في الحاجة إلى مديرية إقليمية للثقافة.. - اكادير اليوم

في الحاجة إلى مديرية إقليمية للثقافة..

  • شارك الخبر

  • بقلم: الدكتور خالد العيوض //

هناك أقاليم تُقاس ثروتها بما تختزنه أرضها من معادن ومشاريع واستثمارات، وهناك أقاليم أخرى تختزن ثروة من نوع مختلف: ثروة الذاكرة، وثروة الإنسان، وثروة الثقافة والتراث. وإقليم اشتوكة أيت باها ينتمي، دون شك، إلى هذه الأقاليم التي لا يمكن قراءة تاريخها وهويتها من خلال الجغرافتية وحدها، بل من خلال ما راكمه الإنسان فيها من أشكال التعبير، وأنماط العيش، والمعارف، والفنون، والعمارة، والعادات والتقاليد.
إنه إقليم تتقاطع فيه طبقات متعددة من التراث المادي واللامادي والطبيعي؛ إقليم أنجب شعراء وفنانين والروايس، واحتضن المدارس العلمية العتيقة، وشيد مخازن جماعية أصبحت اليوم من أبرز رموز العمارة الأمازيغية، وحافظ على أشكال فنية وشعرية لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية. وهو، في الوقت نفسه، إقليم يعرف تحولات ديمغرافية واقتصادية واجتماعية عميقة، ويحتاج إلى أن تكون الثقافة جزءاً من مواكبة هذه التحولات، لا أن تظل في هامشها.
ومن المفارقات أن إقليماً بهذه الخصوصيات، وبهذا الرصيد الثقافي والتراثي، لا يتوفر اليوم على مديرية إقليمية للثقافة، بل يظل تدبير عدد من شؤونه الثقافية مرتبطاً بمصالح خارج الإقليم.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل ملحاً: كيف يمكن حماية هذا التراث وتوثيقه وتصنيفه وتثمينه، وكيف يمكن مواكبة الحركة الثقافية المتنامية في الإقليم، دون مؤسسة ثقافية إقليمية قريبة من المجال ومن السكان ومن حاملي هذا التراث؟
اشتوكة أيت باها.. إقليم بخصوصية تراثية استثنائية
حين نتحدث عن الثقافة في اشتوكة أيت باها، فإننا لا نتحدث عن نشاط موسمي أو مهرجان عابر، وإنما عن منظومة ثقافية متكاملة تشكلت عبر قرون.
ففي هذا الإقليم نجد فن أجماك، بما يحمله من خصوصية شعرية وفنية، ومن تقاليد القول والمبارزات الشعرية التي كانت تشكل مناسبات للتنافس والإبداع والحوار بين الشعراء، وتحظى بحضور جماهيري واسع.
وقد أنجبت هذه البيئة الشعرية أسماء عديدة، من بينها الحاج احمد الريح، حماد اودريس، وغيرهما من الشعراء الذين ساهموا في بناء ذاكرة شعرية ةة.
وهذا الموروث، بما يحمله من قيمة فنية واجتماعية وأنثروبولوجية، يحتاج إلى أن ينتقل من التداول الشفهي المهدد بالنسيان إلى التوثيق العلمي، والجمع، والتسجيل، والدراسة، والتعريف.
تيرويسا.. أسماء من ذاكرة اشتوكة
ولا يمكن الحديث عن الثقافة في اشتوكة أيت باها دون استحضار فن الروايس أو تيرويسا، الذي أنجب الإقليم من رموزه ما تجاوز إشعاعه المجال المحلي إلى مختلف مناطق المغرب وخارجه.
ومن أبرز هذه الأسماء المرحوم الرايس بوبكر أنشاد، الفنان الأصيل الذي ترك رصيداً غنائياً ظل حاضراً في الذاكرة الفنية، وتناقلته المجموعات الغنائية، وأعاد أداء العديد من أعماله فنانون آخرون.
وتكمن أهمية تجربته في الألحان والكلمات والموضوعات التي تناولها، بما فيها بعض القصص والحكايات التي منحها صيغة غنائية، وهو ما يجعل تجربته مادة خصبة للبحث والتوثيق والدراسة.
ثم هناك المرحوم الرايس سعيد أشتوك، الذي يحمل اسم الإقليم في اسمه الفني، وكأن اشتوكة أيت باها ظلت حاضرة في هويته الفنية أينما حل وارتحل.
لقد كان المرحوم سعيد أشتوك واحداً من الأسماء البارزة في عالم الروايس، وكانت له علاقات فنية وإنسانية مع أسماء كبيرة من قبيل المرحوم الحاج عمر أهروش والمرحوم الحاج محمد ألبنسير والمرحوم الحاج المهدي بن مبارك وغيرهم، في زمن كانت فيه المجالس والسهرات فضاءات حقيقية للتفاعل والإبداع وتبادل التجارب.
