- بقلم امحمد القاضي //
العنوان صرخة الفنان التونسي لطفي بوشناق في وجه الإستغلال البشع للنخب السياسية لإمتيازات ومكتسبات البلاد، والذي تعيش بلاده بدورها أسوأ فترات تغيير النظام السلبي.
إلى زمن غير بعيد, كانت بعض الاحزاب الوطنية اليسارية التقليدية التي ساهم مناضلوها في تشكيل مشهد الفكر السياسي المغربي، وتكوين نضج معرفي وتوعوي جماهيري واسع وخلق تيار مقاوم لسيطرة التوجه الليبرالي المتوحش على اعناق المغاربة.
الاحزاب اليسارية العتيدة كانت بمثابة صمام امان، تحسب لها حساباتها ويحترمها خصومها قبل المتعاطفين معها. لانها تجر وراءها إنتماء لفكر ومرجعية كونية وتحمل تطلعات وٱمال الطبقات الإجتماعية العريضة.
هذه الاحزاب إستمدت قوتها من ادرعها الإعلامية والنقابية وشقها الطلابي ومن قدرتها على تحريك الشارع كما وقع في إضرابات سنتي 1981 و1984 بعد الزيادات الطفيفة في المواد الإستهلاكية الأساسية كالخبز، لدرجة نعثهم وزير الداخلية النافذ ٱنداك “بشهداء كوميرا”!
كما كانت لهم كلمة الفصل في التأثير في المشهد السياسي، بفضل خطابها المجتمعي ومشروعها البديل اللصيق بهموم شرائح عريضة من الطبقات الشعبية.
في نظرة خاطفة حول تحولات الخيار اليساري وضعف التأقلم مع تغيرات المجتمع الشئ الذي جعله يحتل مراتب دنيا في المشهد السياسي المغربي.
تموقع اليسار التقليدي، خاصة حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والإشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي في المعارضة لعقود جعل اليسار يكسب تعاطف المواطنين في فترة إزدهاره في النصف الثاني من القرن الماضي، والتمتع بقاعدة شعبية عريضة بفضل مشروعه السياسي والمجتمعي البديل.
فمن المراهنة على الخيار الدستوري والتغيير بواسطة الدفع نحو تبني ديمقراطية دستورية، إلى التحول نحو الخيار الثوري ومحاولة فرض التغيير بالقوة، مما ادخل المغرب في سنوات الرصاص والقمع وإنتهاك حقوق الإنسان والإختفاء القسري خلال سبعينيات القرن الماضي.
ثم جاءت مرحلة الخيار التوافقي والتقرب للسلطة مما انتج عنه تيارات معارضة وانشقاقات حزبية وتكوين إطارات يسارية جديدة ساهمت في بلقنة المشهد اليساري وتشتيت التيار المعارض: امثال الحزب الاشتراكي الموحد، وفيما بعد فدرالية اليسار الديمقراطي المكون من تحالف تلاثة أحزاب يسارية.
وإنتهت العملية بالقبول بحكومة التناوب في عهد عبد الرحمان اليوسفي لإنقاد المغرب من السكتة القلبية وضمان الإنتقال السلس للسلطة في العهد الجديد، وبذلك تم تهجين شق عريض من اليسار المعارض وإدخاله في عملية السلطة. وكما يقال السلطة تفسد “le pouvoir ça corrompt “.
حين إعتبر البعض المشاركة الحكومية خطوة وطنية إصلاحية جريئة لإنقاد البلد، إعتبرته طائفة أخرى تنازل وتراجع عن الخط النضالي وتطبيع مع النظام بل وخيانة للمواقف الشعبية وتقزيم لتاريخ جماهيري ومسار كفاحي طويل.
في نهاية التجربة، البعض لم تقنعه التجربة الحكومية لليسار، لانها لم ترقى لتطلعاته الإجتماعية، إذ كانت الطموحات اكبر من الإمكانيات ومرونة ٱليات الإشتغال.
في الحقيقة، السياق العالمي والتحولات الإقليمية تلقي بظلالها على المشهد المغربي.
تراجع المنظومة الإشتراكية على الصعيد العالمي بعد سقوط جدار برلين وإنهيار الإتحاد السوفياتي وافول القومية العربية وسقوط أنظمة في المحيط مع الربيع الديمقراطي اضعف اليسار المغربي وقوته الإقناعية مما فتح المجال للإسلام السياسي كبديل منتظر بناخبين ملتزمين ومنضبطين.
