المرأة القروية بمجال أركان: بين إنتاج الثروة وتفاقم الهشاشة الاجتماعية والمناخية - اكادير اليوم

المرأة القروية بمجال أركان: بين إنتاج الثروة وتفاقم الهشاشة الاجتماعية والمناخية

  • شارك الخبر

المرأة القروية بمجال أركان: بين إنتاج الثروة وتفاقم الهشاشة الاجتماعية والمناخية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة القروية

تُشكل المرأة القروية بمجال محمية المحيط الحيوي لأركان ركيزة أساسية في الحفاظ على المنظومة البيئية وصيانة الموروث الثقافي الأمازيغي، كما تضطلع بدور محوري في الاقتصاد المحلي، خصوصاً في سلسلة إنتاج وتثمين زيت أركان. غير أن هذا الدور الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لا يقابله إنصاف حقيقي في توزيع الثروة، ولا تحسن كافٍ في ظروف العيش، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى استفادة النساء القرويات من القيمة الاقتصادية المتزايدة لمنتجات أركان، وحول نجاعة السياسات العمومية الموجهة لتنمية هذا المجال.
شهدت تجارة زيت أركان خلال العقود الأخيرة توسعاً ملحوظاً على المستويين الوطني والدولي، بفضل ارتفاع الطلب على هذا المنتوج الطبيعي في الصناعات الغذائية والتجميلية. وقد ساهم هذا التحول في جعل أركان منتوجاً ذا قيمة تجارية مرتفعة، غير أن هذه الدينامية الاقتصادية لم تنعكس بالقدر المنتظر على الوضعية المعيشية للنساء اللواتي يشكلن الحلقة الأساسية في عمليات جمع الثمار واستخراج اللوز وإنتاج الزيت.
وتشير المعطيات المنشورة من طرف مكتب تنمية التعاون إلى وجود 1101 تعاونية في قطاع أركان، منها 683 تعاونية نسائية تضم 10638 منخرطة. وهي أرقام تعكس أهمية الحضور النسائي في هذه السلسلة الإنتاجية، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً حول المردودية الاقتصادية الفعلية لهذه التعاونيات ومدى استفادة عضواتها من عائدات تسويق منتجاتهن.
وتُثار في هذا السياق تقديرات تفيد باستحواذ الوسطاء على أكثر من 80% من عائدات تجارة أركان، وهي نسبة تستدعي التوثيق من خلال دراسة اقتصادية دقيقة لسلسلة القيمة. غير أن الدراسات المتاحة تؤكد وجود اختلالات في توزيع القيمة المضافة، حيث تستفيد شبكات الوساطة والتسويق والتصنيع من حصة مهمة من العائدات، بينما تحصل العديد من النساء المنتجِات على مقابل محدود نظير عمل يتطلب جهداً بدنياً ووقتاً طويلاً.
وهكذا، فإن توسع الأسواق وارتفاع القيمة التجارية لزيت أركان لا يعنيان بالضرورة تحسن الوضع الاقتصادي للمرأة القروية، خصوصاً في ظل ضعف القدرة التفاوضية للتعاونيات الصغيرة، ومحدودية ولوجها المباشر إلى الأسواق الوطنية والدولية، وصعوبة الحصول على التمويل والتجهيزات اللازمة لتطوير الإنتاج والتسويق.
إن هذا الواقع يفرض إعادة النظر في حكامة سلسلة أركان، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للقيمة المضافة، ويعيد الاعتبار للمرأة باعتبارها فاعلة اقتصادية وشريكة في إنتاج الثروة، وليس مجرد يد عاملة توفر المواد الأولية بأقل تكلفة.
ولا يمكن فهم الوضعية الاقتصادية للمرأة القروية بمجال أركان بمعزل عن الظروف الاجتماعية والمجالية التي تعيشها، خصوصاً بالمناطق الجبلية التابعة للأطلس الصغير الغربي والأطلس الكبير الغربي، حيث تواجه الساكنة إكراهات مرتبطة بالعزلة وضعف البنيات التحتية وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وتظل الأمية إحدى المعيقات التي تحد من الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية للنساء. فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بلغت نسبة الأمية 38% في الوسط القروي على المستوى الوطني، مقابل 32.4% لدى النساء على الصعيد الوطني. وتبرز هذه المؤشرات أهمية مضاعفة الجهود في مجالات محو الأمية والتكوين والتأهيل، مع ضرورة توفير معطيات ترابية دقيقة حول وضعية النساء بمجال أركان.
