بين التملص من المسؤولية المشتركة واحترام إرادة الناخبين: لماذا أصبح الأحرار مصدر قلق للبام والإستقلال - اكادير اليوم

بين التملص من المسؤولية المشتركة واحترام إرادة الناخبين: لماذا أصبح الأحرار مصدر قلق للبام والإستقلال

  • شارك الخبر

لم يكن الصراع الذي ظهر بين مكونات الأغلبية الحكومية السابقة، مع اقتراب انتخابات شتنبر 2026، مجرد تنافس انتخابي عابر بين ثلاثة أحزاب تستعد للعودة إلى صناديق الاقتراع.

فقد طرح سلوك بعض مكونات التحالف سؤالين سياسيين أكثر عمقاً: أين تنتهي مشروعية التمايز الانتخابي، وأين يبدأ التنصل من المسؤولية الحكومية المشتركة؟ ثم إلى أي حد ينبغي أن تحترم ترتيبات ما بعد الانتخابات الوزن الذي منحه الناخبون لكل حزب؟

طوال الولاية الحكومية 2021-2026، لم يكن التجمع الوطني للأحرار يحكم منفرداً. فقد تشكلت الأغلبية من الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، وتقاسمت الأحزاب الثلاثة الحقائب الوزارية والقرار السياسي والمسؤولية عن السياسات العمومية.

لذلك يصبح من الصعب سياسياً أن يدافع كل حزب عن إنجازات وزرائه، ثم يحمل رئيس الحكومة وحزبه وحدهما تكلفة الاختلالات أو القرارات غير الشعبية.

حكومة واحدة تعني مسؤولية مشتركة

هذه هي النقطة الأولى التي ينبغي استحضارها عند قراءة الهجمات التي تعرض لها التجمع الوطني للأحرار في الشهور السابقة للانتخابات.

فالأصالة والمعاصرة والاستقلال لم يكونا في المعارضة خلال ولاية عزيز أخنوش، وإنما كانا في قلب الحكومة. شاركا في المجالس الحكومية، وتحمل وزراؤهما مسؤوليات قطاعات أساسية، وصوتت أغلبيتهما البرلمانية على القوانين والميزانيات والبرامج الحكومية. ومن ثم، فإن الحصيلة، إيجابية كانت أو سلبية، لا يمكن اختزالها سياسياً في حزب واحد.

يمكن لكل شريك أن يقول إنه اختلف حول قرار أو ملف معين، ويمكنه أن يقدم رؤيته البديلة للمرحلة المقبلة، لكن هناك فارقاً كبيراً بين الاختلاف داخل التحالف وبين محاولة إعادة كتابة خمس سنوات من الحكم وكأن طرفاً واحداً حكم بينما كان الطرفان الآخران مجرد مراقبين ومتفرجين. وهنا يبرز مبدأ جوهري في الديمقراطية: المسؤولية تسبق المحاسبة. ومن شارك في القرار مطالب بأن يتحمل حصته من نتائجه.

عندما يبدأ الحليف في التصرف كمعارض

مع اقتراب استحقاقات شتنبر 2026، أخذت المسافة بين مكونات الأغلبية تتسع، وظهرت ملفات انتقل فيها الخلاف من داخل المؤسسات الحكومية إلى المجال السياسي والإعلامي.

لم يعد الأمر يتعلق فقط باختلافات تقنية، وإنما أصبح واضحاً أن كل حزب بدأ يستعد للانتخابات باعتباره منافساً للحزبين الآخرين.وهذا أمر طبيعي في حد ذاته. فالأحزاب تتحالف لتشكيل الحكومات، لكنها تبقى متنافسة انتخابياً.

غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول التنافس إلى محاولة للاستفادة من نجاحات التجربة والتنصل من إخفاقاتها.

هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل كان النقد الموجه إلى الأحرار نابعاً فقط من تقييم سياسي للحكومة، أم أن جزءاً منه كان محاولة لإضعاف المنافس الذي كان يقود الأغلبية ويملك حضوراً تنظيمياً وانتخابياً مهماً؟

الأحرار لم يكونوا مجرد رئيس حكومة

لفهم حجم المنافسة ينبغي العودة إلى انتخابات 2021. ففي ذلك الاقتراع منح الناخبون التجمع الوطني للأحرار المرتبة الأولى بـ102 مقعد، مقابل 87 للأصالة والمعاصرة و81 للاستقلال. وفي النظام الدستوري المغربي، يكتسي تصدر الانتخابات أهمية خاصة، لأن الفصل 47 من الدستور ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها.

وهكذا لم يصل الأحرار إلى رئاسة الحكومة نتيجة ترتيب سياسي بين الأحزاب فقط، بل بعد حصولهم على المرتبة الأولى في الانتخابات. وهذه نقطة مهمة في النقاش.

فحين يتم تقييم حكومة 2021-2026، لا يمكن تجاهل أن الناخبين أعطوا الحزب الأول تفويضاً انتخابياً لقيادة المرحلة، ثم انضمت إليه أحزاب أخرى لتشكيل الأغلبية. ولابد ااتذكير أيضا أن البام طيلة الحملة الانتخابية ينتقد الأحرار ويهاجم رئيس الحزب.