الإستحقاقات الإنتخابات التشريعية الأخيرة بمشاركة ضعيفة لا تتجاوز 38% من 15.8 مليون ناخب مسجل، الأضعف وطنيا منذ عقدين، وتشكل فيه الكتلة الناخبة بالعالم القروي 45،%، حيث الولاء للأعيان، ويجعل العملية الإنتخابية والإستقطابية تتركز خارج الحواضر حيث التعاطف مع الفكر اليساري. إلا أن النتائج والإختيارات تنم عن الاستياء الشعبي من قدرة العمل الحكومي على خلق التغيير المنشود.
تناقض الخطابات في الحملات الإنتخابية تربك المواطن وتخلق ضبابية في البرامج، حيث سارت الاحزاب الليبرالية امثال “البام” و”الاحرار” تنسلخ من جلدها الليبرالي وتتسابق في تبني خطاب إجتماعي اقرب لتوجه اليسار بوعود مضاعفة الحد الأدنى للأجور، وتعميم التغطية الصحية والاجتماعية والزيادة في الدعم العمومي الشهري وخلق تعويضات عن البطالة وفقدان الشغل والرفع من مناصب الشغل بالقطاع العمومي وغيرها من وعود إنتخابية لا تتماشى مع واقع توجهها الفكري.
التقارب في خطابات الحملات الإنتخابية وتلاسن مكونات الأغلبية فيما بينها فتحت الباب أمام تساؤلات العمل الحكومي المنسجم، وفشلت بذلك في خلق اقطاب حزبية متباينة تمنح الناخب إختيارات تلائم توجهاته وقناعاته، مما عمق العزوف الإنتخابي والفراغ السياسي.
الواقع المر ان تيار اليسار الذي كانت تراهن عليه الطبقات الإجتماعية للتغيير قضمت أظافره وجمد تأثيره بعد تطويعه. وأصبح يعيش على الماضوية، إستحلى تاريخه النضالي والقى برجليه مسترخيا منتشيا بزمان ولى وسط واقع مغربي متغير يخلق المفاجئات،
تيار اليسار فقد القوة التنظيمية الداخلية على تشبيب قياداته كنمودج لأحزاب تقدمية تتجدد، ولم يعد يملك القدرة على تطوير ٱلياته النظرية وإنتاج منظومة فكرية تلائم التحولات الإجتماعية والتطلعات الشبابية المعاصرة والتأقلم مع التغيرات العالمية والمحلية.
فقد القوة الإستقطابية والإقناعية وجرأة العبور نحو البوادي. فشل في خلق مشروع ودينامية مجتمعية للتصدي للتوجه البراغماتي المادي والنفعي والربحي للمجتمع المغربي.
في أيام الجمر كان اليسار بحسب له حساب، وبعدها خرج يفرض شروطه لتولي السلطة وإلا فلا شيئ، وبالامس القريب دخل حزب الرفاق الشيوعي المرجعية في تحالف وزواج غير شرعي مع حزب ذو مرجعية دينية. واليوم سيقبل الرفاق بمناصب ريعية هزيلة مقابل البقاء تحت التنفس الإصطناعي.
قيادات الأحزاب “العتيدة” التي سارت تتديل المشهد والخريطة السياسية اليوم، كانت بالأمس في أوج كتلتها تنعت تهكما قدوم حزب الأصالة والمعاصرة للساحة السياسية بالوافد الجديد. اصبحت اليوم تلهت وتتوسل الحقائب الوزارية الصغرى بكل التنازلات الممكنة على ابواب مقر الوافد الجديد. هزلت، وعشنا وشفنا عحائب هذا الزمن المغربي البئيس المحدودب.
نرجو ان يخرج الوطن رابحا من هذه المقامرة السياسية الهجينة. لان الوطن اكبر من ارض وحدود جغرافية، وأقوى من تحالفات ومقايضات سياسية، الوطن تاريخ وذاكرة لن تمحوها المزايدات والصفقات “التجاربة” المرحلية.
السياق المغربي إستثناء في العملية الديمقراطية، لذا دعوة “اللهم لا شماتة” لا تنفع في التنافس السياسي، كما أنها لا تشفع امام الأنا الحزبية ولا تصلح لتبرير الخدلان السياسي لشيوخ وقيادات الهشة. ما علينا كمغاربة إلا أن نتوجس خيرا بنصف ارتياح من اول حكومة بقيادة إمراة ليبرالية بالف رجل يساري.
بكل فخر وإنتماء لحضارة مغربية أميسية منذ القدم. دمتم سالمين تحت الرعاية السياسية للنساء.

