أكادير اليوم – الحسن باكريم //
في الإعلان عن تعيين حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لم يذكر قطاع التواصل ضمن المناصب الوزارية ما لفت انتباه عموم المشتغلين في الصحافة والمهتمين ..
أثار غياب قطاع التواصل عن التشكيلة الحكومية الجديدة، التي عينها الملك محمد السادس يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، تساؤلات حول مستقبل السياسة العمومية في مجال الإعلام والصحافة، خصوصاً في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، والتحديات الاقتصادية والمهنية التي تواجه المقاولات الصحفية المغربية.
ويكتسي هذا الغياب أهمية خاصة بالنظر إلى إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، أُسندت إلى أحمد رحو، إلى جانب تعيين عائشة كلاع وزيرة منتدبة مكلفة بإصلاح الإدارة. وهي خطوة تعكس حضور التحول التكنولوجي ضمن الهيكلة الحكومية الجديدة، لكنها تطرح في المقابل سؤال موقع الصحافة والتواصل داخل هذه التحولات.
فهل يعني عدم تخصيص حقيبة للتواصل توجهاً نحو تعزيز استقلالية الصحافة والاكتفاء بالمجلس الوطني للصحافة؟ أم أن الأمر يتعلق بإعادة توزيع الاختصاصات الحكومية، دون التخلي عن مسؤولية الدولة في تطوير القطاع الإعلامي؟
التجارب الدولية: مجالس للصحافة وقطاعات حكومية للإعلام
تكشف التجارب الدولية أن وجود مجلس مستقل للصحافة لا يلغي بالضرورة الحاجة إلى قطاع حكومي يتولى إعداد السياسات العمومية المتعلقة بالإعلام.
ففي فرنسا، تضطلع وزارة الثقافة، عبر المديرية العامة لوسائل الإعلام والصناعات الثقافية، بمسؤوليات تتعلق بتطوير الصحافة وتنظيم الدعم العمومي ومواكبة التحولات الاقتصادية والرقمية، بينما يوجد مجلس أخلاقيات الصحافة والوساطة الذي يعنى بالقضايا الأخلاقية والمهنية.
وفي بريطانيا، تتولى وزارة الثقافة والإعلام والرياضة مسؤوليات حكومية في المجال الإعلامي، في حين تمارس هيئات مستقلة، من بينها IPSO وImpress، أدواراً في التنظيم الذاتي للصحافة.
أما ألمانيا، فتعتمد نموذجاً تتوزع فيه الاختصاصات الإعلامية بين المؤسسات الاتحادية والولايات، مع وجود المجلس الألماني للصحافة الذي يتولى النظر في قضايا الأخلاقيات المهنية والشكايات.
وتؤكد هذه النماذج أن التنظيم الذاتي للصحافة والسياسة الحكومية للإعلام وظيفتان مختلفتان ومتكاملتان، وليستا بالضرورة بديلتين إحداهما عن الأخرى.
المغرب: المجلس الوطني للصحافة ليس بديلاً شاملاً عن قطاع التواصل
في المغرب، يضطلع المجلس الوطني للصحافة بمهام مرتبطة بالتنظيم الذاتي للمهنة، وأخلاقيات الصحافة، وتنظيم الجوانب المهنية وفق اختصاصاته القانونية.
غير أن مسؤوليات إعداد التشريعات الإعلامية، ووضع السياسات العمومية، وتطوير المقاولات الصحفية، وتدبير منظومة الدعم العمومي، ومواكبة الصحافة الجهوية والرقمية، تتجاوز بطبيعتها وظائف التنظيم الذاتي.
ومن ثم، فإن غياب حقيبة التواصل من التشكيلة الحكومية لا يعني تلقائياً انتقال هذه الاختصاصات إلى المجلس الوطني للصحافة، بل يستدعي توضيح الجهة التي ستتولى الإشراف عليها في الهيكلة الحكومية الجديدة.
وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.. هل تحتضن مستقبل الإعلام؟
يشكل إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة أحد أبرز المستجدات الحكومية، في سياق تتزايد فيه أهمية التكنولوجيا في الاقتصاد والإدارة والخدمات العمومية.
غير أن هذا الاختيار يطرح سؤالاً مؤسساتياً مهماً: هل يمكن للوزارة الجديدة أن تساهم في تطوير الصحافة الرقمية، ودعم المقاولات الإعلامية في اعتماد الذكاء الاصطناعي، وتكوين الصحافيين على استعمال التقنيات الحديثة؟
إن العلاقة بين الإعلام والذكاء الاصطناعي أصبحت وثيقة، خصوصاً في مجالات إنتاج الأخبار، والتحقق من المعلومات، ومحاربة التضليل، وحماية حقوق المؤلفين، وتطوير المحتوى الرقمي باللغتين العربية والأمازيغية.
ولذلك، فإن إدماج البعد الإعلامي ضمن الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي يمكن أن يشكل مجالاً للتعاون بين المؤسسات الحكومية والمهنيين، شريطة عدم اختزال الصحافة في بعدها التكنولوجي.
فالصحافة ليست مجرد صناعة رقمية، بل مؤسسة مجتمعية تؤدي وظائف الإخبار والمراقبة والمساءلة والمساهمة في النقاش العمومي.
كما أن إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي لا يعني، في حد ذاته، إسناد اختصاصات الصحافة والتواصل إليها؛ إذ يظل ذلك رهيناً بالنصوص التنظيمية التي ستحدد صلاحيات القطاعات الحكومية.
أي مستقبل للسياسة الإعلامية المغربية؟
إن التحدي الذي تواجهه الحكومة الجديدة لا يتمثل فقط في تحديد الجهة التي ستشرف على قطاع التواصل، بل في بلورة سياسة وطنية متكاملة لتطوير الإعلام، تأخذ بعين الاعتبار التحولات التكنولوجية والاقتصادية والمهنية.
وتبرز هنا ضرورة المحافظة على استقلالية المجلس الوطني للصحافة، مع توضيح مسؤولية الحكومة عن دعم القطاع وتأهيله، وخاصة الصحافة الجهوية والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تواجه صعوبات مالية وتكنولوجية متزايدة.
كما يمكن التفكير في إرساء آليات للتنسيق بين الإدارة المكلفة بالإعلام ووزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، بما يضمن مواكبة الصحافة المغربية للتحولات الجديدة، دون المساس باستقلاليتها التحريرية والمهنية.
خلاصة: غياب الوزارة لا ينبغي أن يعني غياب السياسة الإعلامية
إن التجارب الدولية تؤكد أن استقلال الصحافة لا يتوقف على غياب وزارة للتواصل، كما أن وجود قطاع حكومي للإعلام لا يعني بالضرورة الوصاية على الصحافيين.
فالمعيار الأساسي يظل وضوح الاختصاصات، وضمان استقلال المؤسسات المهنية، وتوفير سياسة عمومية قادرة على تطوير قطاع الصحافة والإعلام.
ولعل إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، في مقابل غياب قطاع التواصل عن التسميات الحكومية الجديدة، يشكل مناسبة لإعادة التفكير في الهندسة المؤسساتية للإعلام بالمغرب.
ويبقى السؤال المركزي: هل ستفضي الهيكلة الحكومية الجديدة إلى سياسة إعلامية أكثر اندماجاً في التحول الرقمي، أم أن الصحافة ستظل تبحث عن موقعها بين المجلس الوطني للصحافة والقطاعات الحكومية الأخرى؟
إن الجواب عن هذا السؤال لن تقدمه أسماء الوزراء وحدها، بل طبيعة الاختصاصات والبرامج والقرارات التي ستعتمدها الحكومة في المرحلة المقبلة.
فالصحافة تحتاج إلى استقلال مهني حقيقي، لكنها تحتاج أيضاً إلى سياسة عمومية واضحة تواكب تحولاتها وتضمن شروط تطورها واستمرارها.

