في الحاجة إلى "إيكيدار أركان".. - اكادير اليوم

في الحاجة إلى “إيكيدار أركان”..

  • شارك الخبر

في الحاجة إلى “إيكيدار أركان”.. من حماية شجرة أركّان إلى حماية المادة الأولية وضمان السيادة على تثمينها في المغرب

إعداد: الدكتور خالد ألعيوض

مقدمة: ثروة يعترف العالم بقيمتها، ويحتاج المغرب إلى حماية مادتها الأولية
إن الرهان الحقيقي اليوم في مجال أركّان لا يقتصر على حماية الشجرة من التدهور، ولا على الاحتفاء بقيمتها البيئية والتراثية، ولا حتى على الترويج لزيتها في الأسواق الوطنية والدولية. إن التحدي الأعمق يتمثل في حماية المادة الأولية لأركان، وتنظيم جمعها وتخزينها وتداولها، وضمان استفادة السكان المحليين والتعاونيات والمنتجين المغاربة من هذه الثروة التي تنمو في مجالهم، وتشكل جزءاً من تاريخهم ومعارفهم وسبل عيشهم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في إحداث «إيكيدار أركان»، باعتبارها منظومة لتخزين ثمار أركّان وتدبير مادتها الأولية، مستلهمة من تجربة المخازن الجماعية التقليدية التي عرفها المجال السوسي، والتي اضطلعت بدور أساسي في حفظ الحبوب وتأمين حاجات الجماعة. فكما كان «اگدير» فضاءً لحماية الغذاء وضمان الأمن الجماعي، يمكن أن يصبح «اكدير أركان» آلية لحماية ثروة محلية ذات قيمة وطنية ودولية، وتأمين المادة الأولية التي تقوم عليها مختلف أنشطة إنتاج زيت أركّان وتثمينه.
إنها دعوة إلى الانتقال من الاعتراف بقيمة أركّان إلى إرساء سياسة عملية لحماية ثروته، وتنظيم سلاسل إنتاجه، وصون حقوق النساء القرويات والمنتجين المحليين، وضمان ألا تنفصل القيمة الاقتصادية التي يحققها الزيت في الأسواق عن المجال الذي ينتجه وعن السكان الذين حافظوا على الشجرة ومعارفها عبر الأجيال.
فأركّان ليس مجرد شجرة، وزيته ليس مجرد منتج تجاري؛ إنهما ثروة بيئية وثقافية واقتصادية تستحق تدبيراً منصفاً ومستداماً، يجعل حماية الشجرة وحماية مادتها الأولية وتثمينها حلقات متكاملة في سياسة وطنية واحدة.
أولاً: أربعة اعترافات دولية تؤكد القيمة الاستثنائية لأركان
يحظى أركّان بمكانة متميزة في الذاكرة الطبيعية والثقافية للمغرب، وقد تعززت هذه المكانة باعترافات دولية متتالية تؤكد أهميته البيئية والتراثية والفلاحية.
ففي سنة 1998، اعترفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» بمجال أركّان باعتباره محمية للمحيط الحيوي، بما يعكس أهمية هذا النظام البيئي وضرورة المحافظة على توازنه وتنوعه البيولوجي.
وفي سنة 2014، أدرجت اليونسكو المعارف والمهارات المرتبطة بشجرة أركّان ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، اعترافاً بالمعارف التقليدية والممارسات الاجتماعية التي راكمتها المجتمعات المحلية، وبالدور المحوري الذي اضطلعت به النساء في حفظ هذه المعارف ونقلها بين الأجيال.

