حديث الأربعاء: المنصوري… في الحاجة إلى السياسة - اكادير اليوم

حديث الأربعاء: المنصوري… في الحاجة إلى السياسة

  • شارك الخبر

  • عبد الرفيع حمضي //

تتردد في الصحافة الفرنسية عبارة ساخرة تصف بعض السياسيين بأن لهم «قلبا في اليسار ومحفظة في اليمين». إنها نقد للمسافة بين المبادئ المعلنة والمصالح المحروسة. ولو استعرنا صورتها للعمل الحكومي ببلادنا ،لقلنا إن بعضهم له بطن على مائدة الأغلبية، ولسان في صفوف المعارضة. وهو سلوك يفسد معنى المسؤولية: من يتقاسم المناصب ينبغي أن يتقاسم مسؤولية القرارات وكلفتها، وأن يكون موقعه منسجما مع خطابه.
تستحق هذه المفارقة أن تستحضرها فاطمة الزهراء المنصوري، وهي تبدأ مشاورات تشكيل حكومتها. فالمطلوب، إلى جانب الاتفاق على توزيع المسؤوليات، الاتفاق على تحملها. وقد كشفت المرحلة السابقة أن المشاريع يمكن أن تتقدم، والأوراش أن تتسع، بينما تتعطل السياسة وتتسع المسافة بين المواطن والحكومة.
لا يمكن إنكار الدينامية التي عرفتها البلاد في عدد من المشاريع الكبرى، ضمن الرؤية التي يقودها جلالة الملك. لكن هذه الدينامية لم يواكبها نقاش سياسي بحجم التحولات وانتظارات المجتمع. بدا أحيانا أن الإنجاز يتقدم، بينما السياسة تفقد لغتها وقدرتها على الوصول إلى الناس.
بدا عزيز أخنوش، في لحظات كثيرة، كأن شركاءه تركوه يواجه الكلفة السياسية للحكومة بمفرده. وبعض وزراء حزبه، الذين كان يفترض أن يساعدوه، أضافوا بتصريحاتهم ضررا إلى الضرر، بينما فضل باقي الشركاء الصمت، كأن المشاركة في الحكومة تنتهي عند الحصول على الحقائب.
‎والحكومة مسؤولية مشتركة. وقد قال جون كينيدي إن «العمل السياسي أسمى مسؤوليات المواطن». وإذا كان هذا شأن المواطن، فإن مسؤولية من يتولى تدبير الشأن العام أكبر. فمن يشارك في اتخاذ القرار ينبغي أن يشارك في شرحه والدفاع عنه، وأن يتحمل أيضا الاعتراض عليه. أما أن تكون المناصب جماعية والكلفة فردية، فذلك خلل في ممارسة التحالف قبل أن يكون ضعفا في التواصل.
‎يمكن أن نقول الكثير عن عبد اللطيف وهبي، وأن نختلف معه في مواقف عديدة، لكن يصعب إنكار أنه خاض النقاش السياسي. أعلن آراءه ودافع عنها، أصاب وأخطأ، وأثار تدافعا كان يكشف، على الأقل، وجود سياسة قابلة للنقاش. وهذا ما تحتاج إليه الحكومة المقبلة: مسؤولون لهم مواقف، يستطيع المواطن أن يعرف ما يقولونه ولماذا يقولونه.
لذلك، يبدأ امتحان المنصوري باختيار فريق يتحمل معها مسؤولية الحكم. الكفاءة في تدبير القطاعات ضرورية، وكذلك القدرة على مخاطبة المجتمع، وفهم اعتراضاته، وإقناعه أو مراجعة الاختيارات حين تستدعي الوقائع ذلك. فالمشاريع تحتاج إلى من يربطها بالتشغيل والقدرة الشرائية والخدمات وتوزيع ثمار النمو.
ويأتي هذا الامتحان في لحظة ذات رمزية كبيرة: امرأة تتولى رئاسة الحكومة، باختيار ملكي في إطار الفصل 47 من الدستور، من الحزب الذي تصدر الانتخابات. موقعها الحزبي أتاح مجال التعيين، وكونها امرأة منح الحدث بعده التاريخي.
لهذا البعد أهمية في مجتمع قد يبدو فيه الصوت المحافظ أعلى من غيره. لكن ارتفاع الصوت لا يعني احتكار المجتمع. فالحداثيون موجودون أيضا، وإن أضعف حضورهم التردد والتشتت وانتظار المبادرة من الآخرين. والأيادي التي ترتعش لا تبني.
أما الدرس الثاني، فهو العلاقة مع الإعلام. هنا، أعتقد أن نقد المرحلة السابقة ينبغي أن يكون واضحا. فقد بدا نفوذ المال، أداة لتطويق مساحة النقد وبناء حضور إعلامي مساند. وهذا يطرح سؤالا يتجاوز التواصل الحكومي إلى أثر القوة المالية الخاصة في النقاش العمومي.
حين يصبح عقد الدعاية حاضرا خلف السؤال الذي يطرح والسؤال الذي يحذف، تتضرر الصحافة وتتضرر السياسة معها. لا يحتاج الأمر دائما إلى تعليمات مكتوبة؛ قد يكفي أن يعرف المنبر من يمول استمراره، وما الذي يمكن أن يهدد ذلك التمويل. عندها يصبح الصمت جزءا من العلاقة المالية، ويضيق المجال الذي يفترض أن يتسع للمساءلة.
وفي تقديري، كان هذا من أخطاء المرحلة السابقة: الاطمئنان إلى كثرة الأصوات المساندة، والتعامل معها كأنها دليل على اقتناع المجتمع. لكن المنابر التي تفقد المسافة النقدية تفقد بالتدريج قدرتها على الإقناع، حتى حين تقول كلاما صحيحا. والتأييد الكثيف قد يمنح المسؤول صورة مريحة عن نفسه، ويحجبه عن حقيقة ما يجري خارجه.
بين ما يقال وما لا يقال، تنتظر فاطمة الزهراء المنصوري مهمة تتجاوز جمع الأحزاب وتوزيع الحقائب. فما يقال اليوم هو أن المغرب أصبح له، لأول مرة، امرأة على رأس الحكومة. وما يستحق أن يقال أيضا هو أن البلاد تحتاج إلى استعادة السياسة: شركاء يتقاسمون مسؤولية القرار وكلفته، وإعلام لا يصبح صمته بندا غير مكتوب في عقد التمويل. لقد منحتها لحظة التعيين مكانا في التاريخ؛ أما مكانها في ثقة الناس، فستبنيه بما تفعله. وأول الطريق أن تسمع ما لا يقوله المديح.

  • شارك الخبر
          

مواضيع ذات صلة

السياسة

تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية يرسخ حضور المرأة في مواقع القرار

السياسة

حديث الأربعاء: المنصوري… في الحاجة إلى السياسة

الرأي

نسبة المشاركة تسائل الحكومة المقبلة أية سياسة وأية ديموقراطية نريد؟

السياسة

الشوكي : اللقاء مع السيدة المنصوري شكل فرصة لاستشراف التحديات وآفاق المرحلة المقبلة

السياسة

شوكي بعد مشاورات تشكيل الحكومة: نقاش واضح وصريح ومصلحة الوطن ستؤطر موقف الأحرار