لم يكن استقبال الملك لرئيسة الحكومة المكلفة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري مجرد بروتوكول عادي فرضته مقتضيات الأجندة السياسية ولا خطوة شكلية في مسار مشاورات تشكيل أغلبية حكومية جديدة…
فمن يقرأ بلاغ الديوان الملكي بعيون سياسية يدرك فوراً أن التوقيت والمصطلحات المتقاة بذكاء تحمل ( تنبيهاً ناعماً) وتذكيراً صريحاً ب بالشرط الإستثنائي للمرحلة
فالبلاغ لم يتردد في وضع النقاط على الحروف حين شدد صراحة على:
(… ما تتطلبه المرحلة المقبلة من تعبئة شاملة وأداء حكومي جاد ومسؤول استحضاراً لحجم الرهانات والتحديات والانتظارات على مختلف المستويات)
هذا التضمين المباشر يعيدنا فوراً إلى روح الخطاب الملكي أمام البرلمان الذي حذر فيه من هدر زمن المغرب الراهن. والمغزى هنا واضح ولا يحتاج إلى كثير من التأويل:
فالمغرب يقف اليوم أمام نافذة فرص استراتيجية قد لا تفتح مرتين غير أن هذه الفرصة تهددها آفة قديمة – جديدة لا أجد حرجاً في وصفها بمنطق التوزيع الحزبي للحقائب
فالمشكلة في منطق الأحزاب المغربية أنها كلما دخلت مقر المشاورات تركت الأوراش الكبرى على العتبة ودخلت بآلات حاسبة دقيقة تُحصي عدد الوزارات، ونوعية القطاعات وترضية “أعيان” الحزب ومريديه.
هذا المنطق التقاسُمي الضيق هو بالضبط ما يحاول البلاغ الملكي قطعه ليرسم للطبقة السياسية حقيقة بسيطة لكنها حاسمة:
المرحلة لا تحتاج إلى حكومة محاصصة بل تحتاج إلى فريق يحول الفرصة إلى إنجاز
البلاغ الملكي لم ولن يتدخل طبعاً في اقتراح الأسماء ولا في هندسة القطاعات فهذا شأن دستوري وسياسي يقع على عاتق رئيسة الحكومة المكلفة.
هنا تجد السيدة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام امتحان حقيقي وخطير:
هل تكتفي بلعب دور “الوسيط” الذي يرضي شهوة الأحزاب في الاستزوار وتحقيق التوازنات السياسية الباردة.. ؟ أم تتمتع بالشجاعة الكافية لتفرض على الجميع حكومة بقامات سياسية قادرة على المواجهة،وإدارة الأزمات وتحويل النوايا إلى نتائج ملموسة؟
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في الإجابة عن سؤال: متى ستخرج الحكومة إلى الوجود ؟
بل في السؤال الأهم:
أي حكومة ستخرج..؟
فالفرص التاريخية للأمم لا تُستغل بالبلاغات البلاغية ولا بالنوايا الحسنة بل بشرطين لا ثالث لهما:
قرار سياسي صائب وكفاءة تنفذ بلا تردد وإذا لم تعِ الأغلبية القادمة أن مسؤوليتها تتجاوز حسابات المقاعد إلى الاستجابة لانتظارات المغاربة ورهانات الوطن فإنها ستحول الفرصة التي لا تتكرر إلى فرصة ضائعة في تاريخ هذا الوطن
يوسف غريب كاتب صحفي

