..«مملكة القصب» فيلم حسن هادي (العراق –2025)..الاقتصاد البصري في خذمة شعرية الصمود - اكادير اليوم

..«مملكة القصب» فيلم حسن هادي (العراق –2025)..الاقتصاد البصري في خذمة شعرية الصمود

  • شارك الخبر

  • محمد بكريم //

لم أتمكن من مشاهدته خلال الدورة السابقة لمهرجان مراكش حيث ترك عند بعض أصدقائي السينيفيليين أصداء أكثر من إيجابية. وكم سرني ان أجد تأكيدا لها عند مشاهدة الفيلم بل عند أولى لقطاته.

كان العرض العالمي الأول للفيلم في “كان” ضمن قسم “أسبوعا المخرجين” في 16 مايو 2025. وهو أول فيلم من العراق يتنافس في المهرجان. حيث حظي بتلق إيجابي وتم تتويجه بالكاميرا الذهبية. كما اختير لتمثيل العراق في فئة أفضل فيلم روائي دولي في حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين، ووصل إلى القائمة القصيرة، وأصبح أول فيلم عراقي يحقق هذا المسار الدولي.

لوحة أولى على السواد تضعنا في السياق. في عراق عام 1990، وبالضبط 26 ابريل، يومين قبل تاريخ ميلاد الرئيس.   البلد منهك تحت وطأة النظام الاستبدادي والحصار الدولي الخانق، وفي تلك الظروف تعين على الطفلة “لميعة” البالغة من العمر تسع سنوات جمع المكونات اللازمة لإعداد كعكة للاحتفال بعيد ميلاد صدام حسين بعد أن اختارها المعلم، ولا مناص لهذه الطفلة من أداء هذه المهمة تحت طائلة الإبلاغ عنها للسلطات…هكذا في تلخيص سريع للحبكة. حالة درامية بليغة وستتجلى قوة الفيلم في أسلوب معالجتها.

يختار حسن هادي في أولى أفلامه الطويلة لغة سينمائية تتسم بالتقشف والشاعرية. يتخلى الفيلم عن الحوارات المباشرة لصالح بلاغة الصورة، فيجعل من التأطير، حركة الكاميرا، وإدارة الضوء المحرك الأساسي للتعبير عن المأساة الإنسانية.

وكوني من أنصار تحليل مشاهد الافتتاح فقد وجدت مع “هذه الكعكة السينمائية” ضالتي. مشهد افتتاحي حيث يحضر تكثيف المأساة في تركيب سلس عبر “اللقطة – المقطع” أو المتتالية (Plan-séquence). نعم يبدأ الفيلم بلقطة متتابعة مستمرة تعكس براعة في التكثيف الدرامي. ينطلق أفق الكاميرا من الهدوء المتخيل للأهوار وانسياب الزوارق بين النخيل، قبل أن يخرق هذا السكونَ صوتُ طائرات حربية مرعب. بمهارة إخراجية، تتبع الكاميرا مسار الطائرات لتنتهي في الحركة نفسها إلى كشف طابور طويل لمواطنين ينتظرون أمام شاحنة-صهريج ماء. أسلوب انسيابي سيوظفه هادي باستمرار بتبني حركة الكاميرا في ارتباط -raccord dans le champ – مع الحركة داخل اللقطة

في حركة كاميرا واحدة وبدون أي حوار، يلخص الفيلم المعادلة النفسية والسياسية: جمال البيئة الطبيعية في مواجهة البؤس المادي والفزع المستمر والغير منتظر.  بالإضافة لهذا التوظيف الجمالي للمونتاج داخل اللقطة يتميز اخراج الفيلم باشتغال “تشكيلي” على الصورة يذهب في اتجاه التعبيرية التي تعتمد حوار الظل والنور في تكوين اللقطة. واسوق كنموذج مشهد الطفلة في حوارها مع زميلها في القسم وهو أيضا صديقها حيث حضر عندها للمراجعة (حولي الدقيقة السادسة من العرض وطوله دقيقة ونصف). وتكمن بلاغة المشهد في توظيف الاكسسوار – المصباح كعلامة سيميائية تجعل من حضور الطفلين ملاذا أخلاقيا (النور: العلم والبراءة مقابل الظل: الوضع العام المظلم).

فبعد الافتتاح الجميل ينتقل الفيلم من الفضاء العام إلى عتمة البيت المتواضع، حيث تتجلى جماليات تقنية الظل والنور، وبلاغة التكوين الهندسي: يتوسط المصباح الزيتي الكادر بين الطفلة وزميل الدراسة، مشكّلاً مثلثاً بصرية دافئاً يُبعد العالم الخارجي بكوارثه. مما يسمح بتلقي اللقطة وقراءتها كلوحة. فهناك رمزية الضوء المنبعث من عمق اللقطة والذي ينقلب من مجرد أداة إنارة إلى رمز للمعرفة، الأمل، والكرامة الإنسانية.

رمزية تأخذ كل ابعادها في التباين مع العتمة، مع المحيط الخارجي: تمثل الظلمة المحيطة بالطفلين واقع الحصار والاضطهاد، بينما يشكل ضوء المصباح البؤرة الوحيدة للمقاومة الكامنة في الاشياء. ونجد تعبيرها البصري في حركة النهر والقوارب الحاضرة كزمن مضاد للزمن المؤسساتي (أنظر النشيد في بهو المدرسة). يذهب الفيلم في هذا الاتجاه بتعميق تقابل بصري بين الحميمية الخصوصية (الجدة، الديك…) مقابل الفضاء العام العاري.

