المرأة القروية ما بعد الحداثة: إكراهات ورهانات نساء جبال سوس وسط قلق الإنتظار والصمت القاتل - اكادير اليوم

المرأة القروية ما بعد الحداثة: إكراهات ورهانات نساء جبال سوس وسط قلق الإنتظار والصمت القاتل

  • شارك الخبر

  • بقلم امحمد القاضي * //

يحتفي العالم كل يوم 15 اكتوبر باليوم العالمي للمرأة القروية، بعد ترسيمه بين الايام العالمية من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2007. كما نحتفل وطنيا باليوم الوطني للمرأة المغربية كل 10 اكتوبر منذ 2003 يوم إعلان العاهل المغربي عن إصلاحات شاملة تخص مدونة الأسرة.

الايام الاحتفالية تمر في هدوء وصمت وبدون احداث ضجيج إعلامي عكس الورود الحمراء التي تتحرك كل 8 مارس وتهدى للمرأة الموظفة بالحواضر تقديرا لليوم العالمي للمرأة الذي يحصد إهتمام عدة جهات.

المرأة القروية ما بعد الحداثة: إكراهات ورهانات نساء جبال سوس وسط قلق الإنتظار والصمت القاتل - اكادير اليوم

تلعب المرأة والفتاة الريفية ادوارا محورية في الحفاظ على الأمن الغذائي والاسري وتساهم بشكل كبير في تعزيز التنمية الفلاحية وإنعاش الإقتصاد البدوي بالمناطق النائية بالمغرب. إلا أن نصيبها من الإعتراف المعنوي والثروة واستفادتها من بعض الحقوق والخدمات الإجتماعية يظل ضئيلا مقارنة بحجم تضخياتها.

حسب إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2024، يبلغ عدد النساء القرويات حوالي 6.6 مليون نسمة اي 49% من إجمالي ساكنة العالم القروي بالمغرب. وتبلغ نسبة النشاط لدى النساء القرويات 27% اغلبهن بشكل غير رسمي (وهي اعلى من النساء الحضريات التي تبلغ 18.5%). بينما تصل نسبة الفتيات القرويات التي لم تستفدن من التعليم والتكوين إلى 66%.

إحصائيات مخجلة تسلط الضوء على الفجوة العميقة بين الخطاب الرسمي المستهلك وواقع السياسات العمومية على الارض. أرقام سترثها حكومة تقودها امرأة. فما عسى ان تحلم به المرأة الريفية من تغيير في وضعيتها في الافق القريب؟

المرأة القروية ما بعد الحداثة: إكراهات ورهانات نساء جبال سوس وسط قلق الإنتظار والصمت القاتل - اكادير اليوم

في تجربة جمعية تيويزي للتنمية الإجتماعية لايت عبد الله بأعالي جبال الأطلس الصغير بإقليم تارودانت مع نساء المنطقة، اقل ما يمكن الإعتراف به، يفوق بكثير رمزية تخصيص يوم وطني او أممي.

لن نرسم صورة قاتمة عن وضعيتها تتجاوز سواد “تملحافت” الزي التقليدي الذي يلازملها. المرأة تنقصها الفرص، وكلما اتيحت لها بصيص من النور، عادة ما تتجاوز النتائج الإيجابية كل التوقعات. على سبيل المثال، الفتاة المتمدرسة بايت عبد الله يحصلن على أعلى معدلات النجاح، يفوق أحيانا 17/20.

ونسبة النجاح في إمتحانات البكالوريا في ظروف صعبة وبإمكانيات ضعيفة يتجاوز معدل الذكور. مبادرة الجمعية لتوزيع الحواسيب، بدعم من أحد الفاعلين الإقتصاديين من المنطقة، على الناجحين والطلبة الجامعيين تجاوزت فيه نسبة المستفيدات عدد المستفيدين.

كما أن مبادرة تربية الدواجن التي اطلقتها جمعية تيويزي بتعاون في البداية مع جمعية “اكالينو من أجل مغرب أخضر” كمشروع مدر للدخل لتمكين النساء القاطنات بشكل دائم في تمازيرت، اسفرت المبادرة في ظرف وجيز على استفادة ازيد من 320 امرأة من 22 دوار.

ومن ما يفوق 4700 فلوس وما يقارب 3450 كلغ من العلف الطبيعي بشكل مجاني وبإمكانيات الجمعية المتواضعة بصفة تضامنية وتشجيعية. فماذا كانت قد تكون النتيجة لو نزلت الجهات الوصية بثقلها وإمكانياتها الهائلة؟ حين تحضر النية الصادقة والإرادة المتينة وتمتلك الشجاعة الكافية والتفاعل الإيحابي من الجهة المستفيدة، تقهر الصعاب وتخلق المفاجات.

هذه مجرد أمثلة حية وبالملموس تبرهن على جدية العنصر النسوي وطموحها ومدى حماس الإنخراط في المبادرات المنتجة الموجهة لتحسين ظروف عيشها وتغيير اوضاعها الإجتماعية والأسرية التي تضمن إستقلاليتها الإقتصادية.

