- بقلم: الحسن باكريم //
قراءة سياسية في خطاب افتتاح البرلمان: الملك يدعو إلى منعطف اقتصادي واجتماعي، ويضع الشباب والجهوية والسيادة الاستراتيجية في صدارة أولويات الحكومة المقبلة
لم يكن الخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، إلى أعضاء مجلسي البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، مجرد خطاب مؤسساتي تقليدي يؤطر الدخول البرلماني الجديد، بل حمل توجيهات استراتيجية ورسائل سياسية واضحة إلى مختلف مكونات الدولة، وفي مقدمتها الحكومة المرتقب تشكيلها، والمؤسسة التشريعية، والأحزاب السياسية، والمؤسسات الترابية والقطاع الخاص.
وجاء الخطاب في لحظة سياسية دقيقة، أعقبت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، وأفرزت خريطة سياسية جديدة، بينما تتواصل المشاورات المتعلقة بتشكيل الأغلبية الحكومية.
وفي هذه الظرفية، رسم الخطاب الملكي معالم المرحلة المقبلة، محدداً أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والدبلوماسية، ومؤكداً أن المغرب مطالب بالانتقال من منطق تدبير الإصلاحات إلى تسريع إنجازها، ومن الخطاب السياسي إلى الفعل الميداني، ومن المركزية الإدارية إلى تمكين الجهات من وسائل القرار والتنفيذ.
ويمكن التوقف عند سبعة توجهات أساسية تشكل، في مجموعها، خارطة طريق للولاية الحكومية والتشريعية الجديدة.
أولاً: الحكومة المقبلة أمام امتحان الإنجاز وليس مجرد تشكيل الأغلبية
لعل أول رسالة سياسية في الخطاب الملكي تتمثل في التأكيد على أن الولاية الحكومية والتشريعية الجديدة ينبغي أن تشكل «منعطفا حقيقيا» في مسار التنمية المغربية.
وهذا التعبير يحمل دلالة سياسية عميقة؛ فالملك لا يتحدث عن الاستمرار في تدبير البرامج القائمة فحسب، بل يدعو إلى إحداث نقلة نوعية تجعل المغرب قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، تجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.
ومن هذه الزاوية، فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بتقديم برنامج حكومي يتجاوز التوافقات السياسية والحسابات الحزبية التي تحكم عادة مشاورات تشكيل الأغلبية.
فالسؤال الأساسي لم يعد فقط: من سيشارك في الحكومة؟ ومن سيتولى هذه الوزارة أو تلك؟ بل أصبح: ما قدرة التحالف الحكومي المقبل على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية؟ وما مدى امتلاكه للكفاءات والبرامج والوسائل الضرورية لتنفيذ الأولويات الوطنية؟
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من الخطاب: شرعية الانتخابات تمنح حق ممارسة المسؤولية، لكنها لا تعفي من واجب تحقيق النتائج.
فنجاح الحكومة المقبلة لن يقاس فقط بقدرتها على ضمان أغلبية عددية مريحة داخل البرلمان، وإنما بمدى نجاحها في تحسين حياة المواطنين، وخلق فرص الشغل، والرفع من جودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ثانياً: السيادة الاقتصادية تتحول إلى أولوية استراتيجية
من أبرز مستجدات الخطاب الملكي دعوته إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تعداد لقطاعات اقتصادية واعدة، بل بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية في ضوء التحولات الجيو-اقتصادية التي يعرفها العالم.
فالأمن المائي لم يعد مجرد قضية مرتبطة بالفلاحة أو تدبير السدود، بل أصبح قضية استراتيجية تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ومستقبل التنمية.
والأمن الطاقي والغذائي بدورهما يشكلان عنصرين أساسيين في تعزيز قدرة المغرب على مواجهة الأزمات الدولية وتقلبات الأسواق.
أما إدراج الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن الاستراتيجيات الكبرى، فيؤشر إلى إدراك متزايد لأهمية التحولات التكنولوجية في تحديد مستقبل الاقتصاد الوطني وقدرته التنافسية.
غير أن ترجمة هذه التوجهات إلى واقع ملموس تتطلب من الحكومة المقبلة الانتقال من المبادرات القطاعية المتفرقة إلى سياسات متكاملة، تربط البحث العلمي بالتكوين والاستثمار والإنتاج.
كما أن الدعوة الملكية إلى تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية تضع أمام الحكومة تحدياً إضافياً يتعلق ببناء قدرة وطنية أكبر على استباق الأزمات، بدل الاكتفاء بالتفاعل معها بعد وقوعها.
إنها، في جوهرها، دعوة إلى تعزيز السيادة الاقتصادية للمغرب، ليس بمعنى الانغلاق على الخارج، وإنما بتقوية قدراته الداخلية وتحسين موقعه داخل سلاسل الإنتاج والتبادل الدولية.
