- بقلم امحمد القاضي //
اسمى طموح الاحزاب السياسية وسبب وجودها في المنطق الديمقراطي هو الانفراد او المشاركة في تسيير دوالب الدولة والحكم من أجل تطبيق برنامجها الإنتخابي وبلورة مشروعها المجتمعي ميدانيا والبرهنة على قدرة أطرها على تحمل المسؤوليات الحكومية الجسيمة.
عادة، حسب نتائج الإنتخابات والخريطة السياسية تحدد الأحزاب تموقعاتها إما نحو تحالف أغلبية لتشكيل حكومة توافق، او الإصطفاف في صف المعارضة لتباعد الرؤى مع الاحزاب المشكلة للأغلبية. وتبدأ عملية المراقبة وتجادب الاراء حول المشاريع المقترحة داخل قبة البرلمان وخارجها، وتنتهي العملية بتقييم التجربة وتقديم الحصيلة للناخبين، لتكتمل الدورة التشريعية والإنتدابية وتبدأ أخرى. هكذا طبيعة الأمور فيما بلغه الإبداع البشري في الطريق نحو الشورة والديمقراطية التشاركية.
الإبداع والنبوغ المغربي عادة ما يشكل الإستثناء ويزيد في الشعر بيتا، ومصطلحات في المعاجم السياسية. بدعة المساندة او المعارضة النقدية ابدعها حزب البيجيدي بعد بلوغه قبة البرلمان لاول مرة، وبعد ان لم يقنعه عرض حكومة التناوب التي قادها المرحوم اليوسفي للمشاركة بحقيبة كاتب دولة يتيمة. سياق ميلاد المساندة النقدية البرلمانية للحكومة، بمعنى التصفيق لما هو إيجابي ونقد ما تراه سلبي، كخطوة تضامنية عوض الإصطفاف بجانب المعارضة الكاملة لم يعمر طويلا، إذ سرعان ما اسقطته وأجهضته مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية التي أعدها الوزير السابق محمد سعيد السعدي من حزب التقدم و الإشتراكية التي ارعبت البيجيدي واحزاب أخرى محافظة سنة 1999. الخطة اخرجت اتباع المحافظين للشارع وجيشت ضدها مسيرة “مليونية” بالبيضاء، مقابل مسيرة مضادة مماثلة قادتها الهيئات الحقوقية التقدمية والحداثية بالرباط. وإنتهى الامر وعملية الضغط ولي الأدرع بالإحتكام الملكي، وتبني مدونة الأسرة سنة 2004. والتي أصبحت بنفسها بعد مرور ازيد من عقدين من الزمن مشروع ٱخر موضوع مناقشة ومعارضة للتحيين. وهي الٱن ربما تتجه نحو مسار التحكيم الملكي مرة أخرى. هكذا هي سنة تجادبات الحياة السياسية.
العملية الديمقراطية لا تعترف بمنزلة بين المنزلتين، ولا بمنطقة رمادية ومواقف متدبدة. فإما معي او ضدي. التاريخ لا يسجل المواقف الضبابية، بقدر ما يسجل الخطوات الشجاعة والجريئة.
سياق حكومة التناوب التوافقي وبدعة البيجيدي التي لم تدم طويلا، جاءت في سياق سياسي وظرفية إقليمية وتحديات وطنية خاصة. فهل قيادة اول إمرأة لحكومة مغربية وسط سيطرة البنية الإستحوادية والعقلية الذكورية على قيادة الاحزاب، ظرف خاص يملي تعبئة وطنية وإعادة بدعة المساندة النقدية أم ان العملية خارج التاريخ؟
السياق هو تلميح بعض الاحزاب الصغرى القيام بهذا الدور بعد المشاورات الأولى حول تشكيل الحكومة من بينها الإتحاد الدستوري، وقد يتبعها ٱخرون، مدعين ان المرحلة تستدعي تقارب وجهات النظر للدفاع عن المصالح العليا للوطن ولمواكبة الاوراش الكبرى وإنجاح الاستحقاقات الوطنية والدولية التي تنتظرنا. الأمر إذا يستدعي تشكيل حكومة توافق وطني لكل الفصائل لتدبير مرحلة إنتقالية. فلماذا المرور عبر صناديق الاقتراع؟
فشل كسب مناصب وزارية وشرف التمثيلية داخل اول حكومة تقودها امرأة في التاريخ المعاصر على الصعيد الوطني والعربي والإقليمي، وحكومة المونديال وتنزيل الجهوية الموسعة والحكم الذاتي يجر بعض الهيئات الحزبية للإرتكان والإختباء وراء دعم المبادرة لضعف تمثيليتها ومكوناتها، عوض جرأة معارضة الحكومة وإبراز مكامن النقص او محاولة اسقاطها.
السؤال المطروح هو، كيف لأحزاب إدارية إستنزفت ما في جعبتها وبدون هوية، وخلقت اصلا لتؤدي وظيفة ضدا في المعارضة اليسارية في القرن الماضي، ولا تملك برامج مقنعة أن تقنع في دور “كومبارس” المعارضة؟
المهم خيار المساندة النقدية جبن سياسي، تقاعس في القيام بالدور المنوط بالمعارضة الحاسمة ومهمة تنوير الرأي العام، بل هي خيانة لأمانة الناخبين.
في إنتظار ساعة الحسم وبداية العرض الحكومي، أتمنى لكم فرجة ممتعة في دخول سياسي مليئ بالمفاجٱت.