كما أن ضعف العرض الصحي وبعد المؤسسات الاستشفائية عن الدواوير الجبلية، وصعوبة التنقل، ومحدودية الخدمات المرتبطة بصحة الأم والطفل، كلها عوامل تزيد من الأعباء اليومية للمرأة القروية. ويضاف إلى ذلك تحدي الهدر المدرسي، خصوصاً لدى الفتيات في المناطق المعزولة، مما يهدد بإعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية عبر الأجيال.
إن تمكين المرأة القروية لا يمكن اختزاله في دعم التعاونيات أو توفير أنشطة مدرة للدخل، بل يتطلب ضمان حقوقها الأساسية في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتنقل والمشاركة في اتخاذ القرار.
وتواجه محمية المحيط الحيوي لأركان خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً بيئية متزايدة نتيجة توالي فترات الجفاف، وندرة الموارد المائية، وتدهور الغطاء النباتي والتربة، وتراجع الإنتاجية الطبيعية للمنظومات البيئية.
وتنعكس هذه التحولات بشكل مباشر على الحياة اليومية للمرأة القروية، التي ترتبط أنشطتها الاقتصادية والمعيشية بالموارد الطبيعية المحلية، سواء من خلال جني ثمار أركان أو الفلاحة العائلية أو تربية الماشية وتدبير الاحتياجات المنزلية من الماء.
ومع تراجع الموارد الطبيعية وارتفاع تكاليف الإنتاج، تتقلص فرص الحصول على الدخل، بينما تتزايد الأعباء المنزلية والاجتماعية. كما أن النساء، خصوصاً في الأسر محدودة الدخل والمناطق المعزولة، يكنّ أكثر عرضة لآثار الظواهر المناخية القصوى عندما تقترن بضعف البنيات الأساسية وصعوبة الوصول إلى الخدمات ووسائل الحماية.
ويزداد الوضع تعقيداً مع هجرة الشباب والرجال نحو المدن بحثاً عن فرص العمل، مما يضاعف المسؤوليات الاقتصادية والأسرية الملقاة على عاتق النساء المتبقيات بالقرى.
ومن هذا المنطلق، فإن العدالة المناخية بمجال أركان يجب أن تتضمن بعداً اجتماعياً واضحاً، يجعل النساء القرويات في صلب برامج التكيف مع التغيرات المناخية، مع تعزيز مشاركتهن في تدبير الموارد الطبيعية والاستفادة من التمويلات والمشاريع البيئية.
وتبرز الاختلالات التنموية بمجال أركان بشكل واضح عند المقارنة بين المناطق الجبلية، المعروفة محلياً بالعالية، والمناطق السهلية أو السافلة.
فالمناطق الجبلية تشكل أوساطاً بيئية هشة، لكنها تؤدي وظائف طبيعية أساسية، من بينها احتضان التنوع البيولوجي، وحماية التربة، والمساهمة في تغذية الموارد المائية بالمناطق السهلية.
وفي المقابل، تتركز بالمناطق السهلية أنشطة اقتصادية وفلاحية أكثر كثافة، تستفيد من بنية استثمارية وتجهيزات وخدمات وأسواق أوسع، رغم ما تعانيه هذه المناطق بدورها من إجهاد مائي متزايد.
غير أن الثروة الاقتصادية المتولدة من استغلال الموارد الطبيعية والمائية لا تعود بالضرورة بالنفع على المناطق الجبلية التي تساهم في استدامة هذه الموارد وتتحمل جزءاً مهماً من تكاليف المحافظة عليها.
وهذا التفاوت بين العالية والسافلة يعكس اختلالاً في توزيع الاستثمارات والخدمات والمنافع الاقتصادية، ويطرح الحاجة إلى إرساء آليات للتضامن والتكامل الترابي، تضمن استفادة الساكنة الجبلية من عائدات التنمية، وتحافظ في الوقت ذاته على التوازنات البيئية.
وتُعد المرأة القروية من أبرز المتضررين من هذه الفوارق، بالنظر إلى ارتباط حياتها اليومية بالموارد المحلية، وضعف البدائل الاقتصادية المتاحة لها.
