مديحة خيير، وزيرة، تُعفى قبل أن تجلس على كرسي الوزارة.. - اكادير اليوم

 مديحة خيير، وزيرة، تُعفى قبل أن تجلس على كرسي الوزارة..

  • شارك الخبر

لم تمضِ سوى 48 ساعة على تعيين الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، حتى شهدت أول تعديل في تركيبتها، عقب صدور بلاغ عن الديوان الملكي، اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026، أعلن فيه قبول الملك محمد السادس طلب رئيسة الحكومة إعفاء ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل.

إعفاء سريع وغير مألوف من حيث توقيته، جاء قبل أن تتمكن الوزيرة المعنية من مباشرة مسؤولياتها الحكومية بصورة فعلية، ليثير تساؤلات سياسية وإعلامية حول خلفيات القرار، وطبيعة المعايير المعتمدة في اختيار أعضاء الحكومة الجديدة، ومدى فعالية إجراءات التحري والتدقيق في السير المهنية والقانونية للشخصيات المقترحة للاستوزار.

بلاغ الديوان الملكي.. مقتضب وحاسم

وجاء في البلاغ الصادر عن الديوان الملكي أن الملك محمد السادس توصل بطلب من رئيسة الحكومة لإعفاء ماديحة خيير من مهامها الوزارية، وأن جلالته تفضل بقبول هذا الطلب، طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور.

ولم يقدم البلاغ أي توضيحات بشأن الأسباب التي دفعت رئيسة الحكومة إلى تقديم طلب الإعفاء، كما لم يتضمن تفاصيل حول الظروف التي أحاطت بالقرار.

ويؤكد هذا البلاغ أن المبادرة الدستورية بطلب الإعفاء جاءت من رئيسة الحكومة، فيما تم قبولها من طرف الملك في إطار الصلاحيات الدستورية المنظمة لتعيين أعضاء الحكومة وإنهاء مهامهم.

ما وراء الإعفاء.. وثائق قديمة تعود إلى الواجهة

بالعودة إلى ما نشرته المواقع الإخبارية المغربية، يتبين أن إعفاء ماديحة خيير جاء في أعقاب جدل واسع أثارته وثائق ومعلومات متداولة عبر بعض المنصات الرقمية، تتعلق بملف قديم يعود إلى سنة 2004.

فقد أوردت جريدة «هسبريس» أن منصات ومواقع إخبارية أعادت تداول وثيقة طبية منسوبة إلى الوزيرة المعفاة، وربطتها بمعطيات حول مسطرة قضائية سابقة، وسط روايات تتحدث عن شبهات مالية مرتبطة بشيكات بنكية.

كما نشرت جريدة «الصحيفة» معطيات مماثلة حول الجدل الذي رافق التعيين، مشيرة إلى تداول ادعاءات بشأن ملف قضائي قديم، وما أثاره ذلك من أسئلة حول حقيقة الوثائق وظروف نشرها.

وامتد تداول هذه المعلومات إلى وسائل إعلام خارج المغرب، من بينها شبكة «الجزيرة»، التي نقلت أن الجدل شمل تقارير صحفية حول قضية نصب واحتيال سابقة. غير أن ما نشر بشأن الوضع القضائي للوزيرة لا يغني عن الاطلاع على الأحكام والوثائق القضائية الأصلية لتحديد حقيقة الوقائع ومآلاتها القانونية.

والأهم أن البلاغ الملكي نفسه لم يربط الإعفاء بهذه المعطيات، ولم يصدر ضمن المصادر التي جرى الاطلاع عليها توضيح رسمي يثبت أنها السبب المباشر والحاسم وراء تقديم طلب الإعفاء.

ومن الضروري أيضا التمييز بين التحقق من وجود سوابق قضائية ثابتة بأحكام نهائية، وبين تداول معطيات طبية شخصية لا تكفي، في حد ذاتها، للحكم على أهلية أي شخص لتحمل المسؤولية العمومية.

حزب الاستقلال أمام أسئلة الاختيار والمسؤولية

لم يتوقف الجدل عند شخصية الوزيرة المعفاة، بل امتد إلى حزب الاستقلال الذي تنتمي إليه، والذي كانت قد انتُخبت باسمه نائبة برلمانية عن دائرة بني ملال، قبل توليها رئاسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، ثم اقتراحها ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة.

وقد تناولت مواقع إخبارية، من بينها «أنفاس بريس» و«زنقة 20»، مسؤولية قيادة حزب الاستقلال في هذا الاختيار، مع إثارة تساؤلات حول دور أمينه العام نزار بركة في مسار اقتراح الأسماء المرشحة للاستوزار. ووصلت بعض ردود الفعل المنشورة إلى المطالبة بمساءلة القيادة الحزبية، وهي مطالب تعكس حجم الجدل، لكنها لا تمثل قرارا حزبيا رسميا.