في الحاجة إلى "إيكيدار أركان".. - اكادير اليوم
وفي دجنبر 2018، اعترفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» بالنظام الزراعي الرعوي الغابوي القائم على أركّان في مجال آيت صواب–آيت منصور، باعتباره أحد نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية. ويبرز هذا الاعتراف قيمة الممارسات التقليدية في تدبير المجال، بما فيها استغلال المدرجات الحجرية الجافة، والتكيف مع الظروف المناخية الصعبة، والمحافظة على التوازن بين الأنشطة البشرية والموارد الطبيعية.
ثم جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ، الصادر في 3 مارس 2021، ليعلن يوم 10 ماي من كل سنة يوماً دولياً لشجرة أركّان، بما يعزز الوعي العالمي بأهميتها وبضرورة صونها وتثمينها.
إن اجتماع هذه الاعترافات الدولية الأربعة يمنح أركّان مكانة استثنائية، لكنه يضع المغرب أيضاً أمام مسؤولية أكبر. فليس كافياً أن تحظى الشجرة باعتراف المؤسسات الدولية، بينما تظل حمايتها وتدبير مواردها وتوزيع عائداتها بحاجة إلى مزيد من التنظيم والإنصاف.
لقد اعترف العالم بقيمة أركّان، وحان الوقت لكي نجعل هذا الاعتراف مدخلاً إلى سياسة وطنية أكثر نجاعة في حماية الشجرة والمادة الأولية والإنسان الذي يعيش معها.
ثانياً: حماية الشجرة لا تنفصل عن حماية ثمارها
تتميز شجرة أركّان بقدرتها على مقاومة الجفاف والحرارة والتكيف مع الظروف المناخية الصعبة، كما تشكل جزءاً أساسياً من التوازن البيئي في مناطق انتشارها، وتساهم في حماية التربة ودعم التنوع البيولوجي والمحافظة على سبل عيش فئات واسعة من السكان.
غير أن هذه الشجرة تواجه تحديات متعددة، تتداخل فيها العوامل المناخية مع الضغوط البشرية، ومنها الحرائق، والتوسع العمراني، وإقامة المنشآت، والقطع الجائر، وتغيير استعمالات الأراضي، والضغط المتزايد على الموارد النباتية. وتؤدي هذه العوامل، بدرجات متفاوتة من منطقة إلى أخرى، إلى تهديد استدامة المجال الغابوي للأركان وتجدد أشجاره.
ومن ثم، فإن المحافظة على أركّان تقتضي سياسة متكاملة لا تقتصر على غرس الأشجار أو حماية المساحات الغابوية، بل تشمل كذلك تنظيم استغلال الثمار، وضمان تجدد الشجرة، ومراقبة الممارسات التي تضر بها، وإشراك السكان المحليين في التدبير والحماية.
لكن هناك جانباً آخر لا يحظى بما يكفي من النقاش، يتعلق بالمادة الأولية نفسها: ثمار أركّان التي تشكل نقطة الانطلاق في سلسلة الإنتاج، من جمعها وتجفيفها وتخزينها إلى استخراج الزيت وتسويقه.
فإذا كانت الشجرة تحظى بالحماية باعتبارها مورداً طبيعياً، فإن ثمارها ينبغي أن تحظى بدورها بمنظومة تدبير واضحة، تضمن استغلالها بصورة مسؤولة، وتحمي حقوق أصحاب الأراضي والمنتجين، وتيسر وصول المادة الأولية إلى التعاونيات والفاعلين المحليين.
إن حماية الشجرة من جهة، وترك ثمارها عرضة للفوضى أو التنافس غير المتكافئ من جهة أخرى، لا يحققان الأهداف المنشودة. ولذلك فإن حماية أركّان تظل ناقصة ما لم تشمل المادة الأولية التي تقوم عليها قيمته الاقتصادية والاجتماعية.

