قضية كورنيل تعيد فتح ملف العنف الجنسي في الولايات المتحدة: آلاف الطلبة يحتجون ويطالبون بالمحاسبة
أعادت قضية اعتداء جنسي مزعوم داخل جامعة كورنيل الأمريكية، إحدى أعرق جامعات الولايات المتحدة، ملف العنف والاغتصاب داخل الجامعات إلى واجهة النقاش العام، بعد خروج أكثر من ألف طالب وأستاذ وفاعل مدني في مسيرة احتجاجية، الاثنين 5 أكتوبر 2026، بمدينة إيثاكا في ولاية نيويورك، للمطالبة بمحاسبة المسؤولين وتشديد الإجراءات ضد العنف الجنسي داخل الحرم الجامعي.
وتعود القضية إلى أكتوبر 2024، حين قالت طالبة كانت تبلغ من العمر 20 عاما، ويشار إليها قضائيا باسم مستعار هو “جين دو”، إنها تعرضت للتخدير والاعتداء الجنسي الجماعي داخل مقر أخوية طلابية تابعة لـ”Chi Phi”. وفي دعوى مدنية رفعتها في شتنبر الماضي، وجهت اتهامات إلى سبعة أعضاء من الأخوية، إضافة إلى الجامعة وجهات أخرى، معتبرة أن التعامل مع شكواها لم يكن في مستوى خطورة الوقائع المزعومة. المتهمون نفوا ارتكاب أي اعتداء، فيما أكد بعضهم أن العلاقات كانت رضائية، وهو ما يجعل القضية حاليا موضوع تحقيقات وإجراءات قضائية لم تحسم بعد في المسؤوليات الجنائية.
غضب طلابي ومطالب باستقالة رئيس الجامعة
وتحولت القضية خلال الأسابيع الأخيرة إلى موجة احتجاج واسعة داخل كورنيل. ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بتحقيق خارجي مستقل، وتوحيد العقوبات التأديبية المتعلقة بالاعتداءات الجنسية، وتحسين تكوين شرطة الجامعة في التعامل مع شكايات العنف والتحرش الجنسي.
كما طالب عدد من الطلبة باستقالة رئيس الجامعة مايكل كوتليكوف، معتبرين أن المؤسسة لم تكن حازمة بما يكفي في معالجة الملف. وفي المقابل، تؤكد إدارة كورنيل أنها اتخذت إجراءات تأديبية، من بينها إغلاق فرع الأخوية المعنية وطرد أو توقيف بعض الطلبة، كما أعلن رئيس الجامعة عن مراجعة مستقلة لكيفية معالجة القضية.
ولم يعد الملف شأنا جامعيا داخليا، بعدما قررت حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوكول تكليف المدعية العامة للولاية ليتيتيا جيمس بالإشراف على التحقيق الجنائي المعاد فتحه، في خطوة تعكس حجم الجدل الذي أثارته طريقة معالجة القضية في مراحلها الأولى.
العنف الجنسي.. مشكلة أوسع من قضية جامعة
قضية كورنيل لا تبدو معزولة عن سياق أمريكي أوسع. فبيانات حديثة للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها CDC، ضمن المسح الوطني للعنف الجنسي وعنف الشريك، تشير إلى أن نحو 45.1 في المائة من النساء في الولايات المتحدة تعرضن خلال حياتهن لشكل من أشكال العنف الجنسي الجسدي، فيما أفادت 21 في المائة بتعرضهن لاغتصاب مكتمل أو محاولة اغتصاب. كما تعرض أكثر من واحد من كل ستة رجال لشكل من أشكال العنف الجنسي الجسدي خلال حياتهم.
وتظهر هذه الأرقام أن النقاش الأمريكي لا يتعلق فقط بوقائع إجرامية منفردة، بل بمنظومة متشابكة تشمل الوقاية، والتبليغ، والتحقيق، وحماية الضحايا، والعقوبات الجامعية والقضائية، إضافة إلى الثقافة السائدة داخل بعض الأوساط الطلابية.
وتزداد حساسية الملف داخل الجامعات الأمريكية بسبب طبيعة الحياة داخل الحرم الجامعي، وانتشار الأخويات والجمعيات الطلابية، والحفلات المغلقة التي يختلط فيها أحيانا استهلاك الكحول والمخدرات بممارسات قد تتحول إلى اعتداءات جنسية أو حالات يصعب فيها إثبات وجود الرضا.
بين حماية الضحايا وضمان المحاكمة العادلة
غير أن قضية كورنيل تكشف أيضا تعقيدا قانونيا وأخلاقيا أساسيا: ضرورة حماية ضحايا الاعتداء الجنسي وتشجيعهم على التبليغ من جهة، وفي الوقت نفسه احترام قرينة البراءة وضمان حقوق الأشخاص المتهمين إلى أن يصدر حكم قضائي نهائي.
ولهذا فإن الاحتجاجات الحالية لا تنصب فقط على إدانة أشخاص بعينهم، وإنما على المطالبة بآليات أكثر شفافية واستقلالية في التحقيق، وبسياسات جامعية تضمن سلامة الطلبة وتمنع إفلات أي شخص تثبت مسؤوليته من العقاب.
قضية كورنيل، التي بدأت باتهامات تعود إلى سنة 2024، تحولت بذلك في خريف 2026 إلى اختبار جديد لقدرة الجامعات والمؤسسات القضائية الأمريكية على التعامل مع العنف الجنسي دون إخفاء الوقائع أو التقليل من خطورتها، ودون التخلي في المقابل عن ضمانات العدالة وحقوق جميع الأطراف.