يبني الفيلم ثنائية جمالية بين فضائين رئيسيين: الداخل (مشهد المصباح، لهيب نار التدفئة) مع إضاءة تحيل الى الطمأنينة (درجات الأصفر الذهبي)، كادر ثابت، بؤرة تركيز حساسة على وجوه الأطفال، مما يمنح المكان طابع السكينة والحماية. وهناك الخارج (مشهد السوق): إضاءة شمسية قاسية، ألوان باهتة ومغبرة، وحركة كاميرا قلقة وسط الزحام، تعكس عُري الفقر وصعوبة المقايضة والبحث المضني عن القوت.

تتحول عملية البحث عن مكونات “كعكة عيد ميلاد الرئيس” من طقس احتفالي إلى أداة إكراه وسريالية سياسية. يُجبر الشعب المحروم من الدقيق والسكر على تقديم مظاهر الولاء للسلطة، مما يمنح الفيلم قدرة على توجيه نقد مزدوج: إدانة عبثية النظام الذي يفرض شعائره وطقوسه على حساب رمق المواطنين. وبشكل مواز كشف قسوة الحصار الدولي الذي يعاقب المدنيين والأطفال بالدرجة الأولى.

ينجح حسن هادي في أن يجعل من الفيلم نموذجاً للسينما التي تعتمد على “الاقتصاد في القول والوفاء للصورة”، حيث تصبح اللقطة المتقنة والإضاءة المدروسة أبلغ من آلاف الكلمات في تعرية الاستبداد وصون الكرامة وفي عملية تفكيك ذكية لمنطق الخطاب السائد المرتكز على شعارات رنانة لا أثر لها على مسار حياة الناس (الشعارات على جدران المدرسة وفي الشارع العام).

وباعتماده رؤيةً من زاوية نظر – point de vue- على مستوى عيون الطفولة، يتفادى الفيلم ببراعة فخ الخطابة الفجة والاستدرار المجاني للعواطف التي كانت طاغية على المستوى الرسمي.

ففي هذا التباين الصارخ بين براءة الأبطال الصغار (أداء جميل ومؤثر لبنين احمد نايف في دور لميعة) وقسوة العالم الذي يطوقهم، يكتسب النقد الاجتماعي قوته المُزلزلة. وبهذه الكتابة السينمائية الصافية والمكثفة، يتجاوز فيلم «مملكة القصب» حدود الشهادة التاريخية العابرة، ليقدم لنا أثراً فنياً يفيض بالشجن عن الذاكرة والكرامة، وعن تلك القدرة المدهشة على الانتصار للجمال، حتى في غياهب البؤس والحرمان والاستبداد المطلق.

وأشير هنا الى توظيف رمزي بليغ حين ينسج المخرج من صورة الديك استعارة بصرية تزيد من حدة النقد الاجتماعي، جاعلاً من الحيوان الاليف شاهداً صامتاً، وضحية أخرى، على عبثية عالم مغلق على نفسه (كل رموز السلطة تظهر في أماكن مغلقة او بدون افق).

غير أن هذا التوظيف يأخذ بعدا سينيفيليا اذ عادت بي الذاكرة الى تحفة محمد لخضر حامينا “رياح الاوراس” (1965_ جائزة النقد في كان). نعم تتجاوز رحلة الطفلة لميع وهي تطوف بين الأزقة والأسواق حاملةً الديك بين يديها حدودَ الجغرافيا العراقية المحاصرة، لتتقاطع ببراعة مع إحدى أكثر اللحظات إيقونية في تاريخ السينما العربية الملتزمة.

إنها تعيد إلى الذاكرة التناصّ البصري مع رحلة الأم الخالدة وهي تطوف بمراكز الاحتجاز الاستعماري ممسكةً بالديك ذاته كهدية أخيرة أو رجاء نادِرٍ لمن يدلها على مكان ابنها الوحيد.

لست أدري هل شاهد حسن هادي فيلم لخضر حامينا يبقى أنه في كلا العملين، يتحول «الديك» من مجرد طائر أليف إلى قربان العوز الأخير وورقة المقايضة المتبقية للفقراء. وبينما تحمله الأمُّ في جبال الأوراس كزاد للأمومة المفجوعة في مواجهة قسوة المحتل، تحمله «لميع» بين أزقة الأهوار كرمز للبقاء وبراءةٍ معذبة تُقايَضُ بها إكراهات السلطة العبثية لتوفير كعكة الرئيس.

بين الأداء الصامت الشامخ لـ «كلثوم» وخطوات «لميع» الصغيرة والمرهقة، تلتقي الذاكرة الجزائرية بالذاكرة العراقية في رسم جغرافيا واحدة للوجع الإنساني، حيث تُصبح المقايضة بهذا الكائن الأليف النقطةَ القصوى للتضحية، والشاهدَ الصامت على صمود الإنسان وهو يُجرَّد من أبسط ممتلكاته دون أن يفقد كرامته.

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

الثقافة

أطروحة الدكتوراه حول “النظام العام وجاذبية الاقتصاد: القانون التجاري المغربي في عصر العولمة” للسيدة هند شروف

الثقافة

تراست_إنزكان: ندوة تبحث في ذاكرة وتاريخ زاوية تراست

الثقافة

ذاكرة وآفاق: يوم سينمائي بسينما صحراء بأكادير

الثقافة

..«مملكة القصب» فيلم حسن هادي (العراق –2025)..الاقتصاد البصري في خذمة شعرية الصمود

الثقافة

العدالة الانتقالية بالمغرب.. لقاء علمي يناقش الإنجازات والتحديات