ثالثاً: المادة الأولية لأركان في المغرب: سؤال التدبير والإنصاف
يشكل تدبير المادة الأولية إحدى القضايا المركزية التي ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر في السياسات العمومية المرتبطة بأركّان.
فثمار أركّان ليست مجرد منتوج موسمي؛ إنها مورد اقتصادي ترتبط به أنشطة جمع وتحضير وتحويل وتسويق، وتقوم عليه معيشة عدد من الأسر، كما تعتمد عليه تعاونيات نسائية ومقاولات محلية تسعى إلى إنتاج زيت أركّان وتثمين مشتقاته.
غير أن تطور الطلب على زيت أركّان واتساع أسواقه، وطنياً ودولياً، يطرحان سؤالاً أساسياً: كيف يمكن ضمان توفر المادة الأولية بصورة منتظمة وعادلة، حتى لا تتحول ندرتها الموسمية أو التنافس على اقتنائها إلى عائق أمام المنتجين الصغار والتعاونيات المحلية؟
إن التحدي لا يتعلق فقط بكمية الثمار المتاحة، بل كذلك بكيفية جمعها، والجهات التي تتولى شراءها، وظروف تخزينها، وشروط تداولها، ومدى قدرة المنتج المحلي على الوصول إليها بأسعار وشروط مناسبة.
فقد تجد تعاونية نسائية نفسها أمام صعوبات في تأمين ما تحتاج إليه من الثمار، رغم اشتغالها في المجال نفسه الذي تنمو فيه أشجار أركّان. وقد يجد منتج محلي محدود الإمكانات صعوبة في منافسة فاعلين يتوفرون على قدرات مالية ولوجستية أكبر، تمكنهم من شراء كميات مهمة خلال موسم الجني وتخزينها إلى حين ارتفاع الطلب.
ولا ينبغي أن يتحول هذا التشخيص إلى اتهام عام لجميع الشركات أو المستثمرين؛ فوجود استثمارات في القطاع يمكن أن يساهم في تطوير الجودة والتسويق وخلق فرص الشغل. غير أن ذلك لا يعفي من ضرورة دراسة سلاسل التوريد، ومعرفة كيفية توزيع فرص الولوج إلى المادة الأولية، والتحقق من مدى تكافؤ شروط المنافسة.
إن السؤال الترافعي هنا واضح: كيف نضمن ألا تصبح الثروة التي ينتجها المجال المحلي بعيدة المنال عن النساء والتعاونيات والمنتجين الذين يشكلون جزءاً أساسياً من منظومة أركّان؟
إن الجواب يقتضي الانتقال من التدبير المتفرق إلى تنظيم جماعي وشفاف للمادة الأولية، يقوم على قواعد واضحة، ويضمن احترام الحقوق، ويحقق التوازن بين الاستثمار الاقتصادي والمصلحة الاجتماعية والبيئية.
ومن هذا المنطلق، فإن إحداث «مخازن أركان» يمكن أن يشكل إحدى الآليات العملية لمعالجة هذا الإشكال.
رابعاً: الرعي الجاءر وجمع الثمار وحقوق السكان المحليين
لا يمكن الحديث عن حماية المادة الأولية لأركان من دون التوقف عند الإشكالات المرتبطة بالرعي الجاءر وجمع الثمار داخل المجالات التي تنتشر فيها الشجرة.
ففي بعض المناطق، يثير الضغط المتزايد للرعي، سواء تعلق الأمر بالإبل القادمة من مناطق أخرى أو بالأغنام وغيرها من الماشية، مخاوف مرتبطة بتجدد الغطاء النباتي، وحماية الأشجار الصغيرة، وصون التوازن البيئي. وتزداد حدة الإشكال عندما لا تتم مراعاة الضوابط المنظمة للرعي أو حدود الملكيات وحقوق استغلال الأراضي.
كما تطرح عمليات جمع الثمار في بعض المجالات أسئلة بشأن حقوق السكان الذين يملكون الأراضي أو يستغلونها أو يرتبطون بها بعلاقات عرفية وقانونية. فقد ينشأ نزاع عندما يتم جمع الثمار دون التشاور مع أصحاب الحقوق أو دون احترام القواعد التي ينبغي أن تنظم هذا الاستغلال.
ولا بد هنا من التمييز بين حماية أركّان باعتباره مورداً طبيعياً ذا أهمية عامة، وبين الحقوق القانونية والعرفية التي قد تكون مرتبطة بالأرض واستغلالها وجني ثمارها. فالحماية البيئية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاهل حقوق السكان، كما أن حقوق الاستغلال لا ينبغي أن تفضي إلى ممارسات تضر بتجدد الشجرة أو استدامة المجال.
إن المطلوب هو وضع قواعد واضحة تنظم الرعي وجمع الثمار، وتحدد المسؤوليات، وتيسر تسوية النزاعات، وتضمن مشاركة الجماعات المحلية وأصحاب الحقوق والمنتجين في إعداد الحلول وتنفيذها.
