- برلين – أكادير اليوم //
أعاد الفوز اللافت الذي حققه حزب اليسار الألماني في انتخابات برلمان ولاية برلين، يوم 20 شتنبر 2026، الجدل بقوة حول علاقته بالجالية اليهودية وموقفه من إسرائيل والقضية الفلسطينية، بعد أن تحول موضوع معاداة السامية إلى إحدى أبرز القضايا المطروحة في مفاوضات تشكيل الحكومة المحلية بالعاصمة الألمانية.
وحصل حزب اليسار، بقيادة مرشحته إليف إيرالب، على نحو 25.7 في المائة من الأصوات، متقدماً على باقي الأحزاب، في نتيجة وُصفت بالتاريخية للحزب في العاصمة الألمانية. كما حقق اختراقاً كبيراً وسط الناخبين الشباب، إذ تشير استطلاعات الخروج إلى حصوله على دعم نحو 43 في المائة من الفئة العمرية بين 16 و24 عاماً.
غير أن هذا الفوز لم يمر دون إثارة جدل حاد داخل الأوساط اليهودية في ألمانيا. فقد عبّر المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، برئاسة يوزف شوستر، عن قلقه من صعود الحزب، معتبراً أن بعض الوقائع التي رافقت حملته الانتخابية أظهرت تساهلاً مع خطابات وصفها بأنها معادية للسامية. ودعا شوستر الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر إلى عدم المساهمة في إيصال حزب اليسار إلى قيادة حكومة برلين.
وتعود أبرز الانتقادات إلى مشاركة مغني راب في إحدى الفعاليات الانتخابية للحزب، حيث رُددت شعارات مؤيدة لفلسطين تضمنت دعوات اعتبرها منتقدون تحريضية ضد الجيش الإسرائيلي. كما أثار حضور أحد أفراد عائلة «رمو» المعروفة في برلين خلال حفل انتخابي للحزب جدلاً إضافياً، رغم تأكيد فرع حزب اليسار في نويكولن أن الرجل لم يكن مدعواً وأن الحزب لا تربطه به أي علاقة سياسية أو شخصية.
لكن الموقف اليهودي في ألمانيا ليس موحداً تجاه حزب اليسار. فإلى جانب المجلس المركزي الذي يتبنى موقفاً شديد الانتقاد، ظهرت أصوات يهودية أخرى ترفض تقديم الحزب باعتباره خطراً على اليهود، وترى أن هذا الوصف يتجاهل وجود تيارات مختلفة داخل المجتمع اليهودي الألماني نفسه، بما فيها أصوات تنتقد السياسة الإسرائيلية أو تتضامن مع الفلسطينيين دون أن تعتبر ذلك موقفاً معادياً لليهود.
ومن جهته يرفض حزب اليسار اتهامه بمعاداة السامية، ويؤكد أن حماية الحياة اليهودية في ألمانيا ومواجهة الكراهية ضد اليهود تمثلان «خطاً أحمر». كما أقرت قيادة الحزب في برلين بأن بعض التجاوزات وقعت خلال الحملة وأعلنت رفضها الدعوات إلى العنف، في محاولة لاحتواء الجدل وضمان استمرار المشاورات مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر بشأن تشكيل ائتلاف حاكم في برلين.
ويكشف هذا الجدل عن إشكالية سياسية أعمق في ألمانيا، حيث أصبحت الحدود الفاصلة بين نقد الحكومة الإسرائيلية أو دعم القضية الفلسطينية، من جهة، ومعاداة السامية من جهة أخرى، موضوعاً شديد الحساسية، خاصة في ظل الإرث التاريخي لألمانيا تجاه اليهود والمحرقة النازية.
ويبدو أن نتائج انتخابات برلين أظهرت في المقابل أن قطاعات واسعة من الناخبين لم تجعل هذا الملف العامل الوحيد المحدد لاختيارها السياسي. فقد استفاد حزب اليسار أساساً من خطابه الاجتماعي، ولا سيما أزمة السكن وارتفاع الإيجارات والدفاع عن الفئات محدودة الدخل، إضافة إلى حضوره القوي وسط الشباب والناخبين من أصول مهاجرة. كما حصل الحزب على حوالي 51 في المائة من أصوات الناخبين المسلمين في برلين، وفق تحليل لنتائج الاقتراع.
وهكذا تحولت قضية الموقف من إسرائيل ومعاداة السامية من مجرد خلاف داخل الحملة الانتخابية إلى عنصر مؤثر في مفاوضات تشكيل حكومة العاصمة الألمانية. ففوز حزب اليسار يمنحه موقعاً قوياً لقيادة الائتلاف المقبل، لكن تحقيق ذلك سيظل مرتبطاً بقدرته على طمأنة شركائه المحتملين، وكذلك جزء من المجتمع اليهودي، بشأن موقفه من حماية اليهود والتصدي لخطابات الكراهية.
وفي المقابل، يُظهر الانقسام داخل الأوساط اليهودية الألمانية أن الحديث عن «موقف يهودي واحد» تجاه حزب اليسار لم يعد دقيقاً، وأن النقاش حول فلسطين وإسرائيل ومعاداة السامية أصبح بدوره جزءاً من التحولات السياسية والاجتماعية التي تعرفها ألمانيا بعد انتخابات برلين.

