أجد أن عبارة «الزم بيتك» التي وجهها عبد الإله بنكيران إلى سعد الدين العثماني تستحق أكثر من قراءة عابرة، لأنها، في تقديري، ليست مجرد تعبير عن اختلاف سياسي آني، ولا مجرد مطالبة لقيادي سابق بأن يبتعد عن الشأن الداخلي للحزب. العبارة، بصيغتها الحادة: «الزم بيتك.. قدر الله عليك ما قدر، الزم بيتك وشد تيقارك»، تحمل في داخلها حمولة رمزية وسياسية تتجاوز معناها الحرفي بكثير.
وقد جاءت، بحسب ما نقلته وسائل إعلام مغربية، في سياق انتقاد بنكيران لتحركات العثماني ومواقفه، باعتبارها، في تقديره، «تشوش على الإخوان»، قبل أن يستحضر بشكل مباشر توقيع العثماني على الاتفاق الثلاثي المعلن في دجنبر 2020، قائلا إن هذا التوقيع أصبح يُستعمل لمعايرة الحزب وأعضائه.
حين أسمع عبارة «الزم بيتك» في هذا السياق، لا أفهمها فقط بمعنى «ابق في منزلك»، وإنما أفهمها باعتبارها أمرًا بإعادة تحديد المجال السياسي للرجل: لقد انتهى دورك، أو على الأقل انتهى حقك في التدخل في هذه المرحلة، فارجع إلى بيتك ومجالك الخاص، ودع المجال العام لمن يدبره الآن.
وهنا تكمن قوة العبارة. فالمتكلم لا يقول للخصم: «أنا أختلف معك»، ولا يقول له: «موقفك خاطئ»، وإنما يقول له، بصورة أكثر أبوية وحسمًا: «الزم بيتك». أي أن القضية لم تعد قضية اختلاف في الرأي، بل أصبحت قضية أهلية وحدود ومجال وحضور.
والعبارة تصبح أكثر قسوة حين تضاف إليها عبارة «وشد تيقارك». فهنا ينتقل الخطاب من النقد السياسي إلى لغة اجتماعية حميمة وحادة في الوقت نفسه؛ لغة شخص يخاطب آخر كما لو كان يعرفه معرفة قديمة، ويملك من الرصيد المشترك ما يسمح له بأن يخاطبه بلا كثير من البروتوكول. ولذلك فإن وقعها السياسي ليس نابعًا من الكلمات منفردة، وإنما من العلاقة السابقة بين الرجلين ومن التاريخ الذي تختزنه.
ومن هذه الزاوية، أرى أن «الزم بيتك» يمكن أن تُقرأ باعتبارها عبارة إقصاء رمزي: لا أقول لك فقط إنني أختلف معك، بل أقول لك إن مكانك لم يعد هنا.
وهذا يعيدني إلى مسألة الذاكرة السياسية.
فالخلاف بين بنكيران والعثماني لا يبدأ اليوم. نحن أمام شخصين جمعتهما تجربة حزبية وحكومية طويلة، ثم افترقا في الموقع والدور. وبعد انتخابات 2021 خرج حزب العدالة والتنمية من الحكومة إلى المعارضة، وانتقلت القيادة الحزبية إلى مرحلة جديدة، بينما ظل العثماني واحدًا من الوجوه التاريخية التي تحمل معها إرث المرحلة السابقة.
وفي السياسة، لا تختفي مثل هذه التجارب بمجرد انتهاء المسؤولية. فالمرحلة التي يعيشها السياسي داخل السلطة تترك وراءها حسابات ومرارات وأسئلة ومسؤوليات. وقد يعود بعضها إلى السطح بعد سنوات، خصوصًا عندما تظهر مناسبة تسمح بإعادة تفسير الماضي.
وهنا بالذات أجد أن استحضار توقيع دجنبر 2020 ليس تفصيلاً ثانويًا. فبنكيران لم يكتفِ بأن يقول للعثماني: ابتعد عن الحزب؛ بل أعاد إلى الواجهة ملفًا شديد الحساسية بالنسبة إلى العدالة والتنمية، وهو توقيع سعد الدين العثماني على الإعلان الثلاثي المرتبط باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية. وبذلك أصبحت العبارة تحمل رسالتين في الوقت نفسه:
الأولى: لا تتدخل في تدبير الحزب الحالي.
