- الحسين أبليح //
على مرمى حجر من استحقاقات 23 سبتمبر، ثمة دلالة ترشح من تعاقب تواريخ هي أبعد ما تكون عن المصادفة:
15 شتنبر: إعادة تشكيل تمثيلية الصحافيين، بمشاركة 1681 صحافيا من أصل 3421 مسجلا، بنسبة مشاركة بلغت 49.14%. وحصلت حنان رحاب على المرتبة الأولى بـ703 صوت، تلاها عبد الله البقالي بـ481 صوت، ثم عبد الحق العضيمي بـ455، والكبير خشيشن بـ437.
16 شتنبر: الإعلان من نيويورك عن انتقال العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى جديد يقوم على رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات، وتعيين سفيرين، مع بحث توسيع الرحلات المباشرة والتعاون الاقتصادي. وجاء ذلك خلال لقاء جمع ناصر بوريطة بوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، بمشاركة السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
21شتنبر: انتخاب لغزيوي رئيسا للمجلس الوطني للصحافة ورحاب نائبة له.
23 شتنبر: الانتخابات التشريعية.
ما يهم أكثر بين ثنايا هذه المحطات، هو السؤال السياسي التالي: “هل سينجح المسار الدبلوماسي المغربي الإسرائيلي في البقاء فوق التجاذب الحزبي والانتخابي، أم ستعيد صناديق 23 شتنبر إدخال التطبيع والقضية الفلسطينية إلى قلب الصراع السياسي؟”
وبالتالي، فإن المسار الذي بدأ في دجنبر سنة 2020 باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية والذي لم يكن حدثا منفصلا، بل جاء في إطار الإعلان الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي، والذي أكد استئناف العلاقات الرسمية وفتح آفاق للتعاون بين المغرب وإسرائيل، في سياق اتفاقات أبراهام؛ هذا المسار دخل في 2026 مرحلة يمكن توصيفها، بأنها انتقال من استئناف العلاقات إلى محاولة تثبيتها مؤسساتيا ودبلوماسيا.
وهنا تكمن أهمية توقيت الحدث: الإعلان صدر في 16 شتنبر، أي قبل أسبوع واحد تقريبا من الانتخابات التشريعية.
وحتى تكتمل الصورة، وعطفا على معطى انتخاب المجلس الوطني للصحافة – الذي يعد مؤسسة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، ويهدف إلى تكريس الحكامة الذاتية لقطاع الصحافة والنشر وتنظيم المهنة-، وكيما نتبين العلاقة التزامنية بين انتخاب رحاب ولغزيوي لقيادة مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة، وبين انتقال العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى السفارات، لنطرح سؤالا أعمق: “هل نحن أمام انتقال تدريجي في بعض دوائر النخبة المغربية من مرحلة النقاش حول التطبيع إلى مرحلة التعامل مع العلاقة المغربية الإسرائيلية باعتبارها واقعا دبلوماسيا واقتصاديا مؤسسا؟”.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن هذه المحطات المتعاقبة تقدم دليلا على وجود علاقة سببية فيما بينها، بقدر ما تكشف عن لحظة سياسية تتقاطع فيها إعادة ترتيب بعض دوائر النخبة الإعلامية مع انتقال العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى طور المأسسة.
فمن استئناف العلاقات في دجنبر 2020 في إطار الإعلان المغربي الأمريكي الإسرائيلي، إلى إعلان نيويورك في 16 شتنبر 2026 عن الارتقاء بالتمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات وتعيين السفراء، يبدو أن مسار السنوات الست الماضية يتجه من مجرد استعادة العلاقات إلى تثبيت أطرها الدبلوماسية والاقتصادية.
وفي المقابل، جاءت انتخابات المجلس الوطني للصحافة في اللحظة نفسها، بما يفتح، على الأقل على مستوى التحليل، سؤالا حول مدى انتقال بعض مكونات النخبة الإعلامية من التعامل مع التطبيع باعتباره موضوعا خلافيا إلى التعامل معه باعتباره واقعا مؤسسا ضمن السياسة الخارجية والاقتصادية لبلادنا.
غير أن الحسم في دلالة هذه اللحظة لن يأتي من صناديق الصحافة، وإنما من قدرة الأحزاب على تحويل هذا الملف إلى قضية انتخابية، وقدرة الناخبين على إدخاله فعليا ضمن محددات الاختيار يوم 23 شتنبر.
وهنا تتعدد الاحتمالات: فقد يبقى المسار المغربي الإسرائيلي خارج مركز الاهتمام الانتخابي، أمام أولوية القدرة الشرائية والشغل والصحة والتعليم والثقة في المؤسسات؛ وقد تستثمر قوى سياسية، وفي مقدمتها تلك التي ترفع خطابا رافضا للتطبيع، التطورات الأخيرة لإعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة التعبئة السياسية؛ كما قد يختار الناخب الفصل بين السياسة الخارجية وبين اختياره الحزبي، فيحدد صوته وفق اعتبارات اقتصادية واجتماعية ومحلية. وتأتي هذه الاحتمالات في سياق حملة انتخابية ركزت، في أيامها الأخيرة، بدرجات مختلفة على التشغيل والشباب والدولة الاجتماعية والقدرة الشرائية والحصيلة الحكومية.
وحده حزب العدالة والتنمية من جعل من رفض التطبيع والقضية الفلسطينية جزءا لا يتجزأ من خطابه السياسي الأخير. ومن ثم، فإن سؤال 23 شتنبر لا ينبغي أن يكون من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد؟ بل أيضا هل ستبقى السياسة الخارجية، ومسار العلاقات المغربية الإسرائيلية تحديدا، فوق التجاذب الانتخابي؛ أم أن صناديق الاقتراع ستكشف عن وجود كلفة سياسية أو تعبئة انتخابية مرتبطة بهذا المسار.
الإجابة لن تكون في التوقعات المسبقة، وإنما في قراءة النتائج بعد صدورها، خصوصا من خلال تقاطع الخريطة الحزبية مع نسب المشاركة، والمناطق التي شهدت تعبئة انتخابية حول القضية الفلسطينية أو التطبيع، والخطاب الذي ستتبناه القوى السياسية بعد ظهور النتائج.

