بنكيران يناضل ضد الوهم… وضد حزبه: بعد الإساءة إلى العثماني، إلى أين يقود خطاب التجريح؟ - اكادير اليوم

بنكيران يناضل ضد الوهم… وضد حزبه: بعد الإساءة إلى العثماني، إلى أين يقود خطاب التجريح؟

  • شارك الخبر

لا أحد ينازع عبد الإله بنكيران حقه في الاختلاف، ولا في الدفاع عن مواقفه السياسية والحزبية، ولا حتى في توجيه النقد القاسي إلى خصومه أو رفاقه. لكن السياسة، خصوصاً حين تصدر عن أمين عام حزب ورئيس حكومة سابق، ليست مجرد انفعال عابر أو كلمات تلقى في لحظة غضب؛ إنها مسؤولية في الخطاب وفي الصورة التي تقدمها الممارسة السياسية للمجتمع.

الخرجة الأخيرة لبنكيران في حق سعد الدين العثماني أعادت طرح السؤال نفسه: إلى متى تستمر لغة التقريع والتجريح في المجال السياسي؟

خلال لقاء حزبي بالنواصر، خاطب بنكيران سعد الدين العثماني بعبارات حادة، داعياً إياه إلى «لزوم بيته» والعودة إلى الانشغال بالشؤون العلمية، في سياق حديثه عن مشاركة العثماني في أنشطة مرتبطة بالحزب وما يعتبره بنكيران تشويشاً على قيادته الحالية.

والمفارقة أن المستهدف هذه المرة ليس خصماً سياسياً، بل سعد الدين العثماني؛ الرجل الذي قاد حزب العدالة والتنمية، وترأس الحكومة باسم الحزب، وتحمل في مرحلة شديدة التعقيد مسؤوليات سياسية لا يمكن اختزالها في جملة أو واقعة واحدة.

العثماني، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع تجربته الحكومية، عرف في الحياة السياسية المغربية بهدوء الخطاب وبابتعاده غالباً عن لغة السب والتجريح. والأهم أنه لم يكن شخصاً غريباً عن مسار العدالة والتنمية، بل كان أحد أبرز قادته لعقود. بل إن بنكيران نفسه سبق أن تحدث عنه بتقدير كبير، مشيداً بدبلوماسيته ومرونته ودوره في تدبير الحزب وتحسين صورته.

من هنا يصبح السؤال مشروعاً: ماذا يريد بنكيران بالضبط من هذه المعارك المتلاحقة؟

فالسياسة لا يمكن أن تتحول إلى عملية مستمرة للبحث عن خصم جديد. مرة في الأغلبية، ومرة في المعارضة، ومرة في حزب منافس، ثم يصل الأمر إلى رفاق الأمس داخل التنظيم نفسه. عندما يصبح الخطاب قائماً على الخصومات أكثر مما يقوم على الأفكار والبرامج، يبدو السياسي وكأنه يخوض حرباً ضد أشباح يصنع بعضها بنفسه.

والأخطر أن هذه الطريقة قد لا تسيء إلى العثماني بقدر ما تسيء إلى حزب العدالة والتنمية نفسه. فما الرسالة التي تصل إلى مناضليه عندما يرى أمينه العام يطلب من أمين عام سابق ورئيس حكومة سابق أن يلزم بيته؟ وهل الاختلاف في التقدير السياسي أصبح مبرراً لإقصاء رموز الحزب من فضائه العام؟

إن الأحزاب القوية لا تمحو تاريخها كلما تغيرت قيادتها، ولا تقدم كل مرحلة سابقة باعتبارها خطأ يتعين التخلص من أصحابها. بل تناقش التجارب، وتنتقد الأخطاء، وتتحمل المسؤولية الجماعية عنها.

وفي حالة العثماني تحديداً، لا يمكن تحميل رجل واحد كل ما وقع أثناء مرحلة توليه رئاسة الحكومة، ثم إعفاء الحزب وقياداته ومؤسساته من المسؤولية السياسية. القرارات الكبرى التي اتخذت في تلك المرحلة كانت ضمن سياق دولة ومؤسسات وأغلبية وحزب، وليست قصة فرد يمكن تعليق كل النتائج على كتفيه.

ويحسب لبنكيران أنه عاد، بعد الجدل الذي أثارته تصريحاته، ليصدر توضيحاً أكد فيه أنه يكن للعُثماني «التقدير والاحترام والود»، وأن الإساءة لم تكن مقصودة، طالباً منه العذر إن كانت دعوته إلى لزوم البيت قد حملت إساءة.

لكن الاعتذار، على أهميته، لا يلغي السؤال الأكبر: لماذا تتكرر أصلاً الخرجات التي تحتاج بعد ذلك إلى توضيحات واعتذارات؟

عبد الإله بنكيران سياسي له حضور جماهيري وقدرة واضحة على التواصل، وهي عناصر صنعت جزءاً كبيراً من قوته السياسية. لكن القوة الخطابية تتحول إلى عبء حين لا تضبطها حدود المؤسسة والاحترام السياسي. فالكلمة الجارحة تنتشر أسرع بكثير من التوضيح الذي يأتي بعدها.

لقد بلغ بنكيران مرحلة في مساره السياسي لم يعد محتاجاً فيها إلى إثبات أنه قادر على رفع صوته أو مهاجمة خصومه. ما يحتاجه حزب سياسي يسعى إلى استعادة موقعه هو خطاب يجمع، وبرنامج يقنع، ونقد ذاتي هادئ للتجربة، لا فتح جبهات داخلية جديدة.

قد يعتقد بنكيران أنه يناضل ضد خصوم حزبه، لكنه، عندما تتحول سهامه إلى قيادات الحزب نفسها، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

هل ما يزال بنكيران يقاتل خصوم العدالة والتنمية، أم أنه بدأ، من حيث يدري أو لا يدري، يقاتل حزبه وتاريخه ورجاله؟

فالاختلاف مع سعد الدين العثماني حق، ومراجعة تجربته السياسية أمر مشروع، بل مطلوب. أما تحويل الاختلاف إلى عبارات جارحة وإلى محاكمات علنية لرفاق الأمس، فليس في مصلحة الحزب ولا في مصلحة السياسة المغربية.

السياسة تحتاج إلى النقد، نعم؛ لكنها تحتاج أيضاً إلى قدر من الوقار. وبين النقد والتجريح مسافة يجب على رجل بتجربة عبد الإله بنكيران أن يكون أول العارفين بها.

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

السياسة

لماذا يجب أن يذهب الأحرار إلى المعارضة؟

السياسة

بنكيران يناضل ضد الوهم… وضد حزبه: بعد الإساءة إلى العثماني، إلى أين يقود خطاب التجريح؟

السياسة

بين التملص من المسؤولية المشتركة واحترام إرادة الناخبين: لماذا أصبح الأحرار مصدر قلق للبام والإستقلال

السياسة

بجهة سوس ماسة: عندما يُساق المنتخَبون بالإكراه السياسي لتأديب الرئاسة

الرأي

لماذا يحاكم سعد الدين العثماني اليوم!؟