وهذه الأحزاب اختارت طوعاً المشاركة في الحكومة والاستفادة من موقعها داخل السلطة التنفيذية، وبالتالي شاركت في المسؤولية السياسية أمام المواطنين.

انتخابات 2026: تغير الصدارة وليس اختفاء الأحرار

انتخابات 23 شتنبر 2026 غيرت ترتيب القوى داخل البرلمان. فقد تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، وحل التجمع الوطني للأحرار ثانياً بـ66 مقعداً، ثم الاستقلال ثالثاً بـ65 مقعداً. وأكدت وزارة الداخلية هذه النتائج نهائياً. وهنا ينبغي التمييز بدقة.

إرادة الناخبين سنة 2026 منحت الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى، وبالتالي أصبح هو الحزب الذي يؤول إليه دستورياً موقع قيادة مشاورات تشكيل الحكومة.

لكن الإرادة الانتخابية نفسها أعطت الأحرار 66 مقعداً، أي المرتبة الثانية وطنياً، بفارق مقعد واحد فقط عن الاستقلال.

وبالتالي فإن احترام إرادة الناخبين لا يعني أن الحزب الثاني يجب أن يدخل الحكومة بالضرورة، لأن الدستور لا يفرض مشاركة الحزب الثاني أو الثالث في الأغلبية.

لكنه يعني سياسياً أن الوزن الانتخابي للأحرار لا يمكن التعامل معه وكأنه اختفى أو سقط خارج الخريطة السياسية.

فهناك عشرات المقاعد ومئات الآلاف من الناخبين منحوا الحزب ثقتهم، وهذه حقيقة سياسية ينبغي أن تدخل في أي قراءة جدية لنتائج الاقتراع.هنا يظهر البعد الثاني: احترام أصوات الناخبين

الديمقراطية ليست فقط لحظة وضع ورقة في صندوق الاقتراع. إنها أيضاً احترام الدلالة السياسية لذلك التصويت.

فالناخب حين يصوت لحزب معين يمنحه تمثيلاً داخل المؤسسات، ويرسل رسالة حول ميزان القوى الذي يريد رؤيته في البرلمان.

لذلك، فإن أي خطاب سياسي يحاول تصوير حزب حصل على المرتبة الثانية وكأنه أصبح بلا شرعية سياسية يصطدم بمعطيات الصندوق نفسه.

والأمر ذاته ينطبق على الأصالة والمعاصرة باعتباره الحزب الأول، وعلى الاستقلال باعتباره القوة الثالثة.

إرادة الناخبين في 2026 لم تمنح أي حزب أغلبية مطلقة، بل أنتجت خريطة موزعة، تتطلب التحالف والتفاوض.

ومن هنا فإن احترام الناخبين يعني احترام الأوزان التي أفرزتها الانتخابات، لا افتراض أن المشاركة في الحكومة حق آلي لأي حزب.

هل كان الأحرار يمثلون منافساً مقلقاً لحلفائهم؟ هنا يمكن الانتقال من الجانب الدستوري إلى القراءة السياسية؟

فالأحرار، رغم خسارتهم 36 مقعداً مقارنة بانتخابات 2021، ظلوا ثاني قوة في مجلس النواب بـ66 مقعداً. أما الاستقلال فتراجع من 81 إلى 65 مقعداً، بينما تقدم الأصالة والمعاصرة من 87 إلى 97 مقعداً وانتقل إلى الصدارة.

وهذه الأرقام تكشف أن التنافس داخل التحالف السابق لم يكن هامشياً. فالأحزاب الثلاثة تتحرك في أجزاء متداخلة من الخريطة الاجتماعية والانتخابية، وتتنافس على المنتخبين المحليين والطبقات الوسطى والنخب الاقتصادية والمهنية والفاعلين الترابيين.

كما أن خطابها الاقتصادي والاجتماعي يتقاطع في أكثر من مجال رغم اختلاف مرجعياتها وتاريخها. وبالتالي فإن تقوية أحد هذه الأحزاب قد تتم، في جزء منها، على حساب الحزبين الآخرين.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحاجة التي شعر بها الاستقلال والبام، قبيل الانتخابات، إلى تمييز صورتهما عن حزب يقود الحكومة ويتمتع بشبكة تنظيمية وانتخابية واسعة. الأمر يتعلق بحسابات ميزان القوى. حزب قوي داخل الحكومة قد يكون حليفاً اليوم ومنافساً غداً هذه إحدى مفارقات الحكومات الائتلافية.

فالحزب الذي يساعدك على امتلاك أغلبية مريحة داخل البرلمان يمكن أن يصبح هو نفسه أخطر منافسيك عند حلول الانتخابات.

وبالنسبة للأحزاب الثلاثة، لم تكن المنافسة فقط على رئاسة الحكومة، بل على الخريطة المحلية والجهوية، وعلى استقطاب الكفاءات والمنتخبين، وعلى القدرة على تقديم الذات باعتبارها التعبير الأقوى عن الوسط السياسي والاجتماعي. لذلك يصبح مفهوماً أن يسعى كل طرف إلى الحد من استفادة الآخر من الحصيلة الحكومية.