وقد اشتهر المرحوم سعيد أشتوك بالشعر الاجتماعي والغزلي، وخلّف قصائد وألحاناً ظلت حاضرة في الذاكرة، وتغنت بها مجموعات غنائية وفنانون آخرون، ومن بينها أعمال مثل “أتبيرا زروال”.
وما يزيد هذا التراث قيمة أن هناك اليوم رواة وفنانين لا يزالون يحفظون جانباً من هذا الموروث ويؤدونه، ومن بينهم الرايس أحمد أو ماست، الذي يمثل حلقة حية بين ذاكرة الماضي وحاضر الفن.
جانطي.. حين كان الشعر أداة للمقاومة
وإذا كان الرايس سعيد أشتوك رحمة الله عليه يمثل جانباً من الشعر الاجتماعي والغزلي، فإن المرحوم الرايس الحسين جانطي يمثل وجهاً آخر من وجوه قوة الكلمة.
إنه شاعر المقاومة، الذي ارتبط شعره بفترة الاستعمار الفرنسي، وكانت قصائده تتداول بين الناس وتنتقل من الأسواق إلى الدواوير، حاملة رسائلها ومواقفها.
لقد كان الشعر آنذاك وسيلة للتعبير والمقاومة وحفظ الذاكرة، ولذلك كانت بعض القصائد تثير القلق لدى سلطات الاستعمار، لأنها كانت تصل إلى الناس بطريقة لا تحتاج إلى منبر أو صحيفة.
واللافت أن جزءاً كبيراً من هذا التراث لم يدخل المؤسسات الرسمية، بل ظل محفوظاً في ذاكرة الناس، وفي تسجيلات متفرقة جُمعت في الأسواق والأعراس والساحات والتجمعات، خصوصاً خلال فصل الصيف، عندما يعود المهاجرون إلى دواويرهم.
وهنا تحديداً تكمن مسؤولية المؤسسة الثقافية: إنقاذ الذاكرة قبل رحيل حامليها.
أهياض.. تعبير آخر عن غنى المجال
وإلى جانب أجماك وتيرويسا، نجد فن أهياض في عدد من مناطق الساحل، خصوصاً بالمجال الممتد بين ماسة وإنشادن والسوالم وآيت ميمون وتاكاط و بنكمود.
وهو تعبير جماعي يحمل خصوصيات موسيقية وحركية واجتماعية، ولا تزال بعض مظاهره حاضرة رغم التحولات التي عرفها المجتمع.
إن توثيق هذا الفن وغيره من التعبيرات المحلية ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو عمل استعجالي، لأن بعض عناصر التراث اللامادي قد تختفي بمجرد رحيل آخر من يحفظ تفاصيلها.
إيكيدار.. عمارة جماعية مهددة
أما في مجال التراث المادي، فإن إيكيدار أو المخازن الجماعية تشكل واحداً من أبرز وجوه الخصوصية المعمارية والاجتماعية للإقليم.
فهي ليست مجرد بنايات لتخزين المؤن، وإنما مؤسسات اجتماعية وتجليات مادية لنظام جماعي في التنظيم والتدبير والحماية.
وقد استفاد بعضها من الترميم، فيما لا تزال مخازن أخرى تعاني من التدهور، وبعضها يعيش فعلاً آخر أيامه.
وإذا لم نتدخل اليوم، فقد نجد أنفسنا غداً أمام تراث فقدناه إلى الأبد.
ولهذا فإن حماية إيكيدار تستوجب جرداً شاملاً، وتصنيفاً، وترميماً، وتثميناً، وربط هذه المعالم بمسارات السياحة الثقافية والبحث العلمي.
المدارس العتيقة.. خزانات للذاكرة
وتحتضن اشتوكة أيت باها كذلك مدارس علمية عتيقة لا يمكن اختزال دورها في تلقين القرآن الكريم والمتون.
فهي فضاءات للعلم، وخزانات للكتب والمخطوطات والوثائق، وشواهد على تاريخ الحركة العلمية بالمنطقة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع خاص لجرد هذه الخزانات، وفهرسة محتوياتها، ورقمنة المخطوطات والوثائق، وحمايتها من التلف والضياع، وإتاحتها للباحثين وفق الضوابط العلمية المعمول بها.
الواحات والطبيعة جزء من التراث
ولا يكتمل الحديث عن تراث الإقليم دون الحديث عن الواحات والمجالات الطبيعية، من تارڭا نتوشكا وتزي نتاكوشت وصولاً إلى تنالت واوكنز وغيرها من المجالات التي تختزن مشاهد طبيعية وثقافية تشكلت عبر علاقة طويلة بين الإنسان والأرض والماء.