ثالثاً: الشباب في قلب التعاقد الاجتماعي الجديد
خصص الخطاب الملكي حيزاً مهماً لقضايا الشباب، داعياً إلى وضعها في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة.
ولم يحصر الملك هذه القضية في التشغيل وحده، بل ربطها بالتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص والثقة في المؤسسات.
وهنا تكمن أهمية المقاربة الملكية، التي تتعامل مع الشباب باعتبارهم محوراً أساسياً في التنمية والاستقرار المجتمعي، وليس مجرد فئة اجتماعية تحتاج إلى برامج ظرفية.
فالرهان لا يقتصر على توفير مناصب شغل، على أهميتها، بل يشمل أيضاً إعادة بناء الثقة في إمكانات الارتقاء الاجتماعي، وفي قدرة المدرسة والجامعة والتكوين المهني على فتح آفاق المستقبل.
وبالتالي، فإن الحكومة المقبلة مطالبة بوضع سياسة مندمجة للشباب، تقوم على التنسيق بين التعليم والتكوين والاستثمار وسوق الشغل.
كما أن البرلمان مدعو إلى ممارسة رقابة فعلية على البرامج الموجهة إلى الشباب، والانتقال من مناقشة المخصصات المالية إلى تقييم النتائج المحققة.
فلا يكفي الإعلان عن خلق فرص للتشغيل أو إطلاق برامج للتأهيل، بل ينبغي معرفة عدد المستفيدين الفعليين، ومدى استدامة فرص العمل المحدثة، وحجم التفاوتات بين الشباب في المدن والقرى والجهات.
إن وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية يعني، قبل كل شيء، جعل مستقبلهم معياراً للحكم على نجاح العمل الحكومي.
رابعاً: الجهوية المتقدمة.. من الإصلاح المؤجل إلى ضرورة التنفيذ
يمكن اعتبار المحور المتعلق بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري من أكثر محاور الخطاب الملكي وضوحاً وحسماً.
فقد سجل الملك استمرار التأخير والاختلالات التي تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، وانعكاساتها السلبية على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولعل العبارة الأكثر دلالة في هذا السياق هي التأكيد على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري.
وهذا الموقف يطرح أسئلة جدية حول أسباب استمرار التعثر، رغم مرور سنوات على إطلاق ورش الجهوية المتقدمة.
فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بوجود النصوص القانونية، بل بمدى استعداد الإدارة المركزية لنقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية إلى الجهات والأقاليم.
كما أن الخطاب شدد على ضرورة وضع حد للعراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، وتوضيح اختصاصاتها، وتنظيم علاقاتها بالدولة، واعتماد آليات للتنسيق والتعاقد.
وهنا تبرز أهمية هذا التوجيه بالنسبة لجهة سوس ماسة، التي تعرف مؤسساتها المنتخبة، في بعض المحطات، توترات سياسية وتنظيمية تؤثر على السير العادي للعمل الجهوي.
فلا يمكن الحديث عن جهوية متقدمة ناجحة في ظل استمرار النزاعات حول الاختصاصات، أو تعثر اتخاذ القرارات، أو تغليب الحسابات السياسية على متطلبات التنمية.
وفي المقابل، لا يجوز تحميل المنتخبين وحدهم مسؤولية كل الاختلالات، ما دامت فعالية المؤسسة الجهوية تتوقف أيضاً على وضوح العلاقة مع الإدارة الترابية والمصالح اللاممركزة للدولة، وعلى توفر الموارد والصلاحيات اللازمة.
ومن ثم، فإن الخطاب الملكي يضع جميع المتدخلين أمام مسؤولية مشتركة: الحكومة، والإدارة المركزية، والسلطات الترابية، والمجالس الجهوية، والأحزاب الممثلة داخلها.
إن المطلوب هو الانتقال من جهوية النصوص والشعارات إلى جهوية القرار والمسؤولية والمحاسبة والنتائج.
خامساً: القطاع الخاص مدعو إلى تجاوز منطق الاستفادة إلى منطق المبادرة
لم يغفل الخطاب الملكي دور القطاع الخاص في التحول الاقتصادي والاجتماعي المرتقب.
فقد دعاه الملك إلى الارتقاء إلى مستوى الفاعل الاستراتيجي في التنمية، من خلال المبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل.
وتحمل هذه الدعوة رسالة مباشرة إلى الفاعلين الاقتصاديين، مفادها أن التنمية الوطنية لا يمكن أن تظل مسؤولية الدولة وحدها.
فالمقاولة المغربية مطالبة بالمساهمة في التحول الصناعي والرقمي، وتطوير تنافسيتها، والانخراط في إنتاج القيمة المضافة.
