدة ووهم القطيعة مع نظيرتها السابقة..

السياسة

200 مليار سنتيم للأمازيغية في ذكرى رحيل أحمد الدغرني..!

السياسة

البرنامج الحكومي تعاقد سياسي ومؤسساتي يستند إلى الثقة الملكية وإلى تصويت المواطنين