وهنا يبرز سؤال سياسي يتجاوز حالة ماديحة خيير: هل تخضع الأسماء التي تقترحها الأحزاب للمناصب الوزارية لتقييم شامل لسيرها المهنية والقانونية قبل تقديمها، أم أن اعتبارات التوازنات السياسية والحزبية تكون أحيانا حاضرة بصورة أكبر في عملية الاختيار؟

ويطرح الإعفاء، في المقابل، سؤالا على رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بشأن كيفية تدبير مرحلة تشكيل فريقها الحكومي، وطبيعة التنسيق مع الأحزاب المشاركة في الأغلبية، والإجراءات المعتمدة للتحقق من المعطيات المتعلقة بالمرشحين للاستوزار.

بين سرعة تصحيح الوضع وضرورة الشفافية

يمكن قراءة طلب الإعفاء، من زاوية التدبير الحكومي، باعتباره استجابة سريعة لجدل ظهر عقب تشكيل الحكومة، بما قد يجنب المؤسسة التنفيذية استمرار النقاش حول إحدى عضواتها في بداية ولايتها.

غير أن هذه القراءة لا تلغي تساؤلات أخرى بشأن الأسباب الحقيقية للقرار، ولا تسمح بالجزم بأن المعلومات التي تداولتها المنصات الرقمية كانت وحدها وراءه.

فمن حق الرأي العام معرفة المعايير العامة التي تحكم اختيار المسؤولين، كما أن من حق الوزيرة المعفاة حماية سمعتها وخصوصيتها والاستفادة من جميع الضمانات القانونية، بعيدا عن تحويل الوثائق غير المتحقق منها إلى أحكام نهائية.

ولذلك، فإن تقديم توضيحات رسمية، بالقدر الذي يسمح به القانون ويحترم الحياة الخاصة، من شأنه أن يساعد على الفصل بين الوقائع المؤكدة والتأويلات السياسية والإعلامية.

حكومة المنصوري وأول امتحان سياسي

يأتي إعفاء ماديحة خيير في ظرفية سياسية تتطلع فيها حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى إطلاق عملها على أساس برنامج حكومي يستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها التشغيل والتعليم والتكوين المهني.

ويكتسي القطاع الذي كانت ستشرف عليه الوزيرة المعفاة أهمية خاصة، بالنظر إلى دوره في تأهيل الشباب، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، والاستجابة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب.

وإذا كانت البداية قد شهدت هذا التغيير السريع في التشكيلة الحكومية، فإن المرحلة المقبلة ستطرح ضرورة ضمان استمرارية تدبير القطاع وتوضيح ترتيبات الإشراف عليه، مع اعتماد معايير واضحة في اختيار من سيتولى المسؤولية.

إن واقعة تعيين وزيرة ثم إعفائها بعد يومين فقط، وقبل أن تجلس فعليا على كرسي الوزارة، لا تطرح مجرد سؤال عن اسم غادر الحكومة سريعا، بل تفتح نقاشا مؤسساتيا أوسع حول العلاقة بين الأحزاب السياسية ورئاسة الحكومة، ومعايير الاستوزار، وحدود المسؤولية في اقتراح الأسماء.

ويبقى السؤال الأساسي الذي ينتظر جوابا واضحا: ما الذي حدث بين الجمعة 16 أكتوبر، يوم تعيين ماديحة خيير، والأحد 18 أكتوبر، يوم إعفائها؟ وهل يتعلق الأمر بمعطيات لم تكن معروفة عند اقتراحها، أم بقرار اتخذ بعد إعادة تقييم الوضع في ضوء الجدل الذي أعقب التعيين؟

إلى حين صدور توضيحات موثوقة، يظل المؤكد أن ماديحة خيير غادرت الحكومة بعد 48 ساعة من تعيينها، بينما تبقى الأسباب الدقيقة وراء الإعفاء مفتوحة أمام البحث الصحفي المسؤول، لا أمام الجزم والاتهام.

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

السياسة

الناطق الرسمي: هذا سبب التعاطي الاستعجالي مع إعفاء الوزيرة خيير

السياسة

 مديحة خيير، وزيرة، تُعفى قبل أن تجلس على كرسي الوزارة..

الرأي

من التعيين إلى الإعفاء :من يحاسب صاحب الإقتراح..؟

السياسة

المنصوري.. للموظفين أيضا نصيب!

الرأي

الأحرار بين إكراهات المعارضة وضرورة التصحيح التنظيمي