حين أكّد جلالة الملك محمد السادس في خطابه السامي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية اليوم أن الشراكة هي (اختيار سيادي والتزام إرادي) وأنها لن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز فإنني أقرأ في هاتين العبارتين تحديداً دقيقاً للإطار الذي ينبغي أن تُفهم ضمنه العلاقات المغربية الإسبانية.
بل أقرأ فيهما إعلاناً عن منطق جديد في فهم الشراكة الدولية عموماً بمنطق يجعل السيادة أساس القرار والمصلحة الوطنية مرجعاً لتحديد طبيعة العلاقات الخارجية وحدودها.
فالاختيار السيادي يعني أن الدولة هي التي تحدد بإرادتها المستقلة مع من تتشارك وفي أي المجالات تتعاون وما الشروط التي تجعل هذه الشراكة منسجمة مع مصالحها الاستراتيجية.
وبهذا المعنى نفهم أن الشراكة ليست هدية ولا منّة ولا إحساناً من دولة إلى أخرى بل هي مصالح مشتركة وتوزيع للمسؤوليات والتزامات يتحملها كل طرف في حدود ما اتُّفق عليه وما تفرضه القواعد القانونية ذات الصلة بعيداً عن أي محاولة لتوظيفها وسيلةً للضغط أو لفرض معادلات غير متوازنة.
لذلك جاء خطاب جلالة الملك اليوم ليؤكد أن المصلحة الوطنية تظل المرجع الأساسي في تقييم أي شراكة أياً كانت طبيعتها وأن العلاقات الخارجية مهما بلغت أهميتها لا يمكن أن تتقدم على المصالح الاستراتيجية للمغرب أو أن تكون على حساب ثوابته الوطنية وثغوره المحتلة
فالمغرب لا يبحث عن القطيعة مع إسبانيا لكنه في المقابل لا يقبل أن تُفهم حاجات التعاون باعتبارها نقاط ضعف أو أن يُقرأ حرصه على الاستقرار باعتباره استعداداً للتنازل
ولعل ما يمنح هذا الموقف قوته هو إعلان جلالة الملك أن المغرب سيقدم لجيرانه في الشمال وثيقة تتضمن رؤية واضحة وعملية تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وهو ما يعكس في تقديري توجهاً نحو الانتقال من تأكيد المبادئ إلى وضع تصور عملي لشراكة أكثر توازناً تستند إلى وضوح الرؤية وتكامل المصالح واحترام الالتزامات المتبادلة.
ومن هذا المنطلق تبدو الرسالة واضحة
فجلالة الملك وهو يخاطب الشريك الإسباني من موقع المغرب بما يحمله من عمق تاريخي ورصيد حضاري ومؤسساتي عريق يعيد التذكير بأن المملكة لم تعد مجرد جار تقليدي للضفة الشمالية للمتوسط بل أصبحت قوة إقليمية صاعدة ترسم معالم حضورها الجيوسياسي انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي ومن عمقها الإفريقي الذي يشكل امتداداً حيوياً لدورها الإقليمي والدولي.
ومن ثم فإن الشراكة المغربية الإسبانية.. بل والشراكة الأورو-متوسطية برمتها مطالبة بالتكيف مع هذا الأفق الجديد بحيث لا تتعارض المصالح المشتركة مع السيادة الوطنية ولا يكون التعاون على حساب الثوابت ولا تُبنى العلاقات على منطق التبعية بل على التوازن والتكامل والاحترام المتبادل…
يوسف غريب كاتب صحفي