غير أن نجاح هذا التوجه يرتبط أيضاً بمسؤولية الحكومة في تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتسهيل التمويل، وضمان المنافسة العادلة، خصوصاً لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
ومن هنا، فإن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص ينبغي أن تقوم على التزامات متبادلة: توفير شروط الاستثمار من جهة، وتحمل المسؤولية في الإنتاج والتشغيل والابتكار من جهة أخرى.
سادساً: الهجرة والعلاقات مع إسبانيا.. المغرب يدعو إلى إعادة صياغة قواعد الشراكة
شكل محور الهجرة والعلاقات مع إسبانيا أحد أبرز الأبعاد الدبلوماسية والسياسية في الخطاب الملكي.
فبعد التأكيد على نجاح المقاربة المغربية المتوازنة في تدبير قضايا الهجرة، أعلن الملك أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وأن الأزمات المتكررة تكشف الحاجة إلى مراجعته.
وتكتسي الإشارة المباشرة إلى إسبانيا أهمية خاصة، بالنظر إلى طبيعة العلاقات الثنائية وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية بين البلدين.
فقد أثار الخطاب الإشكالات المرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي تعرقل، وفق التقييم الوارد فيه، عمليات الترحيل في حالات محددة، بما فيها حالات القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء.
وتكشف هذه الإشارات عن إرادة مغربية لإعادة النظر في آليات التعاون، مع التأكيد على أن معالجة الهجرة ينبغي أن تقوم على المسؤولية المشتركة واحترام الالتزامات الدولية وحماية الحقوق الإنسانية، خاصة حقوق الأطفال والقاصرين.
لكن الرسالة السياسية الأقوى جاءت في رفض إخضاع الشراكة لأي شكل من أشكال الضغط أو التهديد أو الابتزاز، والتأكيد على طبيعتها السيادية والإرادية.
كما أعلن الخطاب عن توجه المغرب إلى تقديم وثيقة استراتيجية لشركائه، تؤسس لتعاون جديد يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، فإن المغرب يسعى إلى الانتقال من مقاربة تختزل التعاون في مراقبة الحدود وتدبير تدفقات الهجرة، إلى تصور أوسع يربط الهجرة بالتنمية والمصالح الاقتصادية والاستقرار.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في سياق العلاقات المغربية الإسبانية، وما يرتبط بها من قضايا سياسية وإنسانية حساسة.
وسيكون من الضروري متابعة مضمون الوثيقة الاستراتيجية المرتقبة، ومدى قدرتها على تحويل هذا التوجه إلى التزامات عملية ومتوازنة بين المغرب وشركائه.
سابعاً: البرلمان الجديد أمام مسؤولية استعادة الثقة في العمل السياسي
اختتم الملك خطابه بالتأكيد على أن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط المنتخبين بالمواطنين.
وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في السياق السياسي الحالي، الذي عرف خلال الحملة الانتخابية وما بعدها تصاعد النقاشات المرتبطة بالأشخاص والتحالفات والحسابات الحزبية، على حساب النقاش حول البرامج والسياسات العمومية.
فالمؤسسة البرلمانية الجديدة مدعوة إلى تجاوز منطق الاصطفاف السياسي الضيق، والارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه المغرب.
ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تفعيل أدوار التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية، وفتح نقاشات جدية حول القضايا الاستراتيجية التي أثارها الخطاب الملكي.
فما جدوى برلمان ينشغل أعضاؤه بالصراعات الحزبية وتبادل الاتهامات، بينما تنتظر البلاد إصلاحات عميقة في التعليم والتشغيل والماء والطاقة والعدالة المجالية؟
وما قيمة الأغلبية العددية إذا لم تتحول إلى قوة اقتراحية وتشريعية قادرة على مواكبة الأوراش الوطنية الكبرى؟
وبالمقابل، فإن المعارضة مطالبة هي الأخرى بالانتقال من المعارضة الخطابية إلى ممارسة دور مؤسساتي يقوم على تقديم البدائل ومراقبة الأداء الحكومي وتقييم النتائج.
والواقع أن البرلمان الجديد سيكون أمام فرصة لإعادة الاعتبار للنقاش السياسي الموضوعي، وجعل المؤسسة التشريعية فضاء حقيقياً لمناقشة اختيارات المغرب الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية.
الهوية الوطنية.. الاعتزاز بالانتماء باعتباره مسؤولية
إلى جانب التوجهات الاقتصادية والمؤسساتية، توقف الخطاب الملكي عند مفهوم الاعتزاز بالمغرب، مستحضراً عبارة الملك سنة 2014 حول الاعتزاز بالمغربية.