ويمكن لـ«مخازن أركان» أن تساهم في هذا المسار، من خلال توثيق مصدر الثمار ومكان جمعها، وتحديد شروط قبولها وتخزينها، وربط التعامل معها باحترام القواعد المنظمة لاستغلالها. وبذلك لا يكون المخزن مجرد فضاء للتجميع، بل أداة تساعد على تنظيم العلاقة بين حماية المورد الطبيعي وحقوق مستغليه.
خامساً: المرأة القروية حارسة المعرفة التقليدية لأركان
تحتل المرأة القروية مكانة مركزية في تاريخ أركّان، ليس فقط باعتبارها عاملة في سلسلة الإنتاج، بل باعتبارها حاملة لمعارف ومهارات تراكمت عبر الأجيال.
فمن جمع الثمار واستخراج النوى، إلى كسرها وتحضير اللوز، وتحميصه عند الحاجة، وطحنه بالرحى التقليدية، وصولاً إلى إنتاج عجينة تعرف محلياً باسم «تزگموت» وفصل الزيت عنها، تشكل هذه العمليات منظومة من المعارف العملية التي ارتبطت بالحياة اليومية للأسر والمجتمعات المحلية.
ولم تكن هذه المعارف مجرد تقنيات للإنتاج، بل كانت جزءاً من الثقافة الغذائية والاجتماعية للمجال السوسي ومناطق أخرى من انتشار أركّان. فقد استُعمل الزيت غذاءً أساسياً في عدد من الأسر، ودخل في عادات الضيافة والممارسات اليومية، وأصبح مع مرور الوقت منتجاً ذا قيمة اقتصادية متزايدة.
وقد شكل ظهور التعاونيات النسائية خطوة مهمة في الاعتراف بالعمل الذي تقوم به النساء، وفتح آفاق أمامهن للتنظيم الجماعي، وتطوير الإنتاج، وتحسين فرص التسويق، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
غير أن تمكين المرأة لا يتحقق بمجرد تأسيس التعاونية أو توفير معدات التحويل والتلفيف. فالتعاونية تحتاج، قبل كل شيء، إلى ضمان حصولها على المادة الأولية التي تمكنها من مواصلة الإنتاج. ولا يمكن أن تكون مستقلة اقتصادياً إذا ظلت رهينة تقلبات التزود بالثمار أو ارتفاع أسعارها أو صعوبة منافسة فاعلين أكثر قدرة على التخزين والشراء.
ومن هنا تتجلى أهمية «مخازن أركان» باعتبارها آلية يمكن أن تيسر حصول التعاونيات على المادة الأولية وفق شروط واضحة وعادلة، وتساعدها على تجاوز بعض الصعوبات المرتبطة بالموسمية والسيولة المالية.ويمكن، في هذا الإطار، اعتماد صيغ للتزود تسمح للتعاونيات باقتناء الكميات التي تحتاج إليها، مع إمكانات أداء مرنة ومدروسة، وفق اتفاقات شفافة تحمي مصالح المنتجين والمخازن والتعاونيات معاً. إن إنصاف المرأة القروية يقتضي الاعتراف بعملها ومعرفتها، ولكنه يقتضي أيضاً تمكينها من الوسائل الاقتصادية التي تجعلها فاعلاً حقيقياً في سلسلة القيمة، لا مجرد حلقة ضعيفة فيها.
سادساً: من زيت تقليدي إلى منتج عالمي مرتفع القيمة
عرف زيت أركّان تحولاً كبيراً في مكانته الاقتصادية، بعدما انتقل من منتج غذائي تقليدي يرتبط بالحياة اليومية للأسر في سوس وإحاحان إلى منتج يحظى بطلب متزايد في الأسواق الوطنية والدولية، ويستعمل في مجالات متعددة، من الغذاء إلى مستحضرات التجميل والصيدلة
وقد ساهم هذا التحول في توسيع فرص التسويق، وتشجيع المبادرات الاقتصادية، وإبراز قيمة المعارف التقليدية المرتبطة بالشجرة، كما فتح المجال أمام التعاونيات والمقاولات للاستثمار في الجودة والتلفيف والترويج.
لكن ارتفاع القيمة التجارية للزيت يطرح في المقابل سؤالاً يتعلق بتوزيع العائدات داخل سلسلة الإنتاج: ما نصيب من يجمع الثمار؟ وما نصيب من يحولها؟ وما موقع التعاونيات النسائية والمنتجين المحليين في سوق تتزايد فيه المنافسة وتتوسع فيه الاستثمارات؟
لقد كانت قيمة الزيت في الذاكرة المحلية مرتبطة بالاستهلاك اليومي، بينما أصبح اليوم منتجاً قد يبلغ ثمنه مئات الدراهم للتر الواحد، بحسب الجودة وطريقة الإنتاج والعلامة التجارية وقنوات البيع. غير أن ارتفاع سعر المنتج النهائي لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع جميع المتدخلين في سلسلة الإنتاج.
