من التعيين إلى الإعفاء :من يحاسب صاحب الإقتراح..؟ - اكادير اليوم

من التعيين إلى الإعفاء :من يحاسب صاحب الإقتراح..؟

  • شارك الخبر

كنت قد أعددت هذه الفقرة ضمن مقال كان في طريقه إلى النشر دفاعاً عن مساطر التعيين وضوابط الدولة الرصينة في مواجهة موجة من التشكيك الرقمي ضد وزيرة بدت في حينها أقرب إلى التسرع في إصدار الأحكام منها إلى النقاش المؤسساتي المسؤول.

لكن ما لم يكن في الحسبان أن الرجة السياسية التي أعقبت قرار الإعفاء ستتجاوز ما خطته تلك السطور وتضع الفكرة برمتها أمام امتحان صعب كاشفةً عن مفارقة تستحق التوقف والتأمل.

لقد كتبت حينها: ( إن تعيين المسؤولين الحكوميين ليس عملية ارتجالية بل مسار دستوري تؤطره مقتضيات واضحة في مقدمتها الفصل 47 من الدستور وتسبقه بحسب طبيعة الملفات والإجراءات المعمول بها عمليات من التدقيق والتحري يفترض أن تضمن سلامة الاختيار وكفاءة المرشحين)

فبينما كان المقال يتأهب للنشر وفي الفاصل الزمني لغداء قصير على الطريق صدر بلاغ الديوان الملكي معلناً إعفاء الوزيرة المعنية بناءً على طلب من رئيسة الحكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري وفق ما أورده البلاغ الملكي
هنا لم يعد النقاش محصوراً في مشروعية التشكيك الرقمي أو حدود النقد الموجه إلى قرارات التعيين بل انتقل إلى مساءلة المنظومة السياسية التي أنتجت هذا الإختيار وإلى البحث في مكامن الخلل التي جعلت قراراً بهذا الحجم ينتهي إلى الإعفاء بعد فترة وجيزة من التعيين.

كيف لحزب عريق بحجم حزب الاستقلال بما راكمه من تجربة سياسية ومؤسساتية أن يجد نفسه أمام أسئلة محرجة بشأن معايير انتقاء مرشحيه للاستوزار؟
وأين تنتهي مسؤولية القيادة الحزبية في التأكد من أهلية الأسماء التي تزكيها قبل الدفع بها نحو تحمل مسؤوليات تنفيذية تتصل بتدبير الشأن العام.. ؟

إن التزكية الحزبية ليست مجرد استحقاق تنظيمي أو مكافأة على الولاء كما لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لتدبير التوازنات الداخلية على حساب معايير الكفاءة والنزاهة والجاهزية لتحمل المسؤولية.

فالوزارة ليست غنيمة حزبية والاستوزار ليس امتيازاً شخصياً بل تكليف عمومي تترتب عليه مسؤوليات سياسية وأخلاقية ومؤسساتية.

في المقابل تبرز مسؤولية رئاسة الحكومة باعتبارها طرفاً محورياً في مسار تشكيل الفريق الحكومي وتنسيق مكوناته السياسية. فحتى مع احترام الاختصاصات الدستورية لكل مؤسسة تظل جودة الأسماء المقترحة ومدى ملاءمتها للمسؤوليات المسندة إليها من صميم الأسئلة التي ينبغي أن تشغل عليها رئاسة الحكومة قبل التعيين.. لا بعده.

كيف يمكن تفادي مثل هذه المفاجآت إذا لم تكن هناك آليات فعالة للتحقق من أهلية المرشحين وتقييم جاهزيتهم، والتأكد من استيفائهم الشروط اللازمة لتحمل المسؤوليات العمومية؟

وما قيمة التنسيق بين مكونات الأغلبية إذا لم يترجم إلى حد أدنى من الانسجام في معايير الاختيار وإلى وضوح في توزيع المسؤوليات السياسية

لقد كان النقاش في بدايته يدور حول حدود التشكيك الرقمي في التعيينات الحكومية لكنه انتهى إلى سؤال أعمق يتعلق بمسؤولية من يختارون ويرشحون ويدققون وينسقون…

وبين البداية والنهاية
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به الجهاز التنفيذي والقيادات الحزبية أنفسهم: متى ننتقل من منطق تدبير الأزمات بعد وقوعها إلى ثقافة استباق الأخطاء قبل أن تتحول إلى إحراج مؤسساتي؟

ومتى يصبح الاستوزار في الممارسة لا في الخطاب فحسب مسؤولية قائمة على الكفاءة والاستحقاق لا مجرد حلقة في حسابات التوازنات الحزبية؟

فالإعفاء قد ينهي مهمة وزير لكنه لا ينهي مسؤولية من رشّحه ولا يمحو مسؤولية من اقترحته ولا يعفي من دقّق في أهليته أو كان يفترض أن يدقّق فيها.

وهنا جوهر القضية: ليس من العيب أن يقع الخطأ في تدبير الشأن العام بل أن يتكرر الخطأ من دون مراجعة وأن تتحول المسؤولية إلى منصب بلا محاسبة والتزكية إلى إجراء بلا تمحيص والتعيين إلى حدث يُحتفى به قبل أن يُختبر الاستحقاق

يوسف غريب كاتب صحفي

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

الرأي

الوضعية القانونية للحكومة المعينة قبل تنصيبها برلمانيا

الرأي

أجدير: الذاكرة الثقافية والتراث الغنائي ومشاريع التوثيق

الرأي

من التعيين إلى الإعفاء :من يحاسب صاحب الإقتراح..؟

الرأي

الأحرار بين إكراهات المعارضة وضرورة التصحيح التنظيمي

الرأي

حكومة المونديال، وفرصة توحيد سرعتي التنمية بالمغرب؟