- بقلم الأستاذ: أبرايم إدريس //
في صحاري شمال إفريقيا الواسعة، حيث الرياح تداعب حبيبات الرمل لتشكل منها كثباناً شامخةً كبحر من أمواج ذهبية، كلوحة فنية فريدة لا تمل الرياح من إعادة رسمها في كل يوم. حول هذه الأمواج الذهبية تتناثر صخور سوداء كأنها جثث هامدة تحت سماء صافية تسكب لهيبها وسياط أشعتها التي تصهر الأنفاس وتجفف العروق، محولة الأرض إلى متاهة صامتة تبتلع الأثر ومسرحاً مفتوحاً للعزلة والبطش. يالها من قسوة مطلقة تعري الكائن من كل أبهة لتضعه وجهاً لوجه أمام عظمة العدم حيث لا قانون سوى قانون البقاء لمن يستطيع ترويض هذا الجحيم الممتد في كل مكان. لكن حين تبلغ شمس النهار ذروة جبروتها، تبدأ طقوس التحول العظيم فتتدرج السماء من الأزرق الصافي مروراً بالأحمر القرمزي، وصولاً إلى البنفسجي الغامق قبل أن يلقي الليل ظلامه الدامس في كل الأرجاء، لتبدأ الصحراء في نسج تفاصيل فصل جديد من الصمت العميق، وتبدأ سيمفونية الحياة الليلية المدهشة.
في قلب هذا المشهد الليلي الساحر، يبرز كائن فريد ليخرج من جحره ويتربع على عرش الكثبان الذهبية، إنه قط الرمال “Felis margarita”، شبح الصحراء الجميل ورمز صمودها الأبدي.
في شهر يونيو الماضي، قامت صفحة “Moha Géographique”، وهي صفحة مختصة في توثيق الحياة البرية في الصحراء المغربية، بنشر مجموعة من الصور والفيديوهات الحصرية لقط الرمال في صحراء مرزوكة على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعي. أثار هذا النشر نقاشاً واسعاً وردود فعل لا سيما بين المهتمين بالقضايا البيئية، نظراً لأن صاحب الصفحة توفق -بعد ليالٍ متواصلة من الرصد والتتبع المستمر لآثار الأقدام على الرمال- في توثيق وتصوير عائلة كاملة لقط الرمال مكونة من أم وخمسة من صغارها في صحاري مرزوكة جنوب شرق المغرب.
تعود تسمية قط الرمال “Felis margarita” إلى قصة اكتشافه للمرة الأولى سنة 1858 من طرف جنرال القوات الفرنسية Jean Auguste Margueritte في صحراء الجزائر.

ينتمي قط الرمال إلى فصيلة السنوريات، ويتميز هذا القط البري بمجموعة من الخصائص البيولوجية والفيزيولوجية والسلوكية التي تمكنه من التكيف بشكل مذهل مع المناخ الصحراوي القاسي؛ إذ لا يتجاوز وزنه ثلاثة كيلوغرامات، إضافة إلى جسم منخفض مع رأس عريض يضم أذنين كبيرتين تمنحانه حاسة سمع رهيبة تمكنه من تتبع فرائسه في الظلام الحالك.
يمتاز هذا السنوري الصغير بأطراف قصيرة نسبياً مع شعر كثيف يغطي باطن قوائمه كعازل حراري يحميه من رمال الصحراء الحارقة، وتنتهي أصابعه بمخالب حادة تستخدم في تسلق الصخور والدفاع عن النفس والإجهاز على الفرائس التي يصطادها. كما يكسوه فرو بلون رملي مع خطوط باهتة تمنحه تموهاً استثنائياً مع موطنه الأصلي.
هذا السنوري الصغير يقضي معظم وقته مختبئاً في جحره، فهو كائن ليلي بطبعه؛ يقضي النهار مختبئاً في جحور يحفرها ببراعة هرباً من لهيب الشمس، ثم يستأنف نشاطه مع حلول الظلام. بعد بزوغ القمر، يتحول هذا القط الأنيق إلى شبح ليل وآلة قتل فتاكة. حاسة سمعه المتطورة تمكنه من التقاط حركة فرائسه المحتملة تحت طبقات الرمل العميقة، إضافة إلى امتلاكه سرعة ورشاقة تساعده على مطاردة الطرائد والإمساك بها. أما بخصوص قائمة طعامه المفضلة، فتتكون أساساً من مجموعة متنوعة من المصادر الغذائية كالحشرات والطيور والقوارض والزواحف، كما أن جسمه يستطيع التكيف على العيش من دون ماء لأنه يحصل عليه من أنسجة وسوائل أجسام فرائسه.
أما بخصوص التكوين الاجتماعي لهذا السنور، فيميل إلى العزلة التامة، ولا يظهر في التجمعات إلا خلال موسم التزاوج. كما تتميز هذه القطط بأنها طورت وسيلة تواصل فريدة وهي عبارة عن صيحات يمكن سماعها من مسافات بعيدة لجذب الشريك المحتمل؛ فالذكور والإناث لا يلتقون إلا في موسم التكاثر الذي يمتد من يناير إلى أبريل، وتصل مدة الحمل إلى 64 يوماً، وتلد الإناث من صغارين إلى أربعة صغار، وتصل هذه الأخيرة إلى مرحلة النضج الجنسي في عامها الأول.
يصنف الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة “UICN” قط الرمال من الأنواع الحيوانية المهددة بالانقراض بسبب الصيد غير القانوني لهذه السنوريات من أجل بيعها في السوق السوداء، إضافة إلى تأثير التغيرات المناخية على النظم البيئية الصحراوية.
يتربع قط الرمال على عرش السلسلة الغذائية في المجال الصحراوي، حيث يساهم في التحكم في أعداد القوارض والحيوانات الصحراوية الصغيرة، مما يمنع تزايد أعدادها التي قد تؤدي إلى تدهور الغطاء النباتي وانتشار الأمراض، ليقود بذلك دور المفترس الذي يعمل على تنظيم ديناميكية الحياة الحيوانية في بيئة فقيرة الموارد.
بقلم الأستاذ: أبرايم إدريس