ولهذا، فإن تقييم وضعية القطاع ينبغي ألا يقتصر على أسعار البيع النهائية أو حجم الصادرات، بل يجب أن يشمل كذلك شروط الحصول على المادة الأولية، وحصة المنتجين المحليين من القيمة المضافة، وأوضاع النساء العاملات في التحويل، ومدى قدرة التعاونيات على الاستمرار والتوسع. إن التثمين الحقيقي للأركان لا يقاس فقط بما يحققه الزيت من مداخيل في الأسواق، بل أيضاً بما يتركه من أثر إيجابي في المجال الذي ينتجه وفي حياة السكان الذين يحافظون على شجرته. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيم المادة الأولية باعتبارها الحلقة الأولى في سلسلة القيمة، لأن من يتحكم في الولوج إلى هذه الحلقة يمتلك قدرة مؤثرة على تحديد شروط الإنتاج والتسويق.
سابعاً: «إيگيدار أركان».. استلهام التراث لبناء حل معاصر
عرف المجال السوسي تاريخياً المخازن الجماعية التقليدية المعروفة باسم «إيگيدار»، وهي مؤسسات جماعية كانت تؤدي دوراً مهماً في حفظ الحبوب والمواد الغذائية، ولا سيما في البيئات التي تتطلب ظروفها المناخية والاقتصادية الاستعداد لفترات الندرة. لم يكن «اكدير» مجرد بناية لتخزين الحبوب؛ فقد ارتبط بمنظومة من القواعد والأعراف التي تنظم الحفظ والولوج والتدبير، وتعكس قدرة الجماعات المحلية على ابتكار آليات للتضامن والتكافل وتدبير الموارد المحدودة.
واليوم، ونحن أمام ثروة بيئية واقتصادية من طراز خاص، يمكن استلهام هذه التجربة التاريخية لتطوير تصور جديد يحمل اسم “إيگيدار أركان”. ولا يعني ذلك استنساخ المخازن القديمة بحذافيرها، بل الاستفادة من فلسفتها القائمة على حماية الموارد، وتنظيم استعمالها، وتأمين حاجات الجماعة، وتوزيع المسؤوليات وفق قواعد معلومة. فإذا كان «إكدير» التقليدي قد ساعد على حماية الأمن الغذائي في ظروف الندرة، فإن «مخازن أركان» يمكن أن تساهم في حماية المادة الأولية لشجرة أركّان، وتنظيم جمعها وتخزينها، وضمان توفرها على امتداد السنة لفائدة التعاونيات والمنتجين المحليين، وفق شروط عادلة وشفافة.
إنه مقترح يجمع بين الحكمة التراثية ومتطلبات التدبير الحديث، وبين حماية الموارد الطبيعية وتنظيم النشاط الاقتصادي، وبين الاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية.
ثامناً: كيف يمكن أن يعمل «اكدير أركان»؟
إن نجاح هذا المقترح يتطلب أن يتحول من فكرة رمزية إلى منظومة عملية قابلة للتنفيذ والتقييم. ويمكن تصور إرسائه عبر مجموعة من المكونات المتكاملة:
1. إحداث مخازن محلية وجهوية
يُقترح إحداث مخازن قريبة من مجالات إنتاج أركّان، وفق دراسة تحدد مواقعها وحاجياتها وقدراتها الاستيعابية. ويمكن أن تشكل المخازن المحلية نقاطاً لتجميع الثمار، بينما تتولى المخازن الجهوية مهام التنسيق والتخزين الأكبر والتوزيع.
وينبغي أن تكون هذه المنشآت مجهزة بما يلائم طبيعة المادة المخزنة، مع احترام شروط النظافة والتهوية والرطوبة والسلامة والجودة، لتفادي التلف والمحافظة على خصائص الثمار.
2. تنظيم جمع الثمار وتوثيق مصدرها
ينبغي اعتماد نظام واضح لتسجيل مصدر الثمار ومكان جمعها وتاريخ إيداعها، مع مراعاة خصوصيات الملكية والاستغلال والحقوق المعمول بها في كل مجال.
ويساعد هذا النظام على تعزيز الشفافية، وتسهيل تتبع مسار المادة الأولية، والحد من النزاعات المرتبطة بمصدرها، فضلاً عن دعم الممارسات التي تحترم استدامة الشجرة والموارد الطبيعية.
3. ضمان شروط عادلة للتزود بالمادة الأولية
ينبغي أن يتيح «مخزن أركان» للتعاونيات والمنتجين المحليين إمكانية الحصول على الثمار وفق شروط معلنة، تراعي الجودة والكميات المتوفرة وتكاليف التخزين والتدبير.
ويمكن دراسة صيغ متعددة، من بينها البيع المباشر، والتعاقد المسبق، وتوفير كميات مخصصة للتعاونيات، وفق قواعد شفافة تمنع التمييز غير المبرر وتحد من احتكار المادة الأولية.
4. دعم التعاونيات والمنتجين محدودي الإمكانات
من الممكن أن تواجه التعاونيات صعوبات في شراء كميات كافية من الثمار خلال موسم الجني، بسبب محدودية السيولة المالية أو ارتفاع الطلب. لذلك يمكن دراسة آليات للتسبيق أو التمويل أو الأداء المؤجل وفق عقود واضحة، تضمن حقوق جميع الأطراف وتراعي قدرات التعاونيات على الإنتاج والتسويق. ويمكن أيضاً بناء شراكات مع مؤسسات التمويل والبرامج العمومية ذات الصلة، حتى لا يبقى الحصول على المادة الأولية امتيازاً لمن يتوفر على سيولة مالية كبيرة فقط.
