كشفت أبحاث أثرية حديثة في موقع وادي بهت بشمال غرب المغرب عن بقايا منشأة دفاعية ضخمة يعود تاريخها إلى ما بين 4 آلاف و3500 سنة، في اكتشاف يوصف بأنه من أبرز المعطيات الجديدة التي من شأنها إعادة النظر في تاريخ المجتمعات القديمة بالمغرب ومنطقة المغرب الكبير خلال العصر البرونزي.
وبحسب معطيات نشرها موقع Futura Sciences استنادا إلى دراسة أثرية جديدة، فإن الحفريات التي أُجريت بالموقع كشفت عن نظام دفاعي متكامل يضم خندقا وسورا ترابيا وجدارا، شُيدت عناصره على مراحل فوق مرتفع استراتيجي بين نهر وادي بهت وأحد الأودية الجانبية. وأظهرت نتائج التأريخ بالكربون 14 أن البناء الأول لهذه المنشآت يعود إلى فترة تتزامن مع العصر البرونزي في غرب البحر الأبيض المتوسط.
أقدم منشأة دفاعية معروفة بشمال إفريقيا خارج مصر
ويكتسي هذا الاكتشاف أهمية خاصة، إذ يعتبر الباحثون المنشأة المكتشفة أقدم بناء دفاعي واسع النطاق معروف إلى اليوم في شمال إفريقيا خارج وادي النيل. وهو ما يكشف أن مجتمعات المنطقة كانت تمتلك، قبل آلاف السنين، قدرة على التخطيط والتنظيم وتعبئة اليد العاملة لإنجاز مشاريع عمرانية معقدة.
ولا يعرف الباحثون، إلى حدود الآن، بشكل دقيق طبيعة الأخطار التي دفعت سكان المنطقة إلى تشييد هذه التحصينات. غير أن فرضيات البحث ترجح ارتباطها بتزايد المنافسة حول الأراضي والموارد وطرق التنقل، وربما برغبة جماعات محلية في فرض السيطرة على مواقع استراتيجية، بدلا من كونها بالضرورة دفاعا ضد غزوات خارجية.
وادي بهت.. مركز زراعي وحرفي كبير قبل آلاف السنين
وتأتي هذه النتائج لتُضاف إلى اكتشافات سابقة في الموقع ذاته، حيث أظهرت الأبحاث أن وادي بهت احتضن قبل نحو 5400 إلى 4900 سنة مجمعا زراعيا ضخما، يرجح أنه من أقدم وأكبر المواقع الزراعية المعروفة في إفريقيا خارج وادي النيل.
وكشفت الحفريات عن نشاط بشري مكثف امتد على مساحة لا تقل عن عشرة هكتارات، حيث كان السكان يزرعون الشعير والقمح ويربون الماشية ويستغلون النباتات البرية. كما عثر علماء الآثار على آلاف الفؤوس المصنوعة من الحجر المصقول وأدوات مختلفة وأوان خزفية متقنة الصنع، بعضها مزين برسوم وزخارف.
ويرى الباحثون أن هذه المعطيات تقدم صورة مختلفة عن المجتمعات التي عاشت بشمال غرب المغرب خلال أواخر العصر الحجري الحديث وبدايات العصر البرونزي، إذ تبدو أكثر استقرارا وتنظيما وتعقيدا مما كان يُعتقد في السابق.
المغرب لم يكن معزولا عن محيطه المتوسطي
وتكشف نتائج الدراسة أيضا أن سكان المنطقة لم يعيشوا في عزلة عن التحولات التي عرفها حوض البحر الأبيض المتوسط. فهناك مؤشرات متزايدة على وجود شبكات تواصل وتبادل بين شمال غرب إفريقيا والمناطق الواقعة حاليا في إسبانيا والبرتغال.
ويشير الباحثون إلى أن المجتمعات المعاصرة في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية كانت بدورها تطور خلال الألفية الثانية قبل الميلاد تجمعات محصنة وهندسة عمرانية منظمة وتقنيات متقدمة، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات حول طبيعة الروابط التي كانت تجمع ضفتي غرب البحر الأبيض المتوسط.
الموقع عاد إلى الحياة في العصور الوسطى
ولم تتوقف أهمية وادي بهت عند فترة ما قبل التاريخ. فقد أظهرت الحفريات أن الموقع استعاد مكانته بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين، عندما أعيد استخدام التحصينات القديمة، وأقيم بالقرب منها تجمع سكني أو ضيعة، إضافة إلى مقبرة.
وبذلك يقدم الموقع سجلا تاريخيا نادرا يسمح بتتبع تطور المجتمعات الريفية في المنطقة على امتداد آلاف السنين، من الجماعات الزراعية في عصور ما قبل التاريخ إلى التجمعات البشرية خلال العصور الوسطى.
اكتشاف قد يعيد كتابة تاريخ المغرب القديم
وتكتسي اكتشافات وادي بهت أهمية تتجاوز الجانب الأثري الصرف، لأنها تدفع نحو مراجعة الصورة التقليدية عن تاريخ المغرب الكبير في العصور القديمة. فبدل النظر إلى المنطقة باعتبارها فضاء هامشيا مقارنة بمصر أو جنوب أوروبا، تكشف الأدلة الجديدة عن مجتمعات منظمة، قادرة على الإنتاج الزراعي والحرفي وبناء المنشآت الدفاعية والانخراط في شبكات التواصل المتوسطي.
ويؤكد الباحثون أن استمرار أعمال التنقيب والدراسة قد يجعل من وادي بهت أحد المواقع الأساسية لفهم التحولات التي عرفتها مجتمعات المغرب وشمال إفريقيا، منذ نشأة التجمعات الزراعية الأولى وصولا إلى المجتمعات الريفية في العصر الوسيط.
المصدر: Futura Sciences، استنادا إلى نتائج مشروع الأبحاث الأثرية بوادي بهت والدراسة العلمية المرتبطة به.


