قراءة في برنامج الذكرى الخامسة والعشرين: ستة أيام من الأنشطة العلمية والثقافية والفنية تفتح النقاش حول منجزات الأمازيغية وتحديات إدماجها في الحياة العامة.
يستعد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لتخليد الذكرى الخامسة والعشرين للخطاب الملكي التاريخي بأجدير، الذي ألقاه الملك محمد السادس يوم 17 أكتوبر 2001، وذلك بتنظيم تظاهرة علمية وثقافية وفنية، تحت الرعاية الملكية السامية، خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 17 أكتوبر 2026، بمقر المعهد بالرباط، تحت شعار «ربع قرن من مأسسة الأمازيغية: الحصيلة والآفاق».
وتكتسي هذه الذكرى أهمية خاصة باعتبارها محطة لاستحضار التحولات التي عرفها ملف الأمازيغية خلال خمسة وعشرين عاماً، منذ خطاب أجدير وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مروراً بالاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغة رسمية سنة 2011، وصولاً إلى الأوراش التشريعية والمؤسساتية الرامية إلى إدماجها في مختلف مناحي الحياة العامة.
غير أن أهمية الذكرى لا تنحصر في استحضار هذا المسار التاريخي، بل تتجاوز ذلك إلى طرح سؤال جوهري: إلى أي حد تحولت المكتسبات القانونية والمؤسساتية والعلمية إلى واقع ملموس في المدرسة والإدارة والإعلام والقضاء والمرافق العمومية؟
برنامج متنوع يجمع بين البحث العلمي والإبداع والانفتاح على المجتمع
تكشف قراءة البرنامج الرسمي، الموزع على ستة أيام، عن توجه نحو الجمع بين الاحتفاء الرمزي بذكرى أجدير وتقديم حصيلة عمل المعهد، وإشراك فئات من المجتمع في أنشطة ثقافية وتربوية وفنية.
وتنطلق الفعاليات يوم الاثنين 12 أكتوبر بمراسيم افتتاح رسمية، تتضمن كلمات مؤسساتية وتقديم أنشطة المعهد، إلى جانب افتتاح معارض توثق جانباً من الإنتاج الثقافي والعلمي والفني المرتبط بالأمازيغية.
كما ينظم المعهد أبواباً مفتوحة تمتد طوال الأسبوع، تشمل معارض للكتاب والمنشورات، وأعمالاً فنية وتشكيلية، فضلاً عن التعريف بالمراكز البحثية ومختلف إصدارات المعهد.
ويشكل هذا الانفتاح مناسبة لتعريف العموم، ولا سيما الشباب والتلاميذ والطلبة، بطبيعة العمل الذي اضطلع به المعهد خلال ربع قرن، وبمساهمته في تهيئة اللغة الأمازيغية ومعيرتها وتطوير أدوات تدريسها وإنتاج المعرفة المرتبطة بها.
ويتضمن البرنامج، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، ورشات تربوية وفنية لفائدة تلاميذ المدارس، فيما يخصص يوم الأربعاء 14 أكتوبر لحفل تسليم جائزة الثقافة الأمازيغية، التي تمثل آلية للاعتراف بالمجهودات المبذولة في مجالات البحث والإبداع والإنتاج الثقافي.
أما يوم الخميس 15 أكتوبر، فيتواصل البرنامج بأنشطة ثقافية وفنية وزيارات للمعارض، قبل أن يشهد يوم الجمعة 16 أكتوبر تنظيم مائدة مستديرة تحت عنوان «مأسسة الأمازيغية: المنجزات والانتظارات»، وهي محطة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى طابعها التقييمي.
ويُختتم البرنامج يوم السبت 17 أكتوبر بسهرة فنية بمسرح الهواء الطلق بمقر المعهد، تتضمن مشاركات فنية متنوعة، بما يعكس حضور الموسيقى والغناء والفنون الجماعية ضمن مكونات الثقافة الأمازيغية.