5. اعتماد قواعد واضحة للأسعار والجودة
يتعين وضع نظام شفاف لتحديد أسعار اقتناء الثمار وبيعها، يأخذ في الاعتبار الجودة والكميات وتكاليف التخزين والنقل والتدبير، مع نشر المعايير المعتمدة وتمكين المتعاملين من الاطلاع عليها. ولا يعني ذلك فرض سعر واحد بصورة جامدة على جميع الحالات، بل إرساء قواعد تمنع الغموض والتلاعب، وتساعد المنتجين والتعاونيات على التخطيط لأنشطتهم واتخاذ قرارات اقتصادية على أساس معلومات واضحة.
6. إرساء حكامة تشاركية وشفافة
ينبغي ألا يتحول «اكدير أركان» إلى مؤسسة مغلقة أو إلى وسيط جديد يضيف أعباء على المنتجين. لذلك يجب أن تقوم حكامته على الشفافية والمراقبة وتحديد المسؤوليات وإشراك ممثلي المنتجين والتعاونيات والنساء القرويات والجماعات المحلية والجهات المختصة. كما ينبغي إخضاع التدبير للمحاسبة والتقييم الدوري، ونشر معطيات حول الكميات المخزنة والأسعار وشروط الولوج والمستفيدين، بما يعزز الثقة ويحد من تضارب المصالح.
7. ربط التخزين بحماية الشجرة واستدامة المجال
لا ينبغي أن يكون الهدف من المخازن جمع أكبر كمية ممكنة من الثمار دون اعتبار للأثر البيئي. بل يتعين ربط عمليات التجميع والتسويق باحترام القواعد التي تحمي تجدد الشجرة والغطاء النباتي، وتراعي حقوق السكان وأصحاب الأراضي، وتحد من الممارسات التي تهدد استدامة المجال.
وبذلك يصبح «مخزن أركان» أداة لتدبير متكامل، يجمع بين حماية المورد الطبيعي وتنظيم النشاط الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي.
تاسعاً: الحاجة إلى إطار قانوني ينظم المادة الأولية لأركان
إن إحداث «إيگيدار أركان» لا ينبغي أن يظل مبادرة معزولة أو مشروعاً تجريبياً محدود الأثر؛ بل يحتاج إلى دراسة قانونية ومؤسساتية تحدد موقعه داخل المنظومة الوطنية لتدبير أركّان، وعلاقته بالمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والتعاونيات والمنتجين والفاعلين الاقتصاديين. ومن هنا تبرز مسؤولية البرلمان والحكومة في فتح نقاش جدي حول الإطار القانوني الذي ينظم جمع ثمار أركّان وتخزينها وتداولها وتسويقها، بما يحقق التوازن بين حماية المورد الطبيعي واحترام الحقوق القانونية للسكان وأصحاب الأراضي والمنتجين وحائزي الثمار.
كما ينبغي دراسة إمكان وضع قواعد خاصة لتتبع المادة الأولية، وضمان الشفافية في المعاملات، وحماية المنتجين الصغار والتعاونيات من الاختلالات التي قد تنشأ عن تفاوت القدرات المالية والتجارية. أما فكرة اعتبار المادة الأولية ملكاً للدولة، فهي تطرح سؤالاً قانونياً واقتصادياً يحتاج إلى دراسة معمقة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها وضعاً قانونياً قائماً أو حلاً جاهزاً. إذ ينبغي التمييز بين الملكية القانونية للثمار، وحقوق استغلال الأراضي، والحقوق المرتبطة بالجمع، وبين الدور الذي يمكن أن تضطلع به الدولة في التنظيم والمراقبة وحماية المصلحة العامة.
ويمكن أن تتعدد الصيغ الممكنة، من تنظيم السوق، إلى إحداث مخازن ذات منفعة عامة، أو اعتماد نظام للتتبع والتعاقد والتسويق، أو وضع آليات خاصة لتأمين التزود لفائدة التعاونيات. ويظل اختيار الصيغة الأنسب رهيناً بدراسة تشاركية تستمع إلى المنتجين والنساء القرويات والتعاونيات والباحثين والفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات المعنية.
إن الغاية ليست نقل الثمار من فاعل إلى آخر بصورة اعتباطية، بل بناء منظومة قانونية عادلة تمنع الإقصاء والاحتكار غير المشروع، وتحمي الحقوق، وتضمن أن تساهم القيمة الاقتصادية لأركان في التنمية المحلية والوطنية.
عاشراً: من الاعتراف الدولي إلى السيادة على شروط التثمين
