منطق الرئيس تبون: الغاز لأوروبا.. والفقر لإفريقيا - اكادير اليوم

منطق الرئيس تبون: الغاز لأوروبا.. والفقر لإفريقيا

  • شارك الخبر

في خرجته الإعلامية الأخيرة قبل يومين اختار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن يستهزئ من مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري متسائلا بنبرة لا تخلو من التبخيس عن جدوى أنبوب يمر عبر أربع عشرة دولة تحصل كل واحدة منها بحسب تصوره على خمسة في المائة قبل أن يختم تحليله بالقول إن ما سيصل إلى أوروبا ليس سوى الريح.. !

والحقيقة أن الريح هنا ليست في الأنبوب بل في الحسابات التي بُني عليها هذا الاستنتاج الرئاسي العجيب
فهل يُعقل أن يُختزل مشروع استراتيجي بهذا الحجم في عملية حسابية مرتجلة وكأننا أمام قنينة غاز تُوزَّع حصصها على دكاكين الطريق؟

وهل يدرك الرئيس الجزائري أن استفادة الدول التي يعبرها الأنبوب ليست عيبًا في المشروع بل أحد أهم أهدافه التنموية ؟ أم أن الغاز.

في نظره لا ينبغي أن تكون له قيمة إلا حين يعبر نحو أوروبا وبالفائض بينما تتحول استفادة الأفارقة منه إلى خسارة تستوجب السخرية..؟

هنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها فهذا الرئيس الذي لا يفوّت مناسبة إلا ويؤكد فيها حرص الجزائر على إفريقيا ومصالح شعوبها يجد نفسه ساخرًا من مشروع يراهن على ربط بلدان القارة وتعزيز أمنها الطاقي وفتح آفاق اقتصادية أمام دول طالما احتاجت إلى مثل هذه المبادرات.

يبدو أن إفريقيا تحظى بمكانة خاصة في الخطاب الرسمي الجزائري لكن بشرط ألا تكون المبادرات الكبرى من توقيع بلد اسمه المملكة المغربية

إن أنبوب الغاز المغربي-النيجيري ليس مجرد صفقة لنقل الوقود ولا مشروعًا يُختزل في منافسة بين الرباط والجزائر إنه رهان استراتيجي على ربط غرب إفريقيا بشمالها وتوسيع فرص الاستفادة من الموارد الطاقية وتحفيز الاستثمارات وخلق إمكانات جديدة للتعاون الإقليمي.

بهذا الأفق التنموي لا يحتاج المغرب إلى شهادة صلاحية من الرئيس الجزائري ولا إلى إذن من قصر المرادية كي يفكر في مشاريعه الاستراتيجية.

لقد اختار أن يجعل من موقعه الجغرافي وبنيته التحتية وشراكاته الإفريقية أدوات لبناء جسور التعاون وتوسيع حضوره الاقتصادي في القارة… ومن حقنا كمغاربة أن ندافع عن هذا التوجه وأن نعتزّ بمشاريع بلدنا من دون أن يتحول الاعتزاز إلى إنكار لصعوبات التنفيذ أو مبالغة في تقدير النتائج قبل تحققها.

والأكثر دلالة أن الأنبوب المقترح يعبر الأراضي المغربية بما فيها الصحراء المغربية، في إطار مشروع يربط رهانات التنمية بوحدة المجال الجغرافي للمملكة.

وهذه ليست مجرد تفصيلة على هامش الخريطة إنها جزء من الأهمية الاستراتيجية التي يكتسيها المشروع بالنسبة إلى بلدنا فحين تتحول الجغرافيا إلى فرصة للتنمية،تصبح المشاريع الكبرى وسيلة لتعزيز الترابط الاقتصادي لا مجرد خطوط مرسومة على الورق.

ومن هنا فإن السخرية من المشروع لن تغيّر جغرافيته ولن تُسقط رهاناته ولن تجعل التشكيك فيه بديلًا عن بناء مشروع منافس.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح على الرئيس تبون ليس:.كم سيصل إلى أوروبا؟ بل: ماذا سنفعل نحن في إفريقيا كي لا تظل ثرواتنا ومشاريعنا رهينة التنافس السياسي؟

ذلك أن إفريقيا لا تحتاج إلى من يسخر من مشاريعها بل إلى من يساعد على إنجاحها. ولا تحتاج إلى خطابات تُشيد بالتضامن الإفريقي صباحًا ثم تضيق ذرعًا بمبادرات التنمية حين تقودها دولة أخرى مساءً.

أما «الريح» التي استحضرها تبون فقد تصلح نكتة تلطف الأجواء في لقاء إعلامي لكنها لا تصلح حجة اقتصادية ولا رؤية استراتيجية ولا بديلًا عن أنبوب تنموي قاري صنفته كبريات الجرائد الاقتصادية العالمية بمشروع القرن
وعليه اعتبر هذه السخرية التبّونية اعترافاً بالعجز عن مجارات مشروعنا الطاقوي الإفريقي.. فمن لا يقوى على صناعة الحاضر لا أمل له سوى السخرية من مستقبل الآخرين.

أما ( الريح) التي تحدث عنها هذا الرئيس فليست سوى ذاك الصدى لصوتٍ يعلم يقيناً أن قافلة التنمية الإفريقية – المغربية قد انطلقت.. ولن توقفها رياح وزوابع المرادية أبداً

  • يوسف غريب كاتب صحفي

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

الرأي

منطق الرئيس تبون: الغاز لأوروبا.. والفقر لإفريقيا

الرأي

حين يتغير الموقع ولا تتغير الأسئلة، في الخطاب السياسي المغربي

الرأي

حين يعلن حزبٌ قرار حزب آخر… ويصفّق الحاضرون

الرأي

الاستاذة نعيمة الفتحاوي تكتب :المغرب وألمانيا.. سبعون سنة من العلاقات الدبلوماسية وآفاق متجددة للشراكة والتعاون

الرأي

هل تصل ارتدادات المسار الإسرائيلي إلى صناديق 23 شتنبر