عودة وجوه سياسية تبعث سقما في القلوب: فهل تسمح الغاية “المقدسة”، بالوسيلة المدنسة؟
- بقلم امحمد القاضي //
عند إقتراب كل إستحقاقات إنتخابية إلا وتفتح امام المواطن ابواب الامل نحو التغيير، وبناء مغرب صاعد متجدد بطاقاته الواعدة وكفاءاته الشابة من إنتاج وطن غني بمؤهلاته البشرية والمعرفية ومن تراكم تجارب إنسانية ونضالية وتنوع حضارته العريقة.
منطق المغرب كأجمل بلد في العالم، لا يمكن ان إلا أن ينتج الجميل المقنع في كل المجالات.
إستبشر المغاربة خيرا بعد تعيين صاحب الجلالة لأول امرأة كرئيسة الحكومة لتقود التحالف الحكومي في العهد الجديد. وهي خطوة جريئة واستثنائية في المحيط الإقليمي وعلى الصعيد العربي الإسلامي.
في الحقيقية التعيين جاء تتويجا لمسار حقوقي تراكمي وسيرورة نضالية لفعاليات نسائية وجمعيات المجتمع المدني خلال عقود من الزمن، وخاصة في عهد الملك محمد السادس مع تبني مدونة الأسرة سنة 2004 التي أعتبرت انذاك بالثورة الهادئة.
لانها شكلت تحولا تشريعيا واجتماعيا في طريق صيانة الحقوق النسائية وإعادة ترتيب عدة قوانين اسرية. المدونة كسرت عدة طابوهات تقليدانية وأعادت تنظيم العلاقات الإجتماعية.
زاواج العاهل المغربي والظهور العلني لزوجته في وسائل الإعلام كان إنتفاضة على طقوس مخزنية موروثة، ومساهمة المؤسسة الملكية في إنتاج مغرب أكثر تحديثا وإنفتاحا وعصرنة.
الهوية المغربية بتنوعها وعمقها التاريخي والحضاري ثروة. بإطلالة عابرة عبر بعض محطات التاريخ المغربي العريق، نجده قد تخللته عدة قيادات نسائية كاريزماتية بشخصيات قوية ابلت البلاء الحسن.
بدأ بالملكة الأمازيغية “دهيا’ التي قادت الثورة ضد طغيان حكام الامويين وطردتهم شر طردة من المغرب. مرورا بكنزة الأوربية التي حمت عرش الادارسة بعد وفات إدريس الأول ونصبت إبنها إدريس الثاني وهو في سن الطفولة.
وفاطمة الفهرية التي بنت جامعة القرويين، وكذلك زينب النفزاوية زوجة ومستشارة يوسف بن تاشفين، والسيدة الحرة التي حكمت تطوان والشمال والقائدة العسكرية لعقود. اختصارا، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري لن تكون النهاية، بل حبة عقد تنضاف لوسط قلادة ستزين التاريخ المجيد لمغربنا المعاصر.
بعد التعيين الملكي لرئيسة الحكومة إستبشرنا خيرا. تعيين انسانا ما شهدته الحملة الإنتخابية بٱلتها المزيتة وعودة الكائنات الموسمية بخطاباتها البئيسة والميؤوس منها، وظهور بعض العائلات النافدة والملاسنات والإتهمات المبتدلة بين أطراف أغلبية ‘متجانسة’ مازالوا يقودون حكومة تصريف الأعمال.
إلا أن عودة إقتسام غنيمة الحقائب الوزارية، أطلت علينا بوجوه مبتدلة وكأن أمهاتنا اصبنا بعقم إنجاب طاقات مكونة تستحق مناصب المسؤولية، مما احيى فينا بكل أسى الشعور باليأس والتشاؤم.
بكل تجرد وعدم إنحياز وبدون ولاء او إنتماء، وبأقل تاثير سياسي ممكن وأكثر غيرة على وطن يأوينا جميعا ومقدسات تجمعنا ونوقرها، من حقنا ان نعلن عن تخوفات مسبقة من إعادة إنتاج الشؤم والفشل.