إن المكانة التي يحتلها أركّان في الوعي الوطني والاعتراف الدولي تفرض علينا الانتقال إلى مرحلة جديدة في تدبيره. مرحلة لا نكتفي فيها بحماية الشجرة أو الاحتفال بها في المناسبات، بل نعمل على تنظيم جميع الحلقات التي تربط المجال الطبيعي بالإنتاج والتحويل والتسويق.
فالسيادة على تثمين أركّان لا تعني الانغلاق في وجه الاستثمار أو رفض المبادرات الاقتصادية، وإنما تعني امتلاك القدرة على وضع القواعد التي تضمن حماية المورد الطبيعي، واحترام حقوق السكان، وتأمين شروط المنافسة العادلة، وتمكين التعاونيات والمنتجين المحليين من المشاركة الفعلية في القيمة المضافة. كما تعني ألا تتحول المناطق التي تحتضن أركّان إلى مجرد مصدر للمادة الأولية، بينما تتركز فرص التثمين والتسويق والعائدات بعيداً عنها. فالتنمية العادلة تقتضي أن تستفيد هذه المناطق من فرص الشغل والاستثمار والتكوين والتسويق، وأن تظل المرأة القروية والمنتج المحلي جزءاً أساسياً من مستقبل القطاع.
ويستدعي ذلك تنسيقاً بين القطاعات المكلفة بالمياه والغابات ووكالة تنمية الواحات وشجر اركانوالفلاحة والاقتصاد والتعاونيات والتنمية القروية، إلى جانب الجماعات الترابية والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني.
كما يستدعي دعم البحث العلمي في مجالات تجدد أركّان، وتدبير الثمار، وتحسين ظروف التخزين، وتطوير الجودة، وتقييم سلاسل القيمة، وفهم الآثار الاجتماعية والاقتصادية للقطاع على الأسر والتعاونيات.
إن «مخازن أركان» يمكن أن تكون نقطة انطلاق لهذا التحول، لأنه يجمع في فكرة واحدة بين حماية المادة الأولية وتنظيم تداولها وتيسير الوصول إليها وتحقيق الإنصاف في الاستفادة منها.
خاتمة ترافعية: لا حماية لأركان من دون حماية مادته الأولية
إن أركّان ثروة مغربية ذات قيمة بيئية وثقافية واقتصادية استثنائية، وقد حظي باعترافات دولية تؤكد مكانته في التراث الإنساني وفي منظومات المحافظة على الطبيعة والمعارف التقليدية. غير أن هذا الاعتراف، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان مستقبل الشجرة أو إنصاف السكان الذين ارتبطت حياتهم بها.
فالتحدي اليوم ليس أن نقنع العالم بقيمة أركّان، فقد اعترف العالم بها؛ بل أن نضمن حماية هذه الثروة في مجالها الأصلي، وأن ننظم استغلالها، وأن نؤمن المادة الأولية التي تقوم عليها سلسلة إنتاجها، وأن نضمن للنساء القرويات والتعاونيات والمنتجين المحليين شروطاً عادلة للاستمرار والتطور.
ومن هذا المنطلق، نتوجه إلى الحكومة والبرلمان والقطاعات المعنية والجهات والجماعات الترابية والفاعلين الاقتصاديين والمدنيين، من أجل فتح نقاش وطني حول إحداث «مخازن أركان»، باعتبارها مشروعاً عملياً لحماية المادة الأولية لأركان وتنظيم جمعها وتخزينها وتداولها، وضمان وصولها إلى التعاونيات والمنتجين المحليين وفق قواعد شفافة ومنصفة.
وندعو إلى دراسة هذا المقترح من خلال برنامج عمل واضح، ينطلق من تشخيص وضعية المادة الأولية وسلاسل توريدها، ويحدد الحاجيات والإمكانات، ويختبر آليات التخزين والتتبع والتسويق، ويشرك السكان والنساء القرويات والمنتجين في بناء النموذج الملائم لكل مجال.
كما ندعو إلى وضع إطار قانوني يوازن بين حماية الموارد الطبيعية واحترام الحقوق، وينظم عمليات الجمع والتخزين والتداول، ويحد من الممارسات التي تضر باستدامة الشجرة أو تقصي المنتجين الصغار، مع إرساء آليات للتنسيق والمراقبة والتقييم.
إن «اكدير أركان» ليس مجرد مخزن للثمار، ولا مجرد استعادة رمزية لموروث معماري تقليدي؛ إنه تصور لتدبير ثروة وطنية بمنطق التضامن والشفافية والإنصاف. إنه محاولة لتحويل الحكمة الجماعية التي حفظت الحبوب في الماضي إلى آلية حديثة تحمي ثمار أركّان اليوم، وتضمن ألا تنفصل القيمة الاقتصادية للزيت عن حقوق المجال والإنسان الذي ينتجه.
إننا بحاجة إلى الانتقال من حماية شجرة أركّان إلى حماية منظومة أركّان كاملة: الشجرة، والثمرة، والمعرفة التقليدية، والمرأة القروية، والمنتج المحلي، والتعاونية، والمجال الذي يحتضن هذه الثروة.

