لماذا يجب أن يذهب الأحرار إلى المعارضة؟ - اكادير اليوم

لماذا يجب أن يذهب الأحرار إلى المعارضة؟

  • شارك الخبر

إذا انتهت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة إلى بناء أغلبية يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب أحزاب من مكونات ما يمكن وصفه بالكتلة الديمقراطية، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه بقوة هو: هل من مصلحة التجمع الوطني للأحرار أن يشارك في هذه الحكومة، أم أن موقعه الطبيعي والسياسي في هذه الحالة هو المعارضة؟ الجواب، من وجهة نظر سياسية، يبدو أقرب إلى الخيار الثاني.

فالتجمع الوطني للأحرار خرج من انتخابات 23 شتنبر قوة سياسية وازنة، حتى وإن لم يتصدر الاقتراع. وبالتالي، لا يتعلق الأمر بحزب صغير يبحث عن موقع داخل الحكومة بأي ثمن، بل بتنظيم يمتلك قاعدة انتخابية وبرلمانية، وتجربة في قيادة الحكومة خلال الولاية السابقة، وبرنامجاً سياسياً يمكنه الدفاع عنه من موقع الأغلبية أو المعارضة.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه مشاورات تشكيل الحكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، ظهرت أصوات داخل الأصالة والمعاصرة ترفض مشاركة الأحرار في الأغلبية المقبلة، في مقابل تيار داخل التجمع يدافع عن خيار المشاركة. كما تتواصل المشاورات مع أحزاب أخرى، بينها التقدم والاشتراكية، الذي فوض قيادته مواصلة التفاوض بشأن إمكانية المشاركة.

لكن المشاركة الحكومية ليست غاية في حد ذاتها. ففي السياسة، قد تكون المعارضة أحياناً أكثر فائدة للحزب من دخول حكومة لا يملك فيها شروط التأثير الحقيقي.

أول الأسباب يتعلق بـاحترام منطق المسؤولية السياسية. فإذا اختار البام تشكيل أغلبية جديدة مع أحزاب أخرى، فمن الطبيعي أن يتحمل هذا التحالف مسؤولية برنامجه ونتائجه أمام المواطنين. أما توسيع الحكومة لتضم تقريباً كل القوى الكبرى، فإنه قد يضعف الحدود بين الأغلبية والمعارضة، ويجعل المحاسبة السياسية أكثر صعوبة.

وثاني الأسباب أن الأحرار يحتاجون، بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة، إلى مساحة سياسية تمكنهم من تقييم تجربتهم السابقة وإعادة بناء خطابهم وبرنامجهم. المعارضة ليست خروجاً من المشهد، بل مؤسسة دستورية وسياسية أساسية تستطيع من خلالها الأحزاب مراقبة الحكومة، واقتراح البدائل، ومساءلة الوزراء والدفاع عن اختياراتها أمام الرأي العام.

بل إن انتقال الأحرار إلى المعارضة قد يساعدهم على استعادة استقلاليتهم السياسية. فالمشاركة في حكومة يقودها منافسهم الرئيسي، ووفق برنامج قد لا يكون امتداداً لأولوياتهم، يمكن أن تجعل الحزب يتحمل مرة أخرى كلفة قرارات لم يكن صاحب المبادرة الأساسية فيها.

وهناك أيضاً مسألة الوضوح أمام الناخبين: فالناخب يحتاج إلى معرفة من يحكم ومن يعارض. وإذا اجتمعت الأحزاب الرئيسية كلها تقريباً في الحكومة، فمن سيقوم بوظيفة الرقابة السياسية؟ ومن سيقدم البديل؟ ومن سيحاسب الأغلبية؟

الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى حكومة قوية، بل تحتاج أيضاً إلى معارضة قوية: ومن هذا المنظور، يمكن أن يشكل وجود التجمع الوطني للأحرار في المعارضة عنصر توازن داخل البرلمان، خصوصاً أنه يمتلك تجربة حكومية حديثة وقدرة تنظيمية وبرلمانية تسمح له بممارسة معارضة مبنية على الأرقام والبرامج، لا على الشعارات وحدها.

ثم إن الأحرار سيكونون أكثر حرية في الدفاع عن حصيلة الحكومة السابقة التي قادوها. فقد كانت حكومة 2021–2026 حكومة ائتلافية جمعت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، وبالتالي فإن مسؤولية حصيلتها كانت مشتركة بين مكوناتها، إيجاباً وسلباً.

وإذا اختار بعض شركاء الأمس تشكيل تحالف جديد وإبعاد الأحرار أو تقليص دورهم داخله، فالأكثر انسجاماً سياسياً أن يترك التجمع لتلك الأغلبية فرصة الحكم كاملة، وأن يحتفظ لنفسه بحق تقييم عملها ومحاسبتها.

أما المشاركة لمجرد البقاء داخل الحكومة فقد تحمل مخاطر أكبر من مكاسبها:  فالحزب الذي يدخل حكومة لا يقودها ينبغي أن يسأل نفسه: هل سيكون شريكاً فعلياً في القرار، أم مجرد رقم لإكمال الأغلبية؟ هل سيستطيع تنفيذ برنامجه، أم سيجد نفسه يدافع بعد خمس سنوات عن حصيلة سياسية صاغها الآخرون؟

لهذا قد يكون قرار المعارضة، إذا تشكلت الحكومة من البام وحلفائه الجدد، قراراً استراتيجياً وليس انكفاءً:  الأحرار يستطيعون من المعارضة إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتجديد نخبه وخطابه، ومواصلة الدفاع عن المشاريع الاجتماعية والاقتصادية التي أطلقوها عندما كانوا يقودون الحكومة، وفي الوقت نفسه تقديم بدائل لأي اختيارات حكومية يرون أنها لا تخدم البلاد.

والأهم أن هذا الخيار يعيد إلى الحياة السياسية واحداً من شروطها الأساسية: وجود أغلبية تحكم وتتحمل المسؤولية، ومعارضة تراقب وتقترح وتستعد لتقديم البديل.

فليس مطلوباً من حزب حصل على ثقة جزء مهم من الناخبين أن يكون في الحكومة بأي ثمن:  وأحياناً يكون الجلوس في مقاعد المعارضة، مع الحفاظ على الاستقلالية والوضوح السياسي، أفضل بكثير من الجلوس داخل حكومة لا يقودها الحزب ولا يستطيع أن يطبع قراراتها ببصمته.

إذا اختار البام تشكيل أغلبية من دونه، فليحكم ويتحمل مسؤوليته. وليذهب الأحرار إلى المعارضة ليمارسوا دورهم كاملاً: مراقبةً، واقتراحاً، واستعداداً للاستحقاق المقبل..

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

السياسة

لماذا يجب أن يذهب الأحرار إلى المعارضة؟

السياسة

بنكيران يناضل ضد الوهم… وضد حزبه: بعد الإساءة إلى العثماني، إلى أين يقود خطاب التجريح؟

السياسة

بين التملص من المسؤولية المشتركة واحترام إرادة الناخبين: لماذا أصبح الأحرار مصدر قلق للبام والإستقلال

السياسة

بجهة سوس ماسة: عندما يُساق المنتخَبون بالإكراه السياسي لتأديب الرئاسة

الرأي

لماذا يحاكم سعد الدين العثماني اليوم!؟