في خطوة حازمة تؤكد أن عهد التساهل مع التطاول على أملاك الدولة قد ولى إلى غير رجعة، استعادت الدولة زمام المبادرة بقوة لفرض سيادة القانون وحماية وعائها العقاري الإداري من كل أشكال الاحتلال غير المشروع.
وكشف التقرير السنوي الأخير للوكالة القضائية للمملكة، برسم سنة 2025، عن حصيلة ثقيلة تعكس حجم المعركة القضائية والميدانية التي تخوضها الدولة ضد محتلّي السكن الوظيفي والإداري، حيث تمكنت الأجهزة المختصة بتنسيق مع الوكالة القضائية من تحرير واسترجاع 198 مسكنا وظيفيا وإداريا كان محتلا بشكل غير قانوني في مختلف جهات المملكة.
هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة، بل هو رسالة واضحة مفادها أن السكن الوظيفي ملك للدولة وليس إرثا عائليا يتوارثه المحالون على التقاعد أو ذووهم، وهو الامتياز المرتبط بالصفة والوظيفة وينتهي بانتهائها، وأن كل محاولة للتمسك به بعد انقضاء السند القانوني ستواجه بالحزم القضائي.
ولم تتوقف جهود الوكالة عند حدود الاسترجاع المادي للعقارات، بل انتقلت إلى تفعيل ترسانة قانونية صارمة لقطع الطريق أمام كل من تسول له نفسه التمادي في احتلال الملك العام. فوفق نفس التقرير، نجحت الوكالة القضائية للمملكة، بصفتها المدافع عن مصالح الدولة، في الحصول على 435 حكما قضائيا نهائيا يقضي بالإفراغ في حق محتلين رفضوا تسليم ما بذمتهم من مساكن إدارية.
وتؤكد هذه الأحكام التي صدرت عن مختلف محاكم المملكة، على التوجه الجديد للدولة في التعامل مع هذا الملف الشائك، حيث لم يعد هناك مجال للحلول الودية المطولة أو التسويف، بل أصبح اللجوء إلى القضاء خيارا استراتيجيا لفرض احترام القانون وإخلاء هذه المساكن لإعادة توظيفها لفائدة موظفين فعليين يزاولون مهامهم ويستحقونها.
وفي شق آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالشق المالي وضرورة تحميل المخالفين مسؤولية أفعالهم، نجحت الوكالة القضائية في انتزاع 33 حكما قضائيا يقضي بالتعويض لفائدة الدولة، بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 7 ملايين و350 ألف درهم.
وهذه التعويضات تمثل مقابل الاحتلال بدون سند قانوني، والضرر الذي لحق بالإدارة جراء حرمان موظفين آخرين من حقهم في السكن، وكذا تكاليف التقاضي والمساطر. وهي خطوة تؤسس لمبدأ جديد وهو أن الاحتلال غير المشروع لم يعد مجانيا، بل له كلفة مالية باهظة سيدفعها المحتل من جيبه الخاص.
وتأتي هذه المجهودات المتواصلة في إطار استراتيجية شاملة للدولة تروم عقلنة تدبير الرصيد العقاري الإداري، وصون المال العام، وضمان النجاعة في تخصيص الموارد. فاسترجاع 198 مسكن يعني توفير ميزانية ضخمة كانت ستصرف لكراء مساكن لموظفين جدد، أو بناء مقرات جديدة، كما يعني تكريس مبدأ المساواة والعدالة بين جميع موظفي الدولة.
إن الأرقام التي كشف عنها تقرير الوكالة القضائية للمملكة لسنة 2025، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن الدولة عازمة كل العزم على تطهير هذا القطاع، وأن لافتة “السكن الوظيفي ملك للدولة وليس إرثا” التي تعلق اليوم على واجهات المؤسسات التعليمية والإدارات، ليست مجرد شعار للاستهلاك، بل هي قرار سيادي وقانوني يتم تنفيذه على أرض الواقع بحزم وبدون تراجع.