إن هذه المجالات تمثل تراثاً طبيعياً وثقافياً في الوقت نفسه، وتوفر إمكانات كبيرة للسياحة الإيكولوجية والثقافية، وللبحث العلمي، ولتثمين المعارف المحلية المرتبطة بتدبير الموارد الطبيعية.
وهنا أيضاً تحتاج هذه المجالات إلى مؤسسة قريبة قادرة على التنسيق بين مختلف المتدخلين.
لماذا مديرية إقليمية للثقافة؟
إن المطالبة بمديرية إقليمية للثقافة ليست مطالبة إدارية من أجل الإدارة، وإنما هي مطالبة تفرضها طبيعة الإقليم وحجم الأوراش القائمة فيه.
فالإقليم يعرف اليوم أوراشاً مرتبطة بجرد وتصنيف التراث المادي واللامادي، وبالعمل على التعريف بهذه العناصر وطنياً ودولياً، وبالاستعداد لإدراج بعضها ضمن ملفات الاعتراف والتثمين على المستوى الدولي.
كما أن التحولات الديمغرافية الكبرى التي يعرفها الإقليم تفرض توسيع العرض الثقافي والشبابي.
فالكثافة السكانية، والنسبة المهمة من الشباب، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها مناطق مثل أيت عميرة وسيدي بيبي وبيوكرى وغيرها، كلها تجعل الثقافة جزءاً من سياسة عمومية شاملة، وليست مجرد نشاط تكميلي.
إننا لا نتحدث فقط عن قاعات للعرض، وإنما عن فضاءات للتكوين والإبداع، وعن مراكز للشباب، وعن دور للثقافة، وعن تأطير للمواهب، وعن صناعة ثقافية قادرة على خلق فرص اقتصادية جديدة.
الثقافة لم تعد ترفاً
لقد تغير مفهوم الثقافة في العالم.
فالثقافة اليوم جزء من الاقتصاد، ومن السياحة، ومن التنمية، ومن الاستثمار في الإنسان. والصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت قطاعاً قائماً بذاته، يمكن أن ينتج فرصاً للشغل والثروة، خصوصاً في المجالات التي تتوفر على رصيد تراثي غني.
واشتوكة أيت باها تتوفر على كل مقومات بناء نموذج محلي في هذا المجال: الموسيقى، الشعر، الرواية الشفوية، العمارة، المخطوطات، الصناعات التقليدية، الواحات، الذاكرة الجماعية، والمجالات الطبيعية.
لكن هذه الثروة تحتاج إلى مؤسسة تجمع الخيوط، وتنسق المبادرات، وتواكب المشاريع، وتفتح قنوات التواصل مع المؤسسات الوطنية والدولية.
ورش مركز تأهيل وتثمين تراث إيكيدار
ومن الملفات التي تستحق معالجة عاجلة مركز تأهيل وتثمين تراث إيكيدار بأيت باها.
فهذا الورش، الذي مر عليه وقت طويل وقطعت فيه مراحل متعددة، ما زال ينتظر الانتقال إلى مرحلة الإنجاز الفعلي، رغم أهمية المشروع بالنسبة إلى الإقليم وتراثه.
إن استمرار التأخير لسنوات يطرح أكثر من سؤال، ويستوجب توضيحاً مؤسساتياً للرأي العام المحلي حول أسباب التعثر، وما تم إنجازه، وما تبقى، والآجال المنتظرة لاستكمال المشروع.
فالتراث لا يحتمل التسويف، لأن الزمن يعمل أحياناً ضده.
نحو سياسة ثقافية تقوم على القرب
لقد آن الأوان للانتقال من منطق تدبير الثقافة من بعيد إلى منطق سياسة القرب الثقافي.
فالمسؤول الثقافي الإقليمي لا ينبغي أن ينتظر أن تصل إليه قضايا التراث، وإنما ينبغي أن يكون قريباً من الدواوير، والجماعات، والجمعيات، والباحثين، والفنانين، وحاملي الذاكرة.
إن القرب هنا ليس مجرد مسافة جغرافية، بل هو قدرة على الاستماع والتدخل والمواكبة والتنسيق.
وإقليم بحجم اشتوكة أيت باها، وبهذه التحولات وهذه الخصوصيات، يحتاج إلى إدارة ثقافية قريبة، وإلى موارد بشرية قادرة على مواكبة هذه الأوراش.
توصيات ترافعية
انطلاقاً من كل ما سبق، فإن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد تشخيص لوضع ثقافي، وإنما أصبح يستدعي ترافعاً مؤسساتياً واضحاً من أجل:
