الحكومة الجديدة تغيّر أسماء الوزارات .. والعبرة بالنتائج .. هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم مجرد تجميل للاختلالات القديمة؟ فالمواطن المغربي لا يسأل عن الاسم الذي تحمله الوزارة، بقدر ما يسأل عمّا تغير في حياته بفضل هذه الوزارة. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للحكومة الجديدة
أثارت الهندسة الحكومية الجديدة، التي اعتمدتها حكومة فاطمة الزهراء المنصوري عقب تعيينها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، نقاشاً حول دلالات التغييرات التي طالت أسماء عدد من القطاعات الوزارية، وحول ما إذا كانت هذه التعديلات تعكس تحولاً فعلياً في فلسفة التدبير الحكومي، أم أنها مجرد إعادة ترتيب للمسميات والاختصاصات، دون ضمانات كافية لإحداث التغيير الذي ينتظره المواطنون.
فالمقارنة بين التسميات السابقة والجديدة تكشف عن دخول مفاهيم ومصطلحات إلى القاموس الحكومي، من قبيل «النجاعة العمومية» و«السيادة الغذائية» و«الذكاء الاصطناعي» و«الإدماج الاقتصادي» و«التأهيل» و«المساواة».
وهي مفاهيم تحمل دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية مهمة، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً: هل يكفي تغيير اسم الوزارة لتغيير أدائها، أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من السياسات والنتائج وليس من الواجهات والعناوين؟
من تغيير الأسماء إلى تغيير الأولويات
لا يمكن، من حيث المبدأ، اعتبار مراجعة أسماء الوزارات عملاً سلبياً. فالحكومات تعيد عادة تنظيم هياكلها ومجالات تدخلها استجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، وقد يكون تغيير التسمية تعبيراً عن توجه سياسي جديد أو إعادة تحديد للأولويات.
فإضافة «النجاعة العمومية» إلى وزارة الاقتصاد والمالية، مثلاً، يمكن أن تُقرأ باعتبارها رغبة في الانتقال من منطق تدبير الميزانيات والنفقات إلى منطق قياس النتائج ومردودية الإنفاق العمومي.
غير أن النجاعة لا تتحقق بإضافتها إلى اسم الوزارة، بل بتقليص الهدر، وترشيد المصاريف، وتحسين جودة الخدمات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
والأمر نفسه ينطبق على إدراج «السيادة الغذائية» ضمن اختصاصات وزارة الفلاحة والصيد البحري؛ فهذا الاختيار يحمل دلالة استراتيجية في ظل التغيرات المناخية والضغط على الموارد المائية وتقلبات الأسواق الدولية. لكن السيادة الغذائية لن تتحقق بالمصطلحات، وإنما بإصلاح السياسة الفلاحية، وحماية صغار الفلاحين، وتحسين الإنتاج الوطني، وضمان أسعار معقولة للمواد الأساسية.
الذكاء الاصطناعي.. عنوان جديد وتحديات كبيرة
من أبرز مستجدات حكومة المنصوري إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية التكنولوجيات الحديثة في تطوير الاقتصاد والإدارة والخدمات العمومية. وقد أُسندت هذه الحقيبة إلى أحمد رحو، وفق التشكيلة الحكومية المعلنة رسمياً.
ويمكن اعتبار هذا الاختيار مؤشراً إيجابياً، بالنظر إلى التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، غير أن المغرب لا يحتاج إلى وزارة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي بقدر ما يحتاج إلى سياسة وطنية واضحة للاستثمار في البحث العلمي والتكوين والابتكار، وتقليص الفجوة الرقمية بين المدن والقرى.
فما قيمة وزارة للذكاء الاصطناعي إذا ظل المواطن مضطراً إلى الانتقال بين الإدارات للحصول على وثيقة بسيطة؟ وما جدوى التحول الرقمي إذا لم ينعكس على شفافية المرفق العمومي، وسرعة الخدمات، وتكافؤ فرص الولوج إليها؟ إن التحدي ليس في مواكبة المصطلحات العالمية، وإنما في تحويل التكنولوجيا إلى وسيلة لتحسين حياة المغاربة.
التعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية.. العبرة بالنتائج
تثير التسميات الجديدة لقطاعات التعليم والتشغيل والأسرة والتنمية الاجتماعية أسئلة أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.
فإضافة «التأهيل» إلى اسم وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني قد تعكس اهتماماً بربط المدرسة بسوق الشغل. لكنها لن تكون ذات جدوى إذا لم تتراجع نسب الهدر المدرسي، ولم تتحسن جودة التعليم، ولم يتمكن الشباب من اكتساب المهارات التي تؤهلهم للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
كما أن تسمية وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي تضع التشغيل في صدارة الاختصاصات المعلنة، لكنها ترفع أيضاً سقف الانتظارات، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.
