زلزال الشباب يهز فرنسا.. - اكادير اليوم

زلزال الشباب يهز فرنسا..

  • شارك الخبر

دخلت فرنسا مرحلة جديدة من التوتر الاجتماعي والسياسي، بعدما تحولت احتجاجات شبابية انطلقت من المدارس والثانويات إلى حركة احتجاجية واسعة اجتاحت شوارع المدن الفرنسية، وبلغت ذروتها يوم السبت 17 أكتوبر 2026، بمشاركة نحو 550 ألف متظاهر وفق وزارة الداخلية، و800 ألف بحسب تقديرات التنظيمات المشاركة.

ولم تعد الاحتجاجات مقتصرة على مطالب التلاميذ المتعلقة بالتعليم وظروف التمدرس، بل امتدت لتشمل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العمومية، وسط مشاركة النقابات والطلبة وعودة فاعلين من حركة «السترات الصفراء». وقد رافقت المظاهرات مواجهات عنيفة مع قوات الأمن وأعمال تخريب ونهب في بعض المدن الفرنسية.

لكن خلف الصور القادمة من باريس وليون ومرسيليا وبوردو، يبرز سؤال يتجاوز المطالب الاجتماعية المباشرة: من يقف سياسياً وراء هذا الغضب الشبابي؟ وهل تعيش فرنسا بداية حركة اجتماعية مستقلة، أم أن الاحتجاجات تتحول تدريجياً إلى ساحة للصراع حول مستقبل السلطة بعد إيمانويل ماكرون؟

من أزمة المدرسة إلى غضب الشارع

انطلقت الشرارة الأولى خلال شهر شتنبر الماضي، عندما شرع تلاميذ عدد من الثانويات الفرنسية في تنظيم احتجاجات وإغلاق مؤسسات تعليمية، رفضاً لنقص الموارد البشرية وتدهور ظروف التعليم والاعتراض على نظام الولوج إلى التعليم العالي.

غير أن ما كان يبدو احتجاجاً قطاعياً سرعان ما تجاوز أسوار المؤسسات التعليمية، بعدما التقت مطالب الشباب مع استياء فئات واسعة من المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

زلزال الشباب يهز فرنسا.. - اكادير اليوم

وقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها تيك توك وإنستغرام، في تسريع انتشار الدعوات إلى الاحتجاج، وتنسيق التعبئة بين الشباب ومجموعات السترات الصفراء.

ميلانشون وفرنسا الأبية: دعم سياسي أم محاولة لقيادة الغضب؟

في قلب هذه التطورات يبرز اسم جان لوك ميلانشون، أحد أبرز وجوه اليسار الراديكالي الفرنسي، والذي سارع إلى مساندة المحتجين وانتقاد سياسات الحكومة وتدبيرها للأزمة.

ويجد حزب «فرنسا الأبية» في المطالب المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية والخدمات العمومية تقاطعاً واضحاً مع خطابه السياسي، الأمر الذي يجعله أحد الأطراف الحاضرة بقوة في النقاش الدائر حول الاحتجاجات.

غير أن هذا الحضور لا يسمح بالجزم بأن ميلانشون أو حزبه هما من أطلقا الحركة أو يتحكمان في مسارها. فالمعطيات المتاحة تشير إلى أن التعبئة انطلقت من فضاءات شبابية ورقمية متعددة، قبل أن تنخرط فيها قوى سياسية ونقابية.

ومن هنا يمكن قراءة موقف ميلانشون في إطار الاستعداد المبكر للمعركة السياسية لسنة 2027، دون اختزال الاحتجاجات في حسابات حزب واحد.

السترات الصفراء تعود.. والجيل الجديد يتقدم

من أبرز خصوصيات الاحتجاجات الحالية عودة رمزية وسياسية لحركة السترات الصفراء، التي شكلت منذ سنة 2018 أحد أكبر التحديات الاجتماعية لرئاسة ماكرون.

غير أن العودة الحالية تحمل اختلافاً أساسياً؛ إذ أصبح الشباب والتلاميذ والطلبة من المكونات البارزة في حركة الاحتجاج، إلى جانب العمال والنقابيين والفئات المتضررة من ارتفاع أسعار الوقود والطاقة.

وتبرز هنا محاولة إقامة تحالف اجتماعي عابر للأجيال، يجمع بين مطالب التعليم والتشغيل والعدالة الاجتماعية والدفاع عن الخدمات العمومية.

كما أن حضور الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) وتنظيمات طلابية يمنح الحركة امتداداً تنظيمياً، دون أن يعني وجود قيادة موحدة تجمع مختلف المشاركين.

اليمين المتطرف يدخل على خط الأزمة

في مقابل المواقف الداعمة للاحتجاجات، برز خطاب سياسي آخر تقوده شخصيات من اليمين، وفي مقدمتها مارين لوبان، التي ركزت على أعمال العنف والتخريب وضرورة استعادة الأمن.

وهكذا أصبحت الأحداث مناسبة لتجدد المواجهة بين توجهات سياسية مختلفة؛ فاليسار يركز على الأسباب الاجتماعية للاحتجاج، فيما يعطي اليمين المتطرف الأولوية لمسألة الأمن والنظام العام وانتقاد الحكومة.