والثانية: أنت تحمل معنا إرثًا سياسيًا لا نريد أن ندفع ثمنه مرة أخرى.
وهذا ما يجعل «الزم بيتك» أكثر من مجرد جملة غضب. بل إنني أجد في العبارة شيئًا من الانتقام السياسي المؤجل، ولكنني أستخدم كلمة «الانتقام» هنا بمعناها التحليلي و أستطيع الجزم بنية نفسية لدى بنكيران. فقد يبدو ان الرجل بصدد الدفاع عن القيادة الحالية للحزب، وقد يكون مستاءً من تدخل العثماني، وقد يكون يستحضر توقيع 2020 باعتباره عبئًا سياسيًا على الحزب. ولكن أقول كذلك ان شحنة العبارة نابعة من حقد شخصي متراكم، استغل هذه الظرفية للتعبير عن نفسه بشكل مقزز. فتوقيت استدعاء الماضي مهم، فالسياسي قد يصمت سنوات، لا لأنه نسي، وإنما لأن الظروف لا تسمح له بفتح كل الملفات. ثم تأتي لحظة يشعر فيها أن المجال أصبح متاحًا لإعادة ترتيب الحسابات، فيعود الماضي دفعة واحدة. عندها تتحول الذاكرة الشخصية إلى خطاب سياسي، ويتحول ما كان مكبوتًا أو مؤجلاً إلى مادة للصراع العمومي. وهنا يمكن أن نفهم العبارة على النحو التالي: «لقد كان لك دورك، وكانت لك لحظتك، وتحملتَ مسؤولياتك، أما الآن فدعنا ندبر مرحلتنا بطريقتنا.»
أما البعد المتعلق بالبيت، فهو أعمق من مجرد استعارة سياسية. فالبيت في الثقافة المغربية، والأمازيغية منها خصوصًا، ليس مكانًا محايدًا. إنه فضاء الحماية والحرمة والضيافة والانتماء. وقد ارتبطت تقاليد الضيافة في المجتمعات الأمازيغية بمفاهيم التضامن والحماية والاعتراف الاجتماعي. لذلك فإن استدعاء «البيت» في خطاب الصراع يمكن أن ينتج مفارقة شديدة القوة: فالبيت هو في الأصل مكان الأمان، لكن «الزم بيتك» في الخطاب السياسي تتحول إلى أمر بالانسحاب من المجال العام.
أي أن المتكلم يقول للآخر، بصورة رمزية:
« بيتك هو مكانك، أما الساحة فليست لك الآن.» ومن هنا أرى أن العبارة تكتسب قوة خاصة في الثقافة المغربية؛ لأنها لا تستخدم لغة سياسية مجردة، بل تستخدم لغة القرابة والمجال والبيت والمكانة.
ومن هنا وجب الربط بين هذه العبارة وبين العثماني باعتباره سوسيًا، وبنكيران باعتباره فاسيًا، فرغم انني أتحفظ شيئاً ما على امتدادات هذه المقاربة ونتائجها. فرغم ذلك توجد وقائع على راجعتها، ولدينا قرائن كافية تسمح لي بأن أقول إن بنكيران استهدف «أهل سوس» كجماعة. ولكن سيكون من غير الدقيق تحويل خلاف سياسي بين شخصيتين إلى صراع جهوي بين فاس وسوس. لكن يمكنني أن أفهم لماذا يستحضر هذا البعد في القراءة السياسية.
فالسياسة المغربية تحمل أحيانًا ذاكرة جهوية واجتماعية غير معلنة. ففاس ليست مجرد مدينة، وسوس ليست مجرد منطقة جغرافية؛ كل واحدة منهما تحمل في المخيال المغربي تاريخًا اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا وشبكات من النخب والرموز. وعندما يحتدم الصراع بين شخصيتين تنتميان إلى خلفيات جهوية مختلفة، يستطيع المتلقي أن يقرأ الصراع من خلال هذه الذاكرة حتى لو لم يقل السياسي صراحة إنه يخوض معركة جهوية.