فلا معنى للاعتراف الدولي إذا لم ينعكس في سياسات عمومية تحمي المورد الطبيعي، ولا معنى لارتفاع قيمة زيت أركّان إذا لم يستفد من عائداته من حافظوا على الشجرة وساهموا في إنتاجه، ولا معنى للحديث عن تمكين التعاونيات إذا لم نضمن لها الولوج المنصف إلى المادة الأولية.
إن المطلوب اليوم قرار سياسي ومؤسساتي يفتح الطريق أمام تنظيم المادة الأولية للأركان، ويجعل من «إيگيدار أركان» مشروعاً وطنياً قابلاً للدراسة والتنفيذ والتقييم، في إطار تشاركي يحفظ الحقوق ويصون الموارد ويعزز التنمية المحلية.
لقد حان الوقت لكي يصبح أركّان أكثر من شجرة معترف بها دولياً، وأكثر من زيت مرتفع القيمة في الأسواق: حان الوقت لكي يصبح نموذجاً مغربياً في حماية الثروة الطبيعية، وصون التراث، وإنصاف المنتجين، وربط التنمية بالعدالة المجالية.

 

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

الاقتصاد

في الحاجة إلى “إيكيدار أركان”..

الاقتصاد

انخفاض جديد في أسعار الغازوال بالمغرب ابتداءمن اليوم

الاقتصاد

توقع نمو بنسبة 4,7 في المائة بالمغرب خلال الفصل الرابع من سنة 2026

الاقتصاد

أول تحليق ناجح لـ«F-16 Block 72» المغربية يمهّد لتعزيز قدرات القوات الملكية الجوية

الاقتصاد

تغازوت تتوج حضورها الدولي وتدخل قائمة أفضل 10 وجهات سياحية في العالم