ويعكس هذا التباين واحدة من الإشكاليات الكبرى في فرنسا الحالية: كيف يمكن ضمان الحق في التظاهر والتعبير عن المطالب الاجتماعية، مع حماية الأشخاص والممتلكات ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف؟

ماكرون أمام امتحان سياسي جديد

تأتي هذه الأحداث في مرحلة حساسة من الحياة السياسية الفرنسية، مع اقتراب نهاية الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون، وعدم إمكانية ترشحه لولاية رئاسية ثالثة متتالية وفق الدستور الفرنسي.

وإذا كانت الحكومة تعتبر أن المطالب الاجتماعية ينبغي معالجتها عبر الحوار والمؤسسات، فإن اتساع الاحتجاجات يطرح تساؤلات حول مستوى الثقة بين المواطنين والسلطة التنفيذية، ومدى قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.

وتكشف أحداث 17 أكتوبر أيضاً عن تحدٍّ أمني خطير، بعدما أدت المواجهات إلى اعتقالات واسعة وإصابات في صفوف قوات الأمن، إلى جانب أضرار جسيمة لحقت بمبانٍ عمومية ومحلات تجارية.

وقد تعهد ماكرون بمحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف، فيما تتواصل المطالب بفتح تحقيقات بشأن ظروف تدخل قوات الأمن وإصابة متظاهرين.

هل هناك من يحرك الشباب من وراء الستار؟

يبقى هذا السؤال الأكثر إثارة في قراءة المشهد الفرنسي. فكل حركة احتجاجية واسعة تطرح عادة مسألة القيادة والتمويل والتأطير السياسي، خصوصاً عندما تتزامن مع استحقاقات انتخابية كبرى.

غير أن البحث عن المستفيد سياسياً لا ينبغي الخلط بينه وبين تحديد المسؤول المباشر عن تنظيم الحركة.

فالأحزاب اليسارية قد تستفيد من تنامي المطالب الاجتماعية، كما قد يستفيد اليمين من تصاعد المخاوف الأمنية. أما التنظيمات النقابية فتسعى إلى تحويل التعبئة إلى مكاسب اجتماعية ومهنية.

لكن لا تتوافر، إلى حدود 18 أكتوبر، أدلة موثوقة تثبت وجود مركز سياسي خفي يقود مجموع الاحتجاجات أو يوجهها وفق خطة موحدة.

والأقرب إلى المعطيات الميدانية أن فرنسا تعيش تلاقياً بين حركات احتجاجية متعددة، لكل منها مطالبها وأساليبها، لكنها تلتقي عند التعبير عن عدم الرضا عن الأوضاع الاجتماعية والسياسات العمومية.

فرنسا 2027.. هل يصبح الشباب رقماً حاسماً؟

قد تكون الدلالة السياسية الأعمق لهذه الأحداث مرتبطة بظهور جيل جديد يطالب بأن يكون فاعلاً في تحديد الاختيارات العمومية، لا مجرد متلقٍّ لقرارات تصدر عن الحكومة والأحزاب التقليدية.

وتكشف قوة التعبئة الرقمية عن تحول في آليات الاحتجاج السياسي؛ إذ لم تعد الأحزاب والنقابات وحدها قادرة على احتكار الدعوة إلى التظاهر أو التحكم في انتشار المطالب الاجتماعية.

وهذا التحول يضع مختلف القوى الفرنسية أمام أسئلة جوهرية تتعلق بتمثيل الشباب، وتجديد الخطاب السياسي، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات.

وفي أفق الانتخابات الرئاسية المرتقبة سنة 2027، ستكون قدرة الأحزاب على تقديم أجوبة عملية بشأن التعليم والشغل والأجور والخدمات العمومية أحد الملفات الأساسية في النقاش السياسي.

خلاصة: غضب اجتماعي يبحث عن أفق سياسي

إن ما تعيشه فرنسا اليوم يتجاوز مجرد مواجهة بين حكومة ومتظاهرين، ليكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الأجيال الجديدة والمؤسسات التقليدية.

فالشباب الذي خرج احتجاجاً على أوضاع المدرسة وجد نفسه جزءاً من حركة أوسع تسائل السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتوزيع الثروة وأولويات الإنفاق العمومي.

وبينما يحاول اليسار التعبير سياسياً عن هذا الغضب، ويسعى اليمين إلى إبراز تداعياته الأمنية، تجد السلطة الفرنسية نفسها أمام تحدي الاستجابة للمطالب المشروعة وحماية الاستقرار في الوقت نفسه.

ولعل السؤال الحقيقي الذي تطرحه احتجاجات أكتوبر 2026 ليس فقط: من يقف وراء الشباب الفرنسي؟ بل أيضاً: لماذا لم تعد المؤسسات والأحزاب التقليدية قادرة على استيعاب غضب هذا الجيل قبل خروجه إلى الشارع؟

ذلك هو الامتحان السياسي والاجتماعي الذي قد تمتد انعكاساته إلى الاستحقاقات الرئاسية المقبلة.

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

العالم اليوم

جيل زيد القارة العجوز يطلق شرارة الربيع الأوروبي

الرأي

..4 ملوك إسبان زاروا سبتة، و3 ودّعوا عروشهم بعدها!

العالم اليوم

زلزال الشباب يهز فرنسا..

العالم اليوم

فرنسا تهتز باحتجاجات غلاء المعيشة ومواجهات عنيفة بباريس

أكادير اليوم

للا أسماء تزور المركز الوطني بالرباط…1100 مغربي استعاد السمع مجانا وأطفال بنميون يثمنون تضامن المغرب