فإذا نجحت سياسة اجتماعية مثلاً، يريد كل حزب أن ينسب لنفسه جزءاً من الفضل. أما إذا ارتفعت الأسعار أو تعثرت بعض البرامج، فيصبح من المريح انتخابياً تحميل المسؤولية لرئيس الحكومة باعتباره الوجه الأكثر ظهوراً.

لكن هذا السلوك، مهما كان مفهوماً بمنطق الحملات الانتخابية، يظل بحاجة إلى نقاش من زاوية أخلاقية المسؤولية السياسية المشتركة. لا يمكن اقتسام السلطة ثم تفريد المسؤولية

هذه ربما هي العقدة المركزية في تجربة الأغلبية السابقة. فالسلطة كانت مشتركة، وبالتالي ينبغي أن تكون المسؤولية مشتركة أيضاً.

لا يستقيم أن يكون التحالف جماعياً عند توزيع الوزارات والمناصب والبرامج، ثم يصبح فردياً عند حلول زمن الحساب. والناخب المغربي له الحق في أن يسأل كل مكونات الحكومة السابقة، لا رئيسها فقط: ماذا أنجزتم؟.ما الذي تعثر؟ لماذا صوتتم على هذا القرار؟ ولماذا دعمتم تلك السياسة؟

وإذا كنتم تعتبرون اليوم أن بعض التوجهات كانت خاطئة، فلماذا استمررتم في الحكومة وساندتموها برلمانياً؟

هذه الأسئلة ليست دفاعاً عن حزب ضد آخر، وإنما هي من صميم ربط المسؤولية بالمحاسبة. واحترام إرادة الناخبين لا يكون انتقائياً، كما أن المبدأ نفسه ينبغي تطبيقه بعد الانتخابات.

فإذا كان احترام نتائج 2021 يقتضي الاعتراف بأن الأحرار تصدروا الاقتراع آنذاك وقادوا الحكومة بناء على ذلك، فإن احترام نتائج 2026 يقتضي الاعتراف بأن الأصالة والمعاصرة هو الذي تصدر، وأن الأحرار أصبحوا القوة الثانية، والاستقلال الثالثة.

لا ينبغي إذن قلب النتائج أو تجاهلها وفق المصالح السياسية. والأهم أن إرادة الناخب ليست ملكاً لأي حزب.

فالمصوت للأصالة والمعاصرة ينبغي احترام اختياره، تماماً كما ينبغي احترام اختيار من صوت للأحرار أو الاستقلال أو العدالة والتنمية أو غيرها. الديمقراطية تبدأ عندما تقبل الأحزاب بنتائج الصناديق حتى عندما لا تكون في صالحها.

الخلاصة: مشكلتان لا مشكلة واحدة

السجال الذي دار بين الأحرار وحليفيه السابقين يكشف في النهاية مشكلتين مختلفتين.

الأولى هي مسؤولية الحكم: فلا يجوز سياسياً أن تتحول خمس سنوات من التدبير الجماعي إلى مسؤولية أحادية لمجرد دخول البلاد مرحلة الانتخابات، فهي مسؤولية مشتركة بقوة التحالف وإرادة الناخبين

والثانية هي احترام الوزن الانتخابي للأحزاب: فصندوق الاقتراع أعطى الأحرار المرتبة الأولى في 2021، ثم منحهم المرتبة الثانية في 2026، كما منح الأصالة والمعاصرة الصدارة الجديدة.

ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس هل ينبغي أن يبقى الأحرار في الحكومة بأي ثمن، فهذا تحدده التحالفات الممكنة في إطار الدستور، وإنما: هل يمكن بناء مرحلة سياسية جديدة عبر إنكار مسؤولية الأمس أو تجاهل الأوزان التي أفرزتها صناديق اليوم؟

الجواب الذي تفرضه الممارسة الديمقراطية هو أن الأحزاب يمكنها تغيير تحالفاتها، ويمكنها الانتقال إلى الحكومة أو المعارضة، لكنها لا تستطيع منطقياً أن تغير الماضي.

فالذين حكموا معاً يتحملون حصيلة حكمهم معاً. والذين تنافسوا في الانتخابات عليهم أن يعترفوا بما منحه الناخب لكل واحد منهم.

وبين المبدأين ــ المسؤولية المشتركة واحترام الإرادة الشعبية ــ تقاس في النهاية جدية الخطاب الديمقراطي للأحزاب، بعيداً عن حسابات الظرف الانتخابي.

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

السياسة

لماذا يجب أن يذهب الأحرار إلى المعارضة؟

السياسة

بنكيران يناضل ضد الوهم… وضد حزبه: بعد الإساءة إلى العثماني، إلى أين يقود خطاب التجريح؟

السياسة

بين التملص من المسؤولية المشتركة واحترام إرادة الناخبين: لماذا أصبح الأحرار مصدر قلق للبام والإستقلال

السياسة

بجهة سوس ماسة: عندما يُساق المنتخَبون بالإكراه السياسي لتأديب الرئاسة

الرأي

لماذا يحاكم سعد الدين العثماني اليوم!؟