غير أن اللافت في هذا المحور هو ربط الانتماء الوطني بالمسؤولية، وليس بالتباهي أو الاكتفاء بالإنجازات المحققة.
فالإشارة إلى العمق التاريخي للمملكة، وإلى الهوية الدينية والحضارية الغنية بتعدد مكوناتها، تضع مسألة الهوية الوطنية ضمن رؤية جامعة تقوم على الاعتزاز بالتعدد والوحدة في آن واحد.
ويمكن قراءة هذا التوجه باعتباره تأكيداً على أن قوة المغرب تستند أيضاً إلى تنوع مكوناته الثقافية والحضارية، وفي مقدمتها المكونان العربي والأمازيغي، إلى جانب روافده التاريخية الأخرى.
وإذا كان الخطاب لم يتناول بالتفصيل السياسات المتعلقة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فإن تأكيده على تعدد مكونات الهوية الحضارية المغربية ينسجم مع المرجعية الدستورية التي تجعل من هذا التنوع رصيداً وطنياً مشتركاً.
ويبقى التحدي أمام الحكومة والبرلمان هو ترجمة هذا الاعتراف الدستوري إلى سياسات عمومية وممارسات مؤسساتية ملموسة، تعكس غنى الهوية المغربية في التعليم والإدارة والإعلام والثقافة.
قراءة في الرسائل السياسية للمرحلة المقبلة
إن القراءة المتأنية للخطاب الملكي تسمح باستخلاص ثلاث رسائل سياسية كبرى.
تتمثل الرسالة الأولى في أن المرحلة المقبلة تتطلب حكومة ذات قدرة تنفيذية حقيقية، لا مجرد تحالف حزبي قائم على توزيع الحقائب والمواقع.
أما الرسالة الثانية، فتؤكد أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون عدالة اجتماعية ومجالية، ودون تمكين الجهات من صلاحيات وموارد فعلية.
وتتعلق الرسالة الثالثة بضرورة إعادة الاعتبار إلى المسؤولية السياسية والمؤسساتية، من خلال ربط الثقة الانتخابية بالإنجاز والمحاسبة، وجعل المواطن محور السياسات العمومية.
وهي رسائل تبدو موجهة، بدرجات متفاوتة، إلى الأغلبية الحكومية المرتقبة، وإلى المعارضة البرلمانية، والأحزاب السياسية، والإدارة العمومية والقطاع الخاص.
كما يبرز الخطاب الملكي تحدياً أساسياً يتعلق بالتنسيق بين هذه المؤسسات، لأن نجاح أي استراتيجية وطنية يظل رهيناً بقدرة مختلف المتدخلين على تجاوز تضارب الاختصاصات وبطء التنفيذ.
خاتمة: هل تكون الولاية التشريعية الثانية عشرة ولاية التحول الحقيقي؟
وإذا كان الخطاب الملكي قد وضع معالم المرحلة المقبلة بوضوح، فإن المسؤولية أصبحت اليوم ملقاة على عاتق الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين لتحويل هذه التوجهات إلى برامج وإجراءات قابلة للتنفيذ والقياس.
فالحكومة المقبلة مطالبة ببرنامج واقعي، يحدد الأولويات والآجال والموارد، والبرلمان مطالب بمواكبة تشريعية ورقابية جادة، والجهات مطالبة بتطوير أدائها وتجاوز الاختلالات التي تعيق التنمية.
والأهم أن المغرب يحتاج إلى نقاش سياسي جديد، ينتقل من سؤال الأشخاص والمواقع إلى سؤال السياسات العمومية والنتائج.
فالخطاب الملكي لم يقدم تصوراً لتوزيع السلطة بين الأحزاب، بل رسم أفقاً لما ينبغي أن تنجزه المؤسسات خلال الولاية المقبلة.
وهنا يكمن الفرق بين السياسة باعتبارها تنافساً على المواقع، والسياسة باعتبارها مسؤولية في خدمة المجتمع.
إن الرهان الحقيقي، بعد خطاب 9 أكتوبر 2026، ليس فقط في معرفة من سيشكل الحكومة، بل في معرفة ما الذي ستغيره هذه الحكومة في حياة المغاربة، وما الذي سيضيفه البرلمان الجديد إلى مسار الإصلاح، وما إذا كانت الجهات ستتحول أخيراً إلى مؤسسات فعلية لصنع التنمية.
فالمغرب، كما جاء في الخطاب الملكي، يوجد أمام فرص قد لا تتكرر. والتاريخ السياسي لا يقاس فقط بما تعلنه الحكومات من نوايا، بل بما تتركه من نتائج في حياة المواطنين.
وتلك هي المسؤولية الكبرى التي تنتظر الحكومة والبرلمان في الولاية التشريعية الثانية عشرة.

