على غير عادتي حضرت الندوة الصحفية لجماعة أكادير تلك التي اعتاد مكتبها المسير تنظيمها مباشرة بعد انتهاء كل دورة من دورات المجلس.
لكن لهذه الندوة بالذات خصوصية مختلفة فهي تأتي في ختام ولاية جماعية بما يفرضه ذلك من وقفة للتأمل والتقييم بعيدًا عن حسابات المجاملة أو تصفية الخلافات وقريبًا من مسؤولية الإنصاف والاعتراف بما تحقق دون إغفال ما كان ينبغي أن يتحقق.
نعم
أنا ذلك الإعلامي الذي واجه النائب الأول لرئيس جماعة أكادير بلهجة حادة مباشرة بعد أول خروج علني له سنة 2021. كنت يومها أمارس حقي في السؤال والنقد والمساءلة انطلاقًا من قناعة راسخة بأن المسؤول العمومي لا يُمنح صك الثقة إلى الأبد وإنما يظل مطالبًا بإقناع الرأي العام بأدائه ونتائجه.
واليوم وبعد مرور هذه السنوات أجدني أمام لحظة مختلفة لحظة أقول فيها لهذا المسؤول:
شكراً وأعتذر إن كان في نقدي السابق ما لم ينصف ما ستكشف عنه التجربة لاحقًا.
ليس الأمر تراجعًا عن موقفي السابق ولا تخليًا عن واجبي المهني وإنما هو انتصار لمبدأ أؤمن به:
أن الصحفي الذي يمتلك شجاعة النقد ينبغي أن يمتلك الشجاعة نفسها للاعتراف بالنجاح حين تتوافر أسبابه وشواهده.
لقد اعتدنا في خطابنا الإعلامي الحديث عن القطارات التي لا تصل وعن المشاريع التي تتعثر وعن الوعود التي تظل حبيسة البلاغات والتصريحات.
وربما آن الأوان، في بعض المحطات على الأقل لأن نتحدث أيضًا عن قطار وصل إلى وجهته وعن تجربة تستحق أن تُقرأ بما حققته على أرض الواقع لا بما رافقها من اختلافات وانتقادات.
صحيح أن الانطلاقة الكبرى لهذا التحول الذي عرفته المدينة ارتبط بالمشروع الملكي لتأهيل المجال الحضري الذي بدأت ملامحه في الولاية السابقة… لكن قيمة التجربة لا تكمن فقط في إطلاق المشاريع بل في القدرة على مواصلة تنزيلها وأجرأة تفاصيلها وتحويلها إلى واقع ملموس يشعر به المواطن والزائر في تفاصيل الحياة اليومية.
لقد عاشت أكادير خلال هذه الولاية تحولًا حضريًا واضح المعالم من خلال تهيئة الطرقات، وتطوير الفضاءات الكبرى وإعادة ترتيب أجزاء من المجال الحضري وتعزيز جاذبية المدينة بوصفها وجهة سياحية تستمد تميزها من موقعها بين البحر وسفح الجبل.
ولعل صيف هذه السنة كان اختبارًا عمليًا مهمًا لقدرة المدينة على استيعاب ضغط سياحي كبير مع استقبالها وفق المعطيات المشار إليها أكثر من مليون ونصف المليون سائح من داخل المغرب وخارجه.
إن استقبال هذا العدد من الزوار ليس مجرد رقم للافتخار بل اختبار حقيقي لها
فحين تستقبل المدينة هذا الحجم من الوافدين تصبح كل تفاصيلها تحت الاختبار: حركة السير والجولان تدبير النفايات جاهزية الفضاءات العامة واستمرارية الخدمات الأساسية، من كهرباء وماء وغيرها.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما عرفته أكادير باعتباره مؤشرًا على أن الاستثمار في تأهيل المجال الحضري ليس ترفًا عمرانيًا ولا مجرد تجميل للواجهات بل شرط أساسي لتعزيز قدرة المدينة على احتضان سكانها وزوارها، والمحافظة على جاذبيتها الاقتصادية والسياحية.
لقد كانت أكادير في هذه المحطة الصيفية أمام امتحان حقيقيوأظهرت قدرتها على استيعاب ضغط متزايد بفضل ما راكمته من تجهيزات وتأهيل حضري. وهي صورة وإن كانت لا تختزل كل جوانب التدبير الجماعي فإنها تمنحنا مدخلًا مهمًا لفهم ما تحقق خلال هذه الولاية.. لا يمكن، بطبيعة الحال، اختزال حصيلة ولاية جماعية كاملة في المشاريع المنجزة أو في موسم سياحي ناجح.
إن ما أنجز كان له الدور أيضا
لهذه المعارضة اليقظة الننشيطة الحادة في مساءلتها، والقادرة على ممارسة أدوار المراقبة والتقييم.
فالمعارضة ليست خصمًا للتنمية، كما أن الأغلبية ليست معصومة من الخطأ.. ومن هذا المنطلق فإن الاعتراف بما تحقق لا يلغي حق المعارضة في النقد،كما أن تسجيل الاختلالات لا ينبغي أن يحجب كل ما أُنجز. فالإنصاف الحقيقي هو أن نضع الحصيلة في ميزان موضوعي نميز فيه بين النجاحات والإخفاقات وبين ما تحقق بفضل قرارات المجلس وما يعود إلى برامج سابقة أو تدخلات شركاء آخرين.
ولعل ما استوقفني أيضا في هذه المحطة هو تجربة النقل المباشر لأشغال الندوة الصحفية بما يتيحه ذلك من توسيع دائرة الاطلاع على النقاش العمومي ومنح المواطنين والإعلاميين فرصة متابعة ما يقدمه المسؤولون من توضيحات ومعطيات.
لقد جئت إلى هذه الندوة وفي ذهني أسئلة الأمس وغادرتها وأنا أكثر استعدادًا للاعتراف بما رأيته جديرًا بالاعتراف…
لا أقول إن كل شيء كان مثاليًا ولا أنّ كل الانتظارات تحققت لكنني أقول إن أكادير عرفت خلال هذه الولاية مسارًا من التأهيل الحضري يستحق الاعتراف وإن بعض المشاريع انتقلت من مستوى التصور إلى واقع ملموس وإن حصيلة التجربة تستحق أن تُناقش بميزان النتائج لا بمنطق الأحكام المسبقة..شكرًا لكل من ساهم في هذا المسار من موقع المسؤولية أو التنفيذ أو المواكبة.
وشكرًا أيضًا لكل صوت معارض أو ناقد أسهم في إبقاء الأسئلة مفتوحة لأن التنمية لا تحتاج إلى التصفيق وحده بل إلى النقد الذي يصحح والمحاسبة التي تحمي والاعتراف الذي ينصف.
لأن الإنصاف ليس أن نتوقف عن النقد بل أن نمتلك الشجاعة لنقول الحقيقة كاملة:
حين تكون هناك إخفاقات نكشفها وحين تكون هناك إنجازات نعترف بها…
- يوسف غريب كاتب صحفي

