إن مسؤولية ما يجري داخل مجلس جهة سوس ماسة مسؤولية موزعة، وإن اختلفت طبيعتها بين رئيس المجلس، والأغلبية المسيرة، والأعضاء المقاطعين، وقيادات الأحزاب، والسلطة الولائية في حدود اختصاصاتها القانونية. ولا يمكن تحديد المسؤولية المباشرة عن التعطيل دون معرفة الأسباب الفعلية للغياب ومواقف الأطراف المعنية
ما حدث يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 بمدينة تارودانت، عندما تعذر انعقاد الدورة العادية لمجلس جهة سوس ماسة بسبب غياب النصاب القانوني، ليس مجرد حادث عرضي في تدبير مؤسسة منتخبة، بل مؤشر سياسي يطرح أسئلة حول تماسك الأغلبية، وطبيعة العلاقات بين مكوناتها، ومدى احترام المسؤولية المشتركة تجاه الساكنة.
فغياب أغلبية الأعضاء عن دورة كان يفترض أن تناقش ميزانية الجهة لسنة 2027 واتفاقيات ومشاريع تنموية، يضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها السياسية والمؤسساتية، ولا يسمح باختزال الأزمة في طرف واحد.
أولاً، مسؤولية رئيس المجلس كريم أشنكلي. باعتباره رئيساً للمؤسسة وقائداً لأغلبيتها، يتحمل مسؤولية تدبير العلاقات بين مكونات التحالف، والسهر على توفير شروط الحوار والتوافق. وإذا كانت هناك خلافات بشأن جدول الأعمال أو طريقة تدبير المشاريع، فإن المطلوب توضيح كيفية التعامل معها، وليس ترك الرأي العام أمام التسريبات والتأويلات. فلماذا لا يعقد رئيس المجلس ندوة صحافية، أو يصدر على الأقل بلاغاً رسمياً يوضح حقيقة الأزمة ومستقبل الأغلبية؟
ثانياً، مسؤولية أحزاب الأغلبية، وخاصة الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي. فهذه الأحزاب شاركت في تدبير المجلس وتحملت مسؤولية اختياراته منذ تشكيل التحالف. ومن حق منتخبيها الاختلاف والاحتجاج، لكن من واجبهم أيضاً توضيح أسباب الغياب ومطالبهم السياسية. هل انتهى التحالف الرباعي فعلياً؟ وهل توجد خلافات جوهرية حول تدبير الجهة، أم أن الأمر مرتبط بإعادة ترتيب المواقع بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة؟ إن المسؤولية السياسية لا تقبل الجمع بين الاستفادة من مواقع التدبير والابتعاد عن تحمل تبعات قراراته دون تقديم تفسير للرأي العام.
ثالثاً، مسؤولية الأعضاء الذين اختاروا المقاطعة. فقد جرى تداول بعض الأسماء المعروفة من نواب الرئيس، في سياق الحديث عن التحركات المرتبطة بتعثر الدورة ومحاولات عدم اكتمال النصاب في الاجتماع الثاني.
غير أن تحديد دور كل واحد منهم يتطلب توضيحات مباشرة ومعطيات موثقة. وإذا كانت المقاطعة تعبيراً عن موقف سياسي، فمن حق المواطنين معرفة أسبابه وأهدافه، ومدى ارتباطه بالمصلحة العامة. فالاعتراض داخل المؤسسات حق مشروع، لكن استمراره دون تفسير واضح يطرح مسألة المحاسبة السياسية أمام الناخبين.
رابعاً، مسؤولية حزب التجمع الوطني للأحرار. فالحزب الذي يقود رئاسة المجلس مطالب، من خلال قيادته الجهوية، بتوضيح موقفه من الأزمة. هل ما زال التحالف قائماً؟ وما المبادرات المتخذة لتجاوز الخلافات؟ وهل هناك استعداد لمراجعة أساليب الاشتغال المشترك؟ إن الأمر لا يتعلق فقط بشخص رئيس المجلس، وإنما بمسؤولية سياسية لحزب يقود مؤسسة جهوية ذات اختصاصات تنموية واسعة.
خامساً، دور والي جهة سوس ماسة سعيد أمزازي. فالوالي ليس طرفاً في الأغلبية السياسية، ولا يملك صلاحية فرض تحالف على المنتخبين، لكنه يمارس اختصاصات قانونية مرتبطة بمراقبة مشروعية أعمال المجلس ومواكبة اشتغاله. ومن المشروع التساؤل عن دور السلطة الولائية في ضمان احترام المساطر القانونية وتيسير الحوار المؤسساتي، دون المساس باستقلالية المجلس وصلاحيات أعضائه.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن المادة 45 من القانون التنظيمي رقم 111.14 لا تسمح بتعطيل انعقاد المجلس إلى ما لا نهاية؛ فإذا لم يكتمل النصاب في الاجتماعين الأول والثاني، تصبح مداولات الاجتماع الثالث صحيحة من حيث النصاب كيفما كان عدد الحاضرين، مع مراعاة المقتضيات القانونية المتعلقة بالتصويت.
لكن المشكل الحقيقي يتجاوز النصاب القانوني. فحتى لو انعقدت الدورة في اجتماع ثالث، فإن استمرار الخلافات السياسية قد ينعكس على قدرة المجلس على تنفيذ التزاماته وتدبير مشاريعه.
إن مسؤولية ما يجري داخل مجلس جهة سوس ماسة مسؤولية موزعة، وإن اختلفت طبيعتها بين رئيس المجلس، والأغلبية المسيرة، والأعضاء المقاطعين، وقيادات الأحزاب، والسلطة الولائية في حدود اختصاصاتها القانونية. ولا يمكن تحديد المسؤولية المباشرة عن التعطيل دون معرفة الأسباب الفعلية للغياب ومواقف الأطراف المعنية.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم هو الوضوح السياسي والتواصل المؤسساتي، بدءاً من رئاسة المجلس، ومروراً بالأحزاب المشكلة لأغلبيته، وصولاً إلى المنتخبين الذين اختاروا الغياب.
لقد صوت المواطنون على ممثليهم من أجل تدبير التنمية، وليس من أجل متابعة صراعات المواقع والنفوذ. ومن حق ساكنة سوس ماسة أن تعرف لماذا تعثرت مؤسستها المنتخبة، ومن يعترض على ماذا، وكيف ستتم حماية برامجها التنموية من تداعيات الأزمة.
فهل نحن أمام خلاف عابر داخل الأغلبية يمكن تجاوزه بالحوار، أم أمام نهاية فعلية لتحالف سياسي استنفد مبررات استمراره؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر جواباً واضحاً من جميع الأطراف، بعيداً عن الصمت والتسريبات وتبادل الاتهامات.