أولاً: إحداث مديرية إقليمية للثقافة بإقليم اشتوكة أيت باها، أو إعادة إحداث مصلحة إقليمية متكاملة للثقافة في مرحلة أولى، تتوفر على الموارد البشرية والوسائل الضرورية.
ثانياً: إعداد خريطة إقليمية للتراث تشمل التراث المادي واللامادي والطبيعي، مع تحديد المعالم والتعبيرات المهددة بالاندثار وترتيب الأولويات.
ثالثاً: إطلاق برنامج استعجالي لتوثيق أجماك وتيرويسا وأهياض، وجمع التسجيلات والقصائد والروايات الشفوية المرتبطة بروادها، قبل أن تضيع أجزاء مهمة من هذه الذاكرة.
رابعاً: وضع برنامج خاص لحماية إيكيدار والمخازن الجماعية، وترميم المهدد منها، وربطها بمسارات البحث العلمي والسياحة الثقافية.
خامساً: جرد وفهرسة ورقمنة مخطوطات ووثائق المدارس العلمية العتيقة بالإقليم، باعتبارها جزءاً من الذاكرة العلمية الوطنية.
سادساً: تسريع إنجاز مركز تأهيل وتثمين تراث إيكيدار بأيت باها، مع الكشف عن أسباب التأخير وتحديد جدول زمني واضح لاستكماله.
سابعاً: توسيع شبكة الفضاءات الثقافية والشبابية بالإقليم، وتأهيل القاعات ودور الشباب القائمة، وإحداث فضاءات جديدة تتناسب مع الكثافة السكانية والحاجيات المتزايدة للشباب.
ثامناً: إدماج التراث في التنمية الاقتصادية والسياحة الثقافية والصناعات الإبداعية، وتحويل الرصيد الثقافي المحلي إلى فرص للتكوين والتشغيل وإنتاج الثروة.
تاسعاً: دعوة النواب البرلمانيين والمنتخبين والجماعات الترابية والفعاليات المدنية والثقافية إلى تشكيل جبهة ترافعية مؤسساتية ومدنية للدفاع عن إحداث المديرية وتسريع المشاريع الثقافية المتوقفة.
عاشراً: اعتماد مقاربة تشاركية تجعل الباحثين والفنانين وحاملي الذاكرة والجمعيات المحلية شركاء في وضع السياسة الثقافية بالإقليم، لا مجرد مستفيدين من أنشطتها.
كلمة أخيرة
إن اشتوكة أيت باها لا تعاني من فقر في التراث؛ بل ربما تعاني من فقر في المؤسسات القادرة على مواكبة ثراء هذا التراث.
لدينا الشعر، ولدينا أجماك، ولدينا تيرويسا، ولدينا جانطي وسعيد أشتوك وبوبكر أنشاد وغيرهم من الأسماء التي صنعت جزءاً من الذاكرة الفنية؛ ولدينا إيكيدار، والمدارس العتيقة، والمخطوطات، والواحات، والمعارف المحلية، ولدينا جيل جديد من الشباب يحتاج إلى فضاءات يبدع فيها ويكتشف هذا الرصيد ويعيد إنتاجه.
لذلك فإن مطلب مديرية إقليمية للثقافة ليس مطلباً قطاعياً ضيقاً، وإنما هو جزء من الإنصاف المجالي، ومن حماية الذاكرة، ومن الاستثمار في الإنسان، ومن بناء مستقبل ثقافي واقتصادي جديد للإقليم.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الثقافة في اشتوكة أيت باها من وضع الانتظار إلى وضع الفعل، ومن تدبير القرب من خارج الإقليم إلى مؤسسة ثقافية موجودة بين أهله، تعرف تراثه، وتواكب فاعليه، وتحمي ذاكرته، وتفتح أمام شبابه أبواب المستقبل.
فحين يكون التراث بهذا الغنى، تصبح المؤسسة التي تحميه وتثمنه ضرورة، لا ترفاً.

د. خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث، اولاد ميمون، أشتوكة ايت باها

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

الثقافة

 المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يخلد ربع قرن على خطاب أجدير التاريخي: بين حصيلة المأسسة ورهانات المستقبل

الثقافة

شعر : جواب الإدارة من خلف الستارة..

الثقافة

عودة إلى ابن بطوطة

الثقافة

في الحاجة إلى مديرية إقليمية للثقافة..

الثقافة

مهرجان إسني ن ورغ 2026 : فيلم «ڭندافة» لعلي بنجلون يفوز بالجائزة الكبرى ويحصد ثلاث جوائز