التحالف الحكومي هجين بمرجعيات ايديولوجيا متباينة، جمع اليوم ما تفرق بالامس: “الوافد الجديد” نيوليبرالي؛ ومع حزب تعادلي محافظ وجد نفسه في الكثلة رغم انه شارك في جل الحكومات؛ مع حزب ثالث شيوعي بالامس إشتراكي اليوم مناصر تيار الإسلام السياسي البارحة؛ مع حزب رابع “عتيد” الماضي أوما تبقى حطام القوات الشعبية، يعد حليف ومناصر حمامة الامس التي دكها جرار اليوم وطردها من عش التحالف رغم هديل الحمامة غزلا وطمعا في العودة لدفئ العش في الخريف السياسي!
على أي تكونت عائلة سياسية جديدة وصداقات ألفة بدون أزمة ضمير او وجع وجدان!
فهل فعلا وراء الزواج الأبيض غاية و’مصلحة’ الوطن، التي قد تشفع وتنجح هذا التلاقح ؟
اسمى طموح مشروع وليس طوباوي يطمح له كل مواطن مغربي على سفوح السهول وضفاف الوديان وأعلي الجبال وتخوم الصحراء هو نخبة وطنية صادقة وقادرة على تحمل المسؤولية على إعادة ظروف معيشية ملائمة، توفير تعليم عمومي دو جودة، وصحة عمومية تحفظ الكرامة وفرص شغل تضمن لقمة العيش وسكن لائق وخدمات إجتماعية وإدارية عمومية للقرب وأمن مستقر وعدالة منصفة.
إضافة للقطع التدريجي مع الفساد وجيوب المقاومة وتقافة الريع وربط المسؤولية بالمساءلة وقاعدة أخلاقية “من اين لك هذا”. وما أظن هذا بعزيز على نساء من حديد!
نخشى أن تبقى دار لقمان على ما عليه لمجرد عودة وجوه لإعادة إنتاج التجارب السابقة والعمل بالمقولة القديمة المبنية عن حكمة :”من شب على شئ، شاب عليه.”
لدينا وجوه وقيادات شبت في مناصب سامية وتحمل المسؤوليات الجسيمة وشاخت داخلها. قيادات تحمل قلوبا يسارية إصطناعية تخفق بقوة في اتجاه اليمين او نحو اي بوصلة تشير نحو المكاسب والإمتيازات.
هاهية تقطع الطريق من جديد أمام الشباب الطامح للريادة لتعود للواجهة. ضنا منها كاهل الكهف انها لم تقضي سوى يوما او بعض يوم. تعيش في عزلة فكرية وقلة الإدراك بمرور الزمن.
وجب إعادة النظر في ٱليات إنتاج النخب التي نال منها الصدأ، الديناصورات السياسية او بالاحرى الافاعي الشبكية السامة من حيلها الإلتفاف البطيئ حول الضحايا لدرجة الإختناق. هكذا السلوك الملتوي لهؤلاء الكائنات الآدمية السياسية، يتوارون للوراء، في سبات شتوي ويتصيدون الفرص.
صدقت مجموعة إزنزارن في احدى اغانيها الملتزمة بعنوان “تيلاس” أي “العتمة”: “او ريموت أولكماض، إسكا إكشم تيلاسي، تافوكت اللي خي كومر أسور اريلين. السم إفغ ألكماض، إكشمك أيا نواش.”
بمعنى تقريبي: ” الافعى لم تمت، بل تختبئ في الظلام، لانها إفتقدت الشمس التي عهدت الصيد تحتها. خرج السم من داخل الافعى، واستقر داخل المنافق.”
أملنا ان نطوي صفحة البؤس السياسي، والعقم الإجتماعي والحساسيات الايديولوجية، ونتجاوز الحسابات الضيقة لتسمو المصلحة العليا للوطن.
نستحق أن نعيش صفحات اكثر إشراقا، تزيدنا ثقة في المؤسسات، مع عدالة مجالية وإجتماعية وإلتفاتة للمغرب المهش، ونخلق مجتمعا أكثر حكامة وأقل تطبيعا مع الفساد. ونصنع كقوى حية وطنا يليق بتضحيات وصبر وتاريخ ومسار شعب عريق أنهكته المحن.
ونختم ببيت مأثور: “يارجال العلم ياملح البلد ## من يصلح الملح إذا الملح فسد.”