ثلاثة محاور تكشف فلسفة الاحتفاء
توضح الوثيقة التقديمية المصاحبة للبرنامج أن المعهد اختار تأطير هذه الذكرى ضمن ثلاثة محاور مترابطة.
يرتبط المحور الأول بالبعد الأكاديمي والبحثي، من خلال تقييم حصيلة البحث العلمي وإنتاج المعرفة، وهي الوظيفة التي شكلت منذ إحداث المعهد إحدى ركائز عمله، سواء في الدراسات اللسانية أو التاريخية أو الأنثروبولوجية أو الأدبية.
أما المحور الثاني فيتعلق بالبعد الثقافي والإشعاعي، عبر تثمين المنجزات والشراكات والتعاون مع المؤسسات والهيئات الحكومية، بما يسمح بتقييم مساهمة المعهد في إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والإعلام وغيرها من المجالات.
ويخصص المحور الثالث للبعد الثقافي والتنموي، من خلال إبراز العلاقة بين الثقافة الأمازيغية والتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصاد الثقافي، والانفتاح على الفنون والممارسات التراثية باعتبارها موارد للإبداع والتنمية.
وتكشف هذه المحاور عن وعي بأهمية الانتقال من الاشتغال على اللغة والثقافة باعتبارهما موضوعين للبحث والحفظ والتوثيق، إلى النظر إليهما أيضاً بوصفهما عنصرين فاعلين في التنمية وإنتاج المعرفة والمشاركة المجتمعية.
خطاب أجدير: من الاعتراف بالهوية إلى بناء المؤسسات
لا يمكن قراءة برنامج الذكرى الخامسة والعشرين بمعزل عن السياق التاريخي الذي جاء فيه خطاب أجدير سنة 2001.
فقد شكل هذا الخطاب منعطفاً في المقاربة الرسمية للمسألة الأمازيغية، حين جرى التأكيد على مكانتها باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات الهوية والثقافة المغربيتين، مع إحداث مؤسسة متخصصة تتولى النهوض بها علمياً وثقافياً وتربوياً.
ومنذ ذلك التاريخ، راكم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إسهامات مهمة في مجال الدراسات اللسانية، وتهيئة اللغة، وتطوير مواردها البيداغوجية، والبحث في التراث الشفهي والمكتوب، ودعم الإنتاج الثقافي والفني.
كما شكل ترسيم الأمازيغية في دستور 2011، ثم صدور القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم ومجالات الحياة العامة ذات الأولوية سنة 2019، انتقالاً من الاعتراف المؤسسي إلى مرحلة الالتزامات القانونية والسياسات العمومية.
غير أن وجود هذه المكتسبات لا يلغي استمرار التفاوت بين النصوص ومستويات تفعيلها على أرض الواقع.
قراءة في البرنامج: حضور قوي للثقافة والحاجة إلى تعميق التقييم
من الناحية الصحفية، يسجل للبرنامج تنوعه وانفتاحه على فئات اجتماعية متعددة، وعدم اقتصاره على اللقاءات البروتوكولية أو الأنشطة الأكاديمية المغلقة.
فحضور الأطفال والتلاميذ، وتنظيم المعارض، وتخصيص جائزة للإبداع الأمازيغي، والاحتفاء بالفنون، كلها عناصر تؤكد أن النهوض بالأمازيغية لا يتعلق بالمختبرات والمؤسسات الرسمية وحدها، وإنما يرتبط أيضاً بالمجتمع وبنقل الثقافة واللغة بين الأجيال.
لكن القراءة التحليلية للبرنامج تثير ملاحظة أساسية: إن الذكرى الخامسة والعشرين، بما تحمله من رمزية تاريخية، تستدعي تقييماً معمقاً لا يكتفي بعرض المنجزات، بل يتناول أيضاً معيقات تنفيذ السياسات العمومية المرتبطة بالأمازيغية.