إلى جانب الأبعاد الاقتصادية، سجل التقرير تحولات سوسيوديمغرافية مهمة، من أبرزها انخفاض سن الزواج الأول منذ 2010، وارتفاع نسبة العزوبة بين النساء القرويات بعد سن الخمسين. هذه التحولات تعكس تغيرات اجتماعية صامتة في بنية الأسرة القروية، في ظل غياب سياسات عمومية دامجة تأخذ هذه المتغيرات بعين الاعتبار.

من جانب ٱخر، للمرأة الأمازيغية السوسية هويات صغرى أخريات خفية وادوار إجتماعية وثقافة متعددة. المرأة بسوس تدعى “تمغارت” بمعنى “القائدة” على وزن “أمغار” اي شيخ القبيلة، مما يخول لها إعتبار خاص وسط الأسرة والمجتمع الأمازيغي.

هي المدبرة لشؤون البيت والعارفة بخفايا الطبيعة واسرار النباتات والتعامل اليومي مع الماشية والقارئة فطريا للتحولات والتغيرات الطبيعية والمحافظة في تعاملاتها على البيئية والعناية المستدامة بالاشجار المثمرة كمورد رزق موسمي قار على هزالته.

في الجانب الثقافي ظلت “تمغارت” و”تفرخين”/البنات القرويات العنصر المحافظ للهوية الأمازيغية المحلية من الزوال من طقوس الإحتفال ونظم الشعر وطقوسه وعادات وأطباق المواسم بكل أصنافها، اضافة لمهمة تمرير وتجديد الثرات الشفهي المتوارث للأجيال المقبلة.

مسؤوليات وادوار “تمغارت” ثقيلة وسط الهويات الصغرى والواجبات الطبيعية التي كانت بالامس تؤنس سيرورة حياتها، والتي اصبحت اليوم مع التحولات المناخية وتوالي سنوات الجفاف، وضعف التساقطات وويلات أخرى، عبارة عن مسؤوليات وهويات قاتلة.

المرأة السوسية رمز العطاء الأصيل والصبر الذي لا ينفد. للاسف تكالبت عليها عوامل طبيعية قاسية مع عوال اخر بشرية اضعفت جهودها وقلصت من مردوديتها وهمشت دورها وزادتها إحتقارا وعزلة إجتماعية ونفسية.

من بين هذه العوامل، ادخال الخنزير البري بكثرة في المناطق الجبلية شكل خطورة على الساكنة ومزارعها، إضافة لهجمات الرعي الجائر الذي يأتي على الأخضر واليابس في الحقول القاحلة اصلا، وإنقراض التين الشوكي/أكنري بسبب غزو الحشرة القرمزية والقضاء على فاكهة الفقراء بسوس. إضافة لإكراهات وتحديات أخرى قد لا يتسع المجال لذكرها.

سنظل نحكي عن معانات المرأة القروية ودرجة إقصائها ولن نوفيها حقها، لانه كما يقول المثل الشعبي: “ماحاس بالمزود، غير المضروب ليه”. ويضيف له الحكيم الأمازيغي: “امان إخ لان حكي نتركين، اورار تسيسن، إسار سوالن.” بمعنى تقريي “الماء على النار لا يغلي، بل يحدثك أخباره.”

اليوم العالمي للمرأة البدوية بقدرما يذكرنا عن قساوة عيشها ودرجة تهميشها في السياسيات العمومية، وضعف إدماجها والتواصل معها من طرف المسؤولين المحليين، يسائلنا كذلك كمجتع مدني عن مسؤولياتنا الاخلاقية وواجباتنا كفاعلين محليين في خلق أنشطة تنموية لحفظ الكرامة ورد الإعتبار لهذا العنصر البشري الفعال وسط القفار.

المخجل في المغرب الحديث الصاعد، ان ٱمال وتطلعات ملايين النساء القرويات ستظل في قاعة الإنتظار الصامت إلى وقت مؤجل، لدرجة مراكمة الصدأ فوق الأجساد والارواح. ويبقى اقسى انواع الإنتظار هو التجاهل والنسيان.

وكل عام والمرأة القروية تزداد صمودا في مواجهة الفراغ، والتهميش وقساوة العيش بالمغرب العميق، وأكثر مساهمة في تنمية المجتمع لتخرج من الأدوار النمطية المحاصرة داخلها، لتفرض يوما ذاتها وإستقلاليتها.

إلى ذلك الحين، ولمن تراوده الشكوك، تصبحون على اول حكومة مغربية بقيادة إمراة.

* رئيس جمعية تيويزي للتنمية الإجتماعية لايت عبد الله

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

المجتمع

المرأة القروية ما بعد الحداثة: إكراهات ورهانات نساء جبال سوس وسط قلق الإنتظار والصمت القاتل

المجتمع

تلاميذ المغرب على موعد مع أول عطلة بينية ابتداءً من 18 أكتوبر الجاري

المجتمع

أمطار مهمة بإيموزار إداوتنان.. 66 ملم خلال 24 ساعة وفق مقاييس التساقطات بالمملكة

المجتمع

 اعتداء عنيف على الزميل حسن بركوز بسيدي بيبي يستنفر الجسم الإعلامي بسوس ماسة ويعيد طرح سؤال حماية الصحفيين

المجتمع

نشرة إنذارية برتقالية.. زخات رعدية قوية وتساقط البرد يهمان عدداً من مناطق المملكة اليوم الأحد