ليس العبث السياسي أن يرفض حزبٌ التحالف مع حزب آخر فذلك حق مشروع لا يحتاج إلى تبرير. وليس العيب أن تختلف الأحزاب أو تتنافس أو تتصارع حول تشكيل الحكومة. فهذه كلها أمور تدخل في صميم العمل السياسي.
لكن العبث يبدأ حين يُعلَن داخل المجلس الوطني لحزب، موقفٌ يتعلق بمصير حزب آخر ومشاركته في الحكومة ثم يستقبل الحاضرون الإعلان بالتصفيق والهتاف وكأن القرار قد اتُّخذ فعلًا وكأن المؤسسة الحزبية المعنية به قد فوّضت هذا المجلس للحديث باسمها.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة: بأي صفة يُعلَن موقف حزبٍ بشأن قرار يُفترض أن يعود إلى حزب آخر.. ؟
إذا كان الأمر يتعلق بموقف حزب الاستقلال من مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة فمن حق الاستقلال أن يرفض التحالف معه وأن يعلن ذلك صراحة وأن يضع شروطه أمام الرأي العام. لكن ما الذي يجعل مجلسًا وطنيًا لحزب آخر فضاءً لإعلان هذا الموقف وما الذي يمنح الحاضرين اليقين بأن الأمر حُسم قبل أن تتضح مواقف المؤسسات المعنية.. ؟
المشكلة ليست في مضمون الرفض وحده بل في المشهد السياسي الذي ينتج عنه: حزب يتحدث عن قرار يخص حزبًا آخر وجمهور يصفق وكأن التصفيق يمنح الإعلان صفة القرار أو يجعل من التوقع حقيقة سياسية مكتملة.
وهل أصبح التصفيق بديلًا عن البلاغات الرسمية؟ وهل باتت القرارات الحزبية تُستنتج من حرارة القاعات بدل أن تُعرف من المؤسسات المخولة باتخاذ ها ؟
الأكثر غرابة أن هذا المشهد لا يتعلق بخلاف عابر بين حزبين بل بحسابات تشكيل حكومة يفترض أنها ستتحمل مسؤولية تدبير شؤون المغاربة. ومع ذلك ينزاح الاهتمام من البرامج والالتزامات والحصيلة إلى سؤال من سيُقصى ومن سيبقى ومن سيحصل على مكان حول طاولة السلطة
إن العبث الحقيقي ليس أن يرفض حزبٌ حزبًا آخر بل أن يتحول مجلس وطني لحزب إلى منصة لإعلان موقف بشأن قرار حزب ثالث ثم يُستقبل ذلك بالتصفيق وكأن الجميع يملك حق الحسم نيابةً عن الجميع.
أما المواطن المغربي الذي ينتظر من هذه الأحزاب أن تتنافس في تقديم الحلول فلا تعنيه حرارة التصفيق بقدر ما تعنيه طبيعة الحكومة التي ستتشكل والبرنامج الذي ستنفذه والمسؤولية التي سيتحملها كل طرف عن نجاحها أو إخفاقها.
السياسة ليست مسرحًا لتبادل رسائل الإقصاء والمؤسسات الحزبية ليست فضاءات لتوزيع القرارات بالنيابة عن بعضها البعض.
فمن أراد رفض حزب فليعلن موقفه باسمه ومن اتخذ قرارًا فليتحمل مسؤوليته من موقعه المؤسسي.
أما أن يتقدم حزب للإعلان عن موقف يتعلق بحزب آخر ثم يصفق له جمهور حزب ثالث فذلك مشهد يختزل أزمة الوضوح في الممارسة السياسية.
ذلك ليس مجرد خلاف في التكتيك السياسي إنه سؤال عن معنى المؤسسات وحدود التمثيل واحترام قواعد العمل الحزبي…
وفي النهاية يبقى السؤال المعلق الذي يطارد كل ضمير حي:
هل تتنافسون حقاً على خدمة هؤلاء المغاربة الطيبين
أم أنكم تتنافسون على من يحظى بالمقعد الأجمل حول مائدة السلطة
يوسف غريب كاتب صحفي

