ليست كل الأرقام التي تفرزها صناديق الاقتراع أرقامًا صامتة فبعضها يحمل من الدلالات السياسية ما يفوق بكثير قيمته الحسابية.
والرقم 90 الذي يمثل مجموع الأوراق البيضاء والملغاة في انتخاب رئيس مجلس النواب يبدو واحدًا من هذه الأرقام التي تستحق التوقف عندها.. لا باعتباره تفصيلًا عابرًا في محضر انتخابي بل مدخلًا لقراءة مأزق سياسي تتداخل فيه حسابات التحالفات وتناقض التوجهات وأزمة الثقة بين حلفاء الأمس.
في الظاهر حُسمت المعركة بالأرقام:
220 صوتًا لمرشح الأغلبية و59 لمنافسه مقابل 90 ورقة بيضاء وملغاة… لكن خلف هذه الحصيلة الرقمية تختبئ حكاية أخرى حكاية معارضة لم تستطع أن تحوّل اختلاف مكوناتها إلى توافق سياسي ولا أن تنتج من تناقضاتها خيارًا موحدًا قادرًا على منافسة الأغلبية.
تكتسب الأوراق التسعون دلالتها من السياق السياسي الذي جاءت فيه.. فقد وجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام معادلة معقدة بعد انفصاله عن حليف الأمس حزب الأصالة والمعاصرة وفي ظل وجود منافس من حزب العدالة والتنمية لا ينسجم مع توجهاته السياسية.. فهو بين دعم خيار لا يتوافق معه والاصطفاف وراء حليف سابق لم تعد العلاقة معه كما كانت وجد الحزب نفسه أمام خيارات مكلفة سياسيًا.
وقس على ذلك أيضا أصوات فيدرالية اليسار
هنا لا تبدو الورقة البيضاء مجرد غياب عن الاختيار بل قد تكون تعبيرًا عن مأزق الاختيار نفسه ومحاولة لتجنب منح المنافس ورقة قوة من دون القدرة على فرض بديل يحظى بالتوافق. بهذا المعنى ليست بالضرورة ورقة احتجاج على قواعد اللعبة السياسية بقدر ما قد تكون انعكاسًا لعجز الحسابات الحزبية عن إنتاج مخرج مقنع من معادلة شديدة التعقيد.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما حدث يوم انتخاب رئيس مجلس النواب فقط بل بما يمكن أن يحدث في الجلسات المقبلة.
فانتخاب الرئيس محطة واحدة بينما الامتحان الحقيقي يبدأ مع مناقشة مشاريع القوانين الحكومية ومقترحات القوانين البرلمانية والتعديلات والتصويت على النصوص التي تمس الاقتصاد والمجتمع والحقوق والحريات.
وهنا يُطرح التساؤل الجوهري:
هل سنشهد استمرارية لهذا الرقم الصامت لهذه الكتلة الحائرة طيلة ما تبقى من هذه الولاية البرلمانية؟
بالطبع ليس بالضرورة بوصفه رقمًا يتكرر حرفيًا في كل عملية تصويت بل موقفا سياسيًا ثابتًا قد يُخيّم على أشغال المؤسسة التشريعية
هي أسئلة فقط
لكنها تستمدّ مشروعيتها
داخل مكونات المعارضة وحدة الاختلاف الذي قد يضعف قدرتها على التأثير في مسار التشريع.
فحين تدخل الأحزاب النقاشات منفردة يصبح من الأصعب تجميع التعديلات المتقاربة في رؤية مشتركة أو تحويل الاعتراضات المتفرقة إلى موقف تفاوضي واضح أو إقناع الأغلبية بإدخال تغييرات جوهرية على مشروع حكومي.
فالبرلمان لا يُقاس فقط بمن يفوز في انتخاب رئيسه ولا بعدد الأصوات التي تصطف خلف الحكومة بل أيضًا بما يحدث عندما تختلف الآراء وتُناقش القوانين وتُختبر قدرة ممثلي الأمة على تحويل التنافس السياسي إلى عمل تشريعي ورقابي ذي أثر.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل كان الرقم 90 مجرد لحظة عابرة في انتخاب رئيس مجلس النواب أم أنه إشارة مبكرة إلى طبيعة التوازنات التي ستطبع عمل البرلمان طيلة هذه الولاية؟ الإجابة لن تقدمها صناديق اليوم بل ستكتبها مواقف الأحزاب وتصويتها وممارستها للرقابة والتشريع في جلسات الغد…
يوسف غريب كاتب صحفي

