- بقلم: لحسن باكريم //
يكاد النقاش السياسي الذي أعقب الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 يجمع على أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بوضع التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية في صدارة أولوياتها. وهو نقاش مشروع بالنظر إلى حجم الانتظارات الاجتماعية وتراكم المطالب المرتبطة بالخدمات العمومية والقدرة الشرائية وفرص الشغل.
لكن ما يبدو غائبا، أو على الأقل لا يحظى بما يكفي من النقاش، هو تقييم التجربة الحكومية التي انتهت ولايتها، بقيادة التجمع الوطني للأحرار إلى جانب حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال.
فالحديث عن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يبدأ، في تقديري، من فرضية أن السنوات الخمس الماضية كانت صفحة بيضاء وأن الدولة الاجتماعية لم تعرف خلالها أي تقدم. مثل هذه القراءة لا تساعد على تقييم السياسات العمومية بموضوعية، لأنها تضع الإنجازات والإخفاقات في سلة واحدة.
لقد جعلت الحكومة المنتهية ولايتها من بناء الدولة الاجتماعية أحد المحاور المركزية لعملها، وعرفت ولايتها تنزيل عدد من الأوراش المرتبطة بالحماية الاجتماعية والدعم المباشر للأسر وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم. ويمكن الاختلاف حول حصيلة هذه السياسات، وحول سرعة تنفيذها وأثرها الفعلي على حياة المواطنين، بل ويمكن القول إن حجم الانتظارات ظل أكبر من النتائج المحققة في عدد من المجالات، لكن من الصعب في المقابل التعامل مع المرحلة وكأن شيئا لم ينجز.
والمطلوب في النقاش العمومي ليس الانتقال من خطاب الإشادة المطلقة إلى خطاب النفي المطلق، وإنما إخضاع التجربة للتقييم: ماذا تحقق؟ أين أخفقت الحكومة؟ وما الذي ينبغي تصحيحه أو تسريعه خلال الولاية الجديدة؟
صناديق الاقتراع تقدم معطى يستحق القراءة
تزداد أهمية هذا النقاش عند العودة إلى النتائج النهائية لانتخابات 23 شتنبر. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الاقتراع بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعدا. وبذلك حافظت الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية السابقة مجتمعة على 228 مقعدا من أصل 395، أي أغلبية عددية داخل مجلس النواب.
هذه النتيجة لا تعني بالضرورة أن الناخبين منحوا الحكومة السابقة تزكية كاملة لكل سياساتها؛ فالانتخابات تتداخل فيها اعتبارات وطنية ومحلية وشخصية وتنظيمية متعددة. كما أن نسبة المشاركة، التي بلغت نحو 38 في المائة، تفرض بدورها الحذر في استخلاص استنتاجات واسعة حول موقف المجتمع المغربي بأكمله.
لكن النتيجة تسمح، على الأقل، بملاحظة سياسية واضحة: الأحزاب الثلاثة التي أدارت الحكومة لم تتعرض لانهيار انتخابي جماعي يخرجها من مقدمة المشهد، بل بقيت هي القوى الثلاث الأولى في ترتيب المقاعد.
وهنا يصبح من المشروع التساؤل عن مدى دقة بعض القراءات التي تقدم نتائج الانتخابات باعتبارها رفضا شاملا للتجربة الحكومية السابقة.
عودة العدالة والتنمية لا تلغي المعطى الأول
في المقابل، سجل حزب العدالة والتنمية عودة انتخابية واضحة بحصوله على 54 مقعدا، محتلا المرتبة الرابعة. وهذه العودة تحتاج بدورها إلى قراءة سياسية مستقلة بعيدا عن التفسيرات الاختزالية.
فجزء من الناخبين قد يكون صوت للحزب نتيجة مواقفه السياسية أو مرجعيته أو خطابه المعارض، فيما قد تكون عوامل أخرى مرتبطة بالمرشحين والدوائر والسياقات المحلية قد لعبت دورها. لذلك يصعب اختزال أصوات الحزب في سبب واحد دون معطيات انتخابية واجتماعية دقيقة.
لكن صعود العدالة والتنمية لا يغير حقيقة أخرى أفرزتها الصناديق: الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية السابقة ظلت مجتمعة صاحبة الكتلة البرلمانية الأكبر.
الاستمرارية أم إعادة تركيب الأغلبية؟
من هنا يطرح سؤال تشكيل الأغلبية المقبلة نفسه بقوة.
حسابيا، تملك الأحزاب الثلاثة السابقة عددا من المقاعد يسمح بتشكيل أغلبية في مجلس النواب إذا اختارت الاستمرار معا. وفي المقابل، يتيح النظام البرلماني المغربي إمكان بناء صيغ ائتلافية أخرى وفق المشاورات السياسية والدستورية التي تلي الانتخابات.
كما أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي حصل على 26 مقعدا، يظل بدوره رقما برلمانيا يمكن أن يدخل ضمن حسابات تشكيل الأغلبية أو المعارضة، بحسب الخيارات التي تتخذها الأحزاب والمشاورات التي ستجري بينها.
لذلك فإن النقاش الجدي حول الحكومة المقبلة ينبغي ألا يقوم على هندسة تحالفات انطلاقا من الرغبات فقط، وإنما على ثلاثة عناصر أساسية: نتائج صناديق الاقتراع، ومدى التقارب البرنامجي بين الأحزاب، ثم قدرة أي أغلبية جديدة على تقديم برنامج حكومي قابل للتنفيذ.
لا تقديس للحصيلة ولا إنكار لها
المغرب اليوم في حاجة إلى نقاش سياسي يتجاوز منطقين متقابلين: منطق يعتبر أن كل ما قامت به الحكومة السابقة كان ناجحا، ومنطق آخر يتعامل مع ولايتها باعتبارها خمس سنوات بلا حصيلة.
هناك أوراش اجتماعية أطلقت، وهناك إصلاحات بدأت، وفي المقابل هناك اختلالات وانتظارات لم تجد بعد جوابها الكافي، خصوصا في التعليم والصحة والشغل والقدرة الشرائية.
والرسالة الأكثر أهمية التي يمكن استخلاصها من انتخابات شتنبر 2026 هي أن الناخبين أعادوا توزيع القوة داخل المشهد الحزبي، لكنهم أبقوا الأحزاب الثلاثة التي قادت الحكومة السابقة في المراتب الثلاث الأولى.
وهو معطى يستحق أن يكون في قلب النقاش بشأن المرحلة المقبلة، سواء انتهت المشاورات إلى تجديد الائتلاف السابق أو إلى صيغة حكومية مختلفة.
أما المطلوب من الحكومة المقبلة، أيا كان تركيبها، فهو الانتقال من مرحلة إطلاق الأوراش الاجتماعية إلى مرحلة قياس أثرها الحقيقي على حياة المواطنين: مدرسة أفضل، مستشفى أكثر جودة، فرص شغل أوسع، وحماية اجتماعية تصل إلى المستحقين بكفاءة.
فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، أما الحكم الحقيقي على السياسات العمومية فيبقى مرتبطا بما يلمسه المواطن في حياته اليومية..