فإذا كان المعهد قد راكم تجربة علمية ومؤسساتية معتبرة، فإن أسئلة عديدة تظل مطروحة، من بينها مدى تعميم تدريس الأمازيغية في المؤسسات التعليمية، ومستوى حضورها الفعلي في المرافق العمومية، وحجم استعمالها في الإعلام السمعي البصري والرقمي، وآفاق تطوير مواردها التكنولوجية في ظل التحولات المتسارعة للذكاء الاصطناعي.
وتبدو المائدة المستديرة المبرمجة يوم 16 أكتوبر مناسبة لفتح هذا النقاش، شريطة أن تقترن الحصيلة النوعية بمعطيات كمية ومؤشرات قابلة للقياس، وأن تتسع القراءة لمواقف الباحثين والفاعلين المدنيين والمؤسسات المعنية بالتنفيذ.
كما تبرز أهمية الانتقال من تقييم أعمال المعهد وحده إلى تقييم السياسات العمومية المتعلقة بالأمازيغية، مع التمييز بين المسؤوليات العلمية والاستشارية للمؤسسة والمسؤوليات التنفيذية للقطاعات الحكومية.
الأمازيغية والرقمنة: رهان ينبغي أن يحضر بقوة
من بين القضايا التي تفرض نفسها في أفق المرحلة المقبلة، مسألة إدماج الأمازيغية في التحولات الرقمية والتكنولوجية.
فبعد ربع قرن من المأسسة، لم يعد الرهان مقتصراً على إعداد المعاجم والكتب المدرسية وتوثيق التراث، بل أصبح يشمل تطوير المحتوى الرقمي، وتقنيات التعرف الآلي على الكلام، والترجمة، والمعالجة الآلية للغة، وتوفير الموارد اللغوية اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتكتسي هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى حرف تيفيناغ وحضوره في المنصات الرقمية والبرمجيات والخدمات الإلكترونية.
ويمكن أن تشكل الذكرى مناسبة لاستشراف مرحلة جديدة تنتقل فيها الأمازيغية من مجرد الحضور الرمزي في الفضاء الرقمي إلى المساهمة الفعلية في إنتاج المعرفة والتواصل والتكنولوجيا.
من أجدير 2001 إلى الرباط 2026: ماذا بعد ربع قرن؟
إن تخليد خمسة وعشرين عاماً على خطاب أجدير يمثل مناسبة تتجاوز البعد الاحتفالي، لأنه يعيد طرح العلاقة بين الاعتراف الثقافي والمأسسة القانونية والتنفيذ العملي.
لقد أتاح إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية تأسيس رصيد علمي وبحثي ومؤسساتي مهم، وأسهم في تعزيز موقع الأمازيغية داخل السياسات الثقافية واللغوية الوطنية.
غير أن المرحلة المقبلة تفرض تحديات مختلفة، ترتبط أساساً بتوسيع الاستعمال اليومي للأمازيغية، وتعزيز حضورها في المدرسة والإدارة والإعلام والفضاء الرقمي، وتوفير الموارد البشرية والمالية والتقنية اللازمة لذلك.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لشعار الدورة: «الحصيلة والآفاق». فالحصيلة ليست مجرد تعداد للمنجزات، والآفاق لا ينبغي أن تبقى مجرد إعلان للنوايا، بل يفترض أن تشكلا أساساً لنقاش مؤسساتي ومجتمعي يستخلص الدروس ويحدد الأولويات.
وبذلك يمكن أن تتحول الذكرى الخامسة والعشرون لخطاب أجدير إلى محطة لتجديد التفكير في مستقبل الأمازيغية بالمغرب، باعتبارها رصيداً حضارياً مشتركاً، ولغة رسمية، ومكوناً أساسياً من الهوية الوطنية المتعددة.
فبعد ربع قرن من خطاب الاعتراف والتأسيس، يصبح السؤال المركزي: كيف ننتقل من مأسسة الأمازيغية إلى ترسيخ استعمالها الفعلي والمتكافئ في الحياة اليومية للمغاربة؟
المصدر: البرنامج الرسمي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، المنشور بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لخطاب أجدير، 12–17 أكتوبر 2026، مع قراءة صحفية تحليلية في مضامينه.


