- أكادير: إبراهيم فاضل //
ببالغ الحزن والأسى، تلقّت الساحة الثقافية والفنية الأمازيغية، اليوم، نبأ وفاة الشاعر والمبدع الأمازيغي الكبير عمر برغوت، أحد الأسماء البارزة التي ارتبطت بتاريخ الشعر الشفهي وفن ” أسايس ” بمنطقة مزوضة ونواحيها، تاركا وراءه رصيدا من القصائد والذاكرة الشعرية التي امتدت لعقود، ورسخت اسمه ضمن جيل من شعراء إنضامن الذين حملوا الكلمة الأمازيغية من فضاءات القرى والأسواق والمواسم إلى وجدان أجيال متعاقبة.
لم يكن عمر برغوت مجرد شاعر يكتب القصيدة، بل كان واحدا من أولئك المبدعين الذين عاشوا الشعر باعتباره جزءا من الحياة اليومية، ومن الذاكرة الجماعية، ومن هوية المجال الذي أنجبهم. وفي فضاءات ” أسايس” ، حيث تتقاطع الكلمة بالإيقاع والحكمة والتجربة الإنسانية، استطاع أن يفرض حضوره شاعرا متمكنا ، عرف بعمق المعنى ورصانة القول وقدرته على صياغة القصيدة التي تجد طريقها إلى الجمهور.
وترتبط تجربة الراحل بشكل وثيق بمنطقة مزوضة بإقليم شيشاوة، التي كانت وما تزال إحدى البيئات الحاضنة لتقاليد أحواش والشعر الأمازيغي الشفهي. وقد ظهر اسم عمر برغوت إلى جانب أسماء شعرية وفنية وازنة في المنطقة، وظل حاضرا في المشهد الثقافي باعتباره أحد شعراء ” أسايس” الذين ساهموا في استمرار تقليد شعري عريق يعتمد على قوة الارتجال، وسرعة البديهة، وحسن بناء الصورة والمعنى.
ولعل ما يمنح تجربة عمر برغوت قيمة خاصة هو انتماؤه إلى ما اصطلح عليه في الدراسات حول الشعر الغنائي الأمازيغي بشعراء الظل ، وهم الشعراء الذين ظلوا في كثير من الأحيان بعيدين عن الأضواء، رغم أن قصائدهم كانت حاضرة بقوة في أعمال عدد من الفنانين والروايس والمجموعات الغنائية.
وفي هذا السياق، ورد اسم عمر برغوت ضمن عدد من الدراسات والكتابات التي تناولت شعراء أسايس وعلاقتهم بفن الروايس، باعتباره أحد الشعراء الذين كانت لهم مساهمة في تزويد عدد من الفنانين بالقصائد، في وقت كان فيه اسم الشاعر كثيرا ما يبقى خلف اسم المؤدي الذي يحظى بالأضواء والشهرة.
وقد تناول الباحث سعيد جليل هذه الإشكالية في حديثه عن ” شعراء الظل” والشعراء المبدعين للقصيدة الغنائية الأمازيغية، مستحضرا تجربة عمر برغوت ضمن جيل من الشعراء الذين كانت لهم أدوار أساسية في إنتاج النصوص الشعرية التي تغنى بها الروايس والفنانون، دون أن تحظى أسماؤهم دائما بالحضور نفسه الذي حظي به المؤدون.
وكان الراحل، وفق ما نقل عنه، ينظر إلى هذه المسألة بروح مختلفة، فمهمته، كما عبر عنها، هي إنتاج القصيدة، بينما يظل الغناء والتلحين مجالا آخر من مجالات الإبداع، في نوع من تقسيم الأدوار بين الشاعر والفنان. وهي رؤية تكشف جانبا من تواضع الرجل ونظرته إلى الشعر باعتباره رسالة وإبداعا قبل أن يكون وسيلة للشهرة.
ولم يكن حضور عمر برغوت في الذاكرة الثقافية مجرد حضور شفهي عابر، فقد حظيت تجربته بتوثيق علمي خاص. إذ أصدر الباحث أحمد المنادي سنة 2015 كتابا بعنوان ” الشاعر عمر برغوت: إقامة الشعراء” ضمن منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، في عمل يندرج ضمن جهود جمع وتدوين الذاكرة الشعرية الأمازيغية. ويضم هذا الإصدار 120 صفحة، وهو ما يجعل تجربة الراحل واحدة من التجارب الشعرية التي حظيت بالتوثيق المؤسساتي.
كما أن اسم الراحل عمر برغوت ظل حاضرا في مناسبات ثقافية وفنية بمنطقة مزوضة، حيث شارك في إلقاء القصائد الشعرية إلى جانب شعراء آخرين، وكان شعره حاضرا في محافل تحتفي بالتراث المحلي وبالذاكرة الأمازيغية.
وتضع بعض الدراسات عمر برغوت ضمن شعراء ” أسايس” الذين ارتبط شعرهم بالحكمة والتأمل، إلى جانب شعراء آخرين من الأجيال التي أسهمت في ترسيخ تقاليد الشعر الأمازيغي المرتجل، وهو ما يعكس تنوع التجربة الشعرية في مناطق سوس والحوز ومزوضة.
وبرحيل عمر برغوت، لا تفقد الساحة الأمازيغية شاعرا فحسب، وإنما تفقد واحدا من حراس الذاكرة الشفوية الذين حملوا القصيدة من جيل إلى جيل، في زمن كان فيه الشعر يعيش في الصدور قبل أن يجد طريقه إلى الكتب والأرشيفات والتسجيلات.
لقد كان عمر برغوت من جيل آمن بأن القصيدة ليست مجرد كلمات موزونة، وإنما ذاكرة مجتمع، ومرآة لإنسان القرية، وسجل مفتوح للحياة بتفاصيلها وأفراحها وأحزانها وأسئلتها. ولهذا فإن رحيله يفتح من جديد سؤالا قديما حول مصير الشعراء الذين عاشوا بعيدا عن الأضواء، وحول مسؤولية المؤسسات والباحثين والأجيال الجديدة في حفظ ما تبقى من إنتاجهم وتوثيقه وإيصاله إلى الأجيال القادمة.
إن وفاة عمر برغوت تأتي لتذكرنا مرة أخرى بأن جزءا مهما من تاريخ الثقافة الأمازيغية لم يكتب بعد، وأن كثيرا من القصائد والألحان والحكايات والأسماء ما تزال مهددة بالضياع إذا لم تجمع وتوثق وتدرس.
رحل عمر برغوت، لكن القصيدة التي حملها لعقود لن ترحل.
ستظل في ” أسايس “، وفي ذاكرة مزوضة، وفي أصوات من حفظوا شعره، وفي صفحات الباحثين الذين سعوا إلى إنقاذ الذاكرة الشفوية من النسيان.
رحم الله الشاعر والمبدع الأمازيغي عمر برغوت، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وذويه ومحبيه وأهل الفن والشعر الأمازيغي الصبر والسلوان.