لذلك، فإن تصحيح هذه الاختلالات يقتضي تجاوز المقاربات القطاعية المجزأة، واعتماد سياسة تنموية ترابية مندمجة تعترف بالدور البيئي للمناطق الجبلية، وتضمن التوزيع المنصف للاستثمارات والخدمات العمومية والفرص الاقتصادية بين مختلف أجزاء محمية أركان.
إن النهوض بالوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمرأة القروية يقتضي الانتقال من التدخلات المحدودة والمتفرقة إلى رؤية تنموية متكاملة، ترتكز على إعادة تنظيم سلسلة إنتاج وتسويق أركان بما يضمن شفافية المعاملات وتوزيعاً عادلاً للقيمة المضافة، وتقوية القدرة التفاوضية للتعاونيات النسائية في مواجهة الاحتكار والمضاربة، مع تعزيز التمكين الاقتصادي للنساء عبر التكوين والتأهيل والولوج إلى التمويل والأسواق، وتطوير وسائل التسويق المباشر والتجارة الرقمية.
كما يستوجب هذا التوجه تقوية الخدمات الاجتماعية بالمناطق الجبلية من خلال تحسين العرض الصحي والتعليمي، ومحاربة الأمية والهدر المدرسي، وتطوير البنيات الأساسية وفك العزلة، فضلاً عن إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات المناخية وتمكين النساء من الاستفادة من برامج التكيف مع الجفاف، والفلاحة الإيكولوجية، والحلول المبنية على الطبيعة.
ويظل إرساء آليات للعدالة والتضامن المجالي بين المناطق الجبلية والسهلية ضرورة ملحة، بما يضمن توزيعاً أكثر إنصافاً لمنافع التنمية وتكاليف المحافظة على الموارد الطبيعية، مع ضمان مشاركة النساء القرويات في الحكامة الترابية وفي إعداد وتنفيذ وتتبع السياسات والمخططات التنموية المتعلقة بمجال محمية المحيط الحيوي لأركان.
إن مستقبل محمية المحيط الحيوي لأركان لا يرتبط فقط بحماية الشجرة وتجديد الغطاء النباتي وتثمين المنتوجات المحلية، وإنما يرتبط أيضاً بضمان الكرامة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية للساكنة التي حافظت على هذا الموروث البيئي والثقافي عبر أجيال، وفي مقدمتها المرأة القروية.
فلا يمكن الحديث عن نجاح اقتصادي لسلسلة أركان بينما تعاني النساء المنتجِات من ضعف الدخل والهشاشة، ولا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة بينما تستمر الفوارق بين المناطق الجبلية والسهلية، أو عن عدالة مناخية دون تمكين الفئات الأكثر تعرضاً لآثار التغيرات المناخية.
ومن هذا المنطلق، فإن شبكة جمعيات محمية المحيط الحيوي لأركان (RARBA)، انسجاماً مع توجهاتها الرامية إلى حماية الموارد الطبيعية وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، تعتبر أن إنصاف المرأة القروية ينبغي أن يشكل أولوية في السياسات العمومية والمخططات الترابية الجديدة.
إن إنصاف المرأة القروية بمجال أركان ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل شرط أساسي لحماية التنوع البيولوجي، وصيانة الموروث الثقافي، وتحقيق تنمية ترابية مستدامة وعادلة.

شبكة جمعيات محمية المحيط الحيوي لأركان – RARBA

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

المجتمع

المرأة القروية بمجال أركان: بين إنتاج الثروة وتفاقم الهشاشة الاجتماعية والمناخية

المجتمع

الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة تحتفي بالمرأة القروية وتثمن دورها في تحقيق التنمية المستدامة

المجتمع

سعيد الوهبي يترشح عن جهة سوس ماسة ببرنامج لتحديث مهنة المحاسبة المعتمدة

الرأي

التلوث الصناعي بأنزا.. تدخل الوالي أمزازي يفتح باب الأمل أمام الساكنة ويضع الفاعلين أمام مسؤولياتهم

المجتمع

 محمد أكوناض.. «العلبة السوداء» للأدب الأمازيغي يتوج بجائزة الاعتراف بعد نصف قرن من الإبداع والنضال