لكن الفرق كبير بين أن يستحضر الجمهور هذه الخلفية وبين أن نقول إن السياسي نفسه يستهدف جماعة جهوية بكاملها.
وأنا أميل إلى قراءة «الزم بيتك» باعتبارها تعبيرًا عن صراع على الذاكرة والشرعية داخل البيت نفسه. وهذا مهم جدًا. فالعدالة والتنمية هنا ليس أمام خصم خارجي فقط؛ بل أمام قيادات سابقة وحالية، وأمام سؤال: من يملك حق الكلام باسم الحزب؟ ومن يملك حق تفسير ماضيه؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي اتخذت عندما كان الحزب في السلطة؟ ومن هذه الزاوية، يصبح «البيت» نفسه استعارة للحزب. «الزم بيتك» يمكن أن تعني ضمنيًا: الزم موقعك داخل البيت، ولا تعد إلى غرفة القيادة بعدما خرجت منها. وهذا ما يجعل العبارة شديدة الدلالة سياسيًا. والمفارقة أن العثماني نفسه كان في السابق رئيسًا للحكومة وأمينًا عامًا للحزب، أي أنه لم يكن شخصًا عابرًا في هذه التجربة. ولذلك فإن مطالبة رجل بهذه المكانة بأن «يلزم بيته» ليست عبارة محايدة؛ إنها إعلان رمزي بأن المرحلة الجديدة تريد أن تفصل نفسها عن بعض رموز المرحلة السابقة.
ومن هنا يمكن أن أفهم استحضار توقيع 2020 بوصفه محاولة لإعادة تحميل الماضي معناه السياسي الحالي. فبعض قيادات الحزب دافعت عن العثماني بالقول إنه وقع الاتفاق بصفته رئيسًا للحكومة، لا أمينًا عامًا للحزب، وإن القرار لم يكن قرار الحزب، بينما رأى بنكيران أن توقيع العثماني أصبح يُستخدم ضد الحزب وأعضائه.
إذن، القضية ليست فقط: «ماذا فعل العثماني؟» بل أيضًا: “من يتحمل ذاكرة ما حدث؟ ومن سيدفع ثمنها سياسيًا؟”
وهنا أصل إلى خلاصة مختلفة قليلًا عن فكرة «الحقد». قد يكون في الخطاب غضب، وقد تكون فيه مرارة، وقد تكون فيه ذاكرة خصومة قديمة، لكن الأهم سياسيًا هو أن هناك محاولة لإعادة توزيع المسؤولية عن الماضي وإعادة رسم حدود الحاضر.
ولهذا أرى أن «الزم بيتك» يمكن أن تُقرأ باعتبارها واحدة من تلك العبارات السياسية التي تكون قصيرة جدًا، لكنها تحمل تاريخًا طويلًا خلفها. إنها ليست فقط: «ابق في منزلك. بل، في سياقها: «ابتعد عن المجال الذي لم يعد لك فيه قرار، ولا تعد إلى الساحة حاملاً معك إرث المرحلة التي نريد نحن أن نتجاوزها.» وإذا كان وراء العبارة فعلًا تراكم شخصي أو سياسي، فإن اللحظة الانتخابية ومشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، وإعادة ترتيب المشهد الحزبي الوطني وما قبل كل هذا قد تمنح هذا التراكم منفذًا للتعبير. وهنا تكمن أهمية العبارة: هي تكشف شيئًا عن طبيعة الصراع، لكنها لا تكشف وحدها كل ما يدور في نفس صاحبها.
ملاحظة مهمة: هناك بعد آخر لافت في العبارة؛ فهي ليست جديدة في العربية، إذ وردت في روايات حديثية بصيغة «الزم بيتك»، وإن كان الحكم على بعض طرقها وزياداتها مختلفًا بين أهل الحديث. وهذا يمنحها في الوعي اليومي حمولة إضافية مرتبطة بالعزلة زمن الفتن، وإن كان بنكيران يستخدمها هنا في سياق سياسي مختلف تمامًا.
الصورة من الانثرنيت.
الحسين بوالزيت
صحافي وباحث في التاريخ