أما اعتماد مفاهيم التنمية الاجتماعية والمساواة، فينبغي أن يجد ترجمته في سياسات تحمي الفئات الهشة، وتعزز حقوق النساء، وتقلص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فالمواطن لا يقيس أداء الحكومة بعدد الكلمات الجديدة التي تدخل أسماء وزاراتها، وإنما بما يلمسه من تحسن في المدرسة والمستشفى وفرص العمل والقدرة الشرائية.
هل تكشف كثرة التسميات عن صعوبة مواجهة الاختلالات؟
هنا يبرز وجه آخر للنقاش، لا يقل أهمية عن القراءة الإيجابية. فقد تعكس كثرة المفاهيم الجديدة في أسماء الوزارات رغبة سياسية في الإعلان عن القطيعة مع الاختلالات السابقة، دون أن تعني بالضرورة امتلاك الأدوات اللازمة لتجاوزها.
بل قد تتحول هذه التسميات، في غياب إصلاحات ملموسة، إلى شكل من أشكال التواصل السياسي الذي يسعى إلى إنتاج انطباع بالتغيير قبل إثباته على أرض الواقع.
والواقع أن الاختلالات البنيوية التي تواجه المغرب، من بطالة وتفاوتات مجالية وضعف بعض الخدمات العمومية وإكراهات الاستثمار والإدارة، ليست مشكلات مرتبطة بأسماء القطاعات الحكومية، وإنما بطبيعة السياسات العمومية وطرق تنفيذها وتقييمها.
ومن ثَمّ، فإن إعادة توزيع الاختصاصات بين الوزارات قد تكون مفيدة إذا ساعدت على تجاوز التداخل والتشتت، لكنها قد تخلق صعوبات إضافية إذا لم تكن مصحوبة بتحديد دقيق للمسؤوليات، وتنسيق حكومي فعال، وموارد بشرية ومالية كافية.
بين التجديد السياسي والتسويق الحكومي
لا ينبغي الحكم مسبقاً على تجربة حكومة المنصوري بالفشل أو النجاح انطلاقاً من مجرد تغيير أسماء الوزارات. فالحكومة في بداية ولايتها، ومن حقها اعتماد الهندسة التنظيمية التي تراها مناسبة لتنفيذ برنامجها.
لكن هذا الحق يقابله واجب تقديم تفسير واضح للمواطنين بشأن القيمة المضافة لهذه التغييرات. ما الذي سيتغير في السياسات العمومية؟ وما الاختصاصات التي أعيد توزيعها؟ وهل ستؤدي الهندسة الجديدة إلى تبسيط القرار الحكومي أم إلى زيادة تعقيده؟ وما الكلفة المالية والإدارية المترتبة عليها؟
وهي أسئلة مشروعة ينبغي أن تجد أجوبتها في البرنامج الحكومي، والنصوص المنظمة للاختصاصات، وقانون المالية، ومؤشرات الأداء.
كما أن التغيير لا ينبغي أن يقتصر على هندسة القطاعات الحكومية، بل يجب أن يشمل أيضاً طرق التواصل مع المواطنين، والإنصات إلى مطالبهم، وإشراك الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، واحترام دور البرلمان والإعلام في الرقابة والمساءلة.
الحكومة أمام امتحان الثقة والإنجاز
تأتي حكومة المنصوري في سياق سياسي واجتماعي يتسم بارتفاع انتظارات المواطنين، وبالحاجة إلى تقديم أجوبة مقنعة عن قضايا التنمية والتشغيل والتعليم والصحة والعدالة المجالية.
وقد تكون التسميات الجديدة محاولة لإبراز أولويات المرحلة المقبلة، وهو توجه يمكن تثمينه من حيث المبدأ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالنجاعة العمومية والرقمنة والسيادة الغذائية.
غير أن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من الإعلان عن النوايا إلى تحقيق النتائج. فالمغاربة لا ينتظرون فقط حكومة بأسماء وزارات جديدة، بل ينتظرون إدارة أكثر فعالية، ومدرسة أفضل، ومستشفيات تقدم خدمات جيدة، واقتصاداً يخلق فرص الشغل، وسياسات اجتماعية أكثر إنصافاً.
وفي النهاية، فإن تغيير أسماء الوزارات ليس إصلاحاً في حد ذاته، لكنه قد يكون مدخلاً للإصلاح إذا صاحبه تغيير في الرؤية وأساليب التدبير والنتائج. أما إذا ظلت الاختلالات قائمة، فإن التسميات الجديدة لن تكون سوى غلاف حديث لمشكلات قديمة.
ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام حكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري ليس أن تنجح في ابتكار أسماء جديدة للوزارات، وإنما أن تنجح في إعطاء مضمون جديد للعمل الحكومي.

