حين يتغير الموقع ولا تتغير الأسئلة، في الخطاب السياسي المغربي - اكادير اليوم

حين يتغير الموقع ولا تتغير الأسئلة، في الخطاب السياسي المغربي

  • شارك الخبر

  • محمد العسري  //

ليس كل تحول في الموقع السياسي تحولاً في القناعة، كما أن البقاء في الموقع نفسه لا يعني بالضرورة الثبات على الفكرة. وبين المعارضة والأغلبية، تتكشف أحياناً حقيقة الخطاب السياسي أكثر مما تتكشف في لحظة الصراع الانتخابي.
في التجربة السياسية المغربية، كثيراً ما ارتبطت المعارضة بلغة المساءلة والنقد، بينما ارتبطت الأغلبية بلغة المسؤولية والدفاع عن الاختيارات. غير أن المسألة الأهم، في تقديري، ليست في اختلاف الموقع، وإنما في قدرة السياسي على إعادة قراءة الواقع دون أن يفقد البوصلة الفكرية التي تحكم مواقفه.
ومن هذه الزاوية، تستوقفني تجربة الأستاذ عبد اللطيف وهبي.
ليس بالضرورة لأنني أتفق معه في كل شيء، ولا لأن مساره السياسي يخلو من النقاش والاختلاف، وإنما لأن خطابه، عبر انتقاله من المعارضة إلى الأغلبية، يطرح سؤالاً مهماً حول طبيعة السياسة التي نحتاجها اليوم.
في مرحلة المعارضة، لم يكن خطابه مجرد احتجاج على الحكومة، بل كان يحاول، في بعض محطاته، تقديم المعارضة باعتبارها ممارسة للاختلاف السياسي داخل المؤسسات. وبعد الانتقال إلى الأغلبية، تغيرت طبيعة المسؤولية: لم يعد الأمر يتعلق فقط بانتقاد القرار العمومي، وإنما بالمشاركة في إنتاجه وتحمل نتائجه.
وهنا تصبح السياسة أكثر صعوبة.
فالمعارض يستطيع أن يقول إن القرار غير كافٍ، أما المشارك في القرار فعليه أن يشرح لماذا اتُخذ، وما حدوده، وما البدائل الممكنة. وبين الموقفين مسافة كبيرة تكشف الفرق بين سياسة الخطاب وسياسة المسؤولية.
ما يستوقفني أكثر في خطاب الأستاذ وهبي هو الطريقة التي يحاول بها ربط السياسة بأسئلة تتجاوز التدبير اليومي: الحداثة، الدولة، المجتمع، الاختلاف، المؤسسات، والحقوق والحريات. قد نختلف حول بعض الإجابات، لكن قيمة النقاش تبدأ حين تصبح السياسة مجالاً لصراع الأفكار، لا مجرد تنافس على المواقع.
وهذا بالضبط ما جعلني أعيد النظر في بعض المسافات التي كنت أضعها بيني وبين بعض التجارب السياسية.
فالسياسي لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال الحزب الذي ينتمي إليه، بل أيضاً من خلال الأسئلة التي يحملها إلى المجال العام.
ما معنى الحداثة السياسية في المغرب؟
كيف يمكن الجمع بين قوة الدولة وحرية المجتمع؟
كيف يتحول الاختلاف من مصدر للتوتر إلى مصدر للإبداع السياسي؟
وكيف يمكن للأحزاب أن تنتقل من منطق الاستقطاب إلى منطق إنتاج الأفكار والكفاءات؟
هذه الأسئلة تجعلني أنظر، اليوم، إلى بعض التجارب السياسية بعين مختلفة.
ولعل أهم ما تغير ليس موقفي من هذا الحزب أو ذاك، وإنما طريقتي في الحكم على التجارب السياسية نفسها.
أصبحت أقل اهتماماً بالشعارات، وأكثر اهتماماً بالبنية الفكرية التي تقف خلفها. أقل اهتماماً بمن يوجد في المعارضة أو الأغلبية، وأكثر اهتماماً بما يفعله حين يكون في هذا الموقع أو ذاك. وأقل اهتماماً بصورة الحزب، وأكثر اهتماماً بما إذا كان قادراً على إنتاج خطاب يواكب تحولات المجتمع والدولة.
من هنا، بدأت بعض المسافة القديمة تتقلص.
ليس بالضرورة عبر إعلان، ولا عبر اصطفاف، ولا عبر انتقال صاخب من موقع إلى آخر؛ وإنما عبر اقتناع هادئ بأن بعض الأفكار تستحق أن تُختبر من الداخل، وأن بعض التجارب السياسية لا ينبغي أن تبقى أسيرة الصورة التي تشكلت عنها في لحظة سابقة.
ربما لهذا السبب أصبحت أنظر إلى تجربة الأصالة والمعاصرة باهتمام أكبر.
ليس باعتبارها محطة ينبغي الإعلان عنها، وإنما باعتبارها تجربة سياسية تطرح أسئلة تلتقي، في بعض جوانبها، مع الأسئلة التي أصبحت أبحث عنها في السياسة المغربية: الحداثة، التعدد، الجهوية، تجديد النخب، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
والاقتراب من فكرة ما لا يعني بالضرورة إعلان الانتماء إليها.
أحياناً يكون الاقتراب الحقيقي أكثر هدوءاً من ذلك.
أن تبدأ في الإصغاء إلى خطاب كنت تضعه سابقاً خارج دائرة اهتمامك، ثم تكتشف أن بعض أسئلته أصبحت تشبه أسئلتك.
في السياسة، ليست كل التحولات بحاجة إلى إعلان.
بعضها يبدأ في مستوى أعمق:
في طريقة التفكير، وفي إعادة ترتيب القناعات، وفي اكتشاف أن الاختلاف مع تجربة سياسية لا يمنع من الاقتراب من بعض أفكارها.
وربما تكون هذه هي البداية الأكثر جدية لأي انتماء سياسي:
أن تقتنع بالفكرة أولاً، ثم تترك للوقت أن يحدد شكل الانتماء.

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

الرأي

حين يتغير الموقع ولا تتغير الأسئلة، في الخطاب السياسي المغربي

الرأي

حين يعلن حزبٌ قرار حزب آخر… ويصفّق الحاضرون

الرأي

الاستاذة نعيمة الفتحاوي تكتب :المغرب وألمانيا.. سبعون سنة من العلاقات الدبلوماسية وآفاق متجددة للشراكة والتعاون

الرأي

هل تصل ارتدادات المسار الإسرائيلي إلى صناديق 23 شتنبر

الرأي

نسبة المشاركة تسائل الحكومة المقبلة أية سياسة وأية ديموقراطية نريد؟