عندما تتجرد الممارسة السياسية من أدبيات العمل المؤسساتي النبيل، تتحول القواعد التنظيمية والثغرات القانونية إلى أدوات ضغط وابتزاز، ويُختزل دور المنتخب الجماعي والجهوي من ممثل لإرادة المواطنين إلى أداة تُحرك بـ”الريموت كنترول” لتصفية الحسابات الضيقة.
وما شهدته كواليس تعثر ودورة أكتوبر لمجلس جهة سوس ماسة بمدينة تارودانت ليس إلا العرض الأبرز لأزمة أخلاقية وسياسية عميقة، عنوانها الأبرز: الاستغلال الانتهازي للمناضلين والمستشارين لفرملة المؤسسات والضغط على الرئاسة والسلطات الولائية.
في هذا المشهد المشحون، يبرز نمط من الفاعلين النافذين ممن احترفوا احتكار المنصب والامتيازات لسنوات طويلة، محاربين كل كفاءة حقيقية قد تهدد بقاءهم أو تفتح أعين القواعد الحزبية على أسرار التدبير والتسيير.
هؤلاء القياديون، الذين يعيشون في عزلة تامة عن مناضلي الحزب ولا يتواصلون معهم طوال السنة لإشراكهم في صياغة قرارات التنمية أو إطلاعهم على المشاريع والاتفاقيات، يفتحون فجأة قنوات التواصل في لحظات محددة فقط؛ عندما تقتضي المصلحة الشخصية تعطيل النصاب أو إرباك التوازنات.
والأدهى من ذلك، أن هذا الرجوع المؤقت للمناضل والمنتخب لا يتم بأسلوب الحوار أو الإقناع الديمقراطي، بل عبر آلية “الابتزاز التنظيمي” والتخويف بتفعيل المساطر الدستورية والقانونية، وعلى رأسها الامتثال القسري لقرارات الحزب وتحت تهديد تجميد العضوية وتجريد المنسحبين من التزكيات المستقبلية.
يُساق الأعضاء تحت تأثير التهويل والتضييق للمقاطعة الممنهجة، ليتحولوا عن غير قصد إلى دبابات بشرية تُوجّه لصدم رئاسة المجلس والضغط على السلطة الولائية، بغرض إرغام الجميع على تقديم تنازلات تخدم الأجندة الخاصة والمكاسب الفردية للقياديين.
إن تحويل النصاب القانوني ودورات التداول بجهة سوس ماسة من محطة للتدافع التنموي والتصويت على مشاريع تجر الملايين للساكنة، إلى ورقة ابتزاز واحتجاز للقرار السياسي، يكشف كيف يمكن للريع وتغليب الذاتية أن يقتلا كل أمل في حكامة ترابية نزيهة. وعندما تُصادر إرادة المنتخبين بشطط التزكيات وتهديدات التجميد الحزبي، يُصبح التنموي رهينة الشخصي، وتغدو السياسة بالجهة عبارة عن صراع نفوذ تُستباح فيه مصالح العباد ومسار التنمية البريئة.

