أكادير اليوم – أعاد مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الواجهة واحدة من أكثر العبارات السياسية سخرية المنسوبة إلى الكاتب والمفكر الإيرلندي جورج برنارد شو، في سياق يتصل بالانتخابات وسلوك الناخبين والعلاقة بين الاختيار الديمقراطي وجودة التمثيل السياسي.
وتنسب العبارة الموثقة إلى برنارد شو قوله: «الديمقراطية تستبدل تعيين الفاسدين من قِبل القلة بانتخاب غير الأكفاء من قِبل الكثرة»، وهي واردة ضمن كتابه Maxims for Revolutionists المنشور سنة 1903، في فقرة خصصها للديمقراطية.
ولا ينبغي قراءة هذه العبارة باعتبارها تعريفاً علمياً للديمقراطية أو حكماً نهائياً عليها، بل باعتبارها واحدة من مفارقات شو الساخرة التي كان يستخدمها لانتقاد الأعطاب التي قد تصيب الأنظمة السياسية. فهو يضع، بصياغة حادة، مشكلتين متقابلتين: خطر احتكار السلطة من طرف أقلية قد تكون فاسدة، وخطر أن يصبح الاقتراع نفسه غير كافٍ لضمان حسن الاختيار عندما يغيب الوعي والمساءلة.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الفيديو المتداول دلالة تتجاوز المشاهد الانتخابية التي يعرضها؛ إذ يعيد طرح سؤال قديم ومتجدد: هل وجود صناديق الاقتراع وحده يكفي لبناء ممارسة ديمقراطية سليمة؟
فالانتخابات، في جوهرها، تمنح المواطنين حق اختيار من يمثلهم، لكنها لا تعفي الأحزاب من مسؤولية تقديم مرشحين وبرامج واضحة، ولا تعفي الناخب من مسؤولية تقييم الحصيلة والبرامج والكفاءة والنزاهة. كما أن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد المشاركين في التصويت، وإنما أيضاً بمدى توفر المعلومات، وحرية الاختيار، وفعالية المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي نص آخر ضمن السياق نفسه، تساءل برنارد شو ساخراً عن فرص الديمقراطية إذا كانت تحتاج إلى مجتمع كامل من الناخبين القادرين على الاختيار الواعي، وهو ما يكشف أن جوهر نقده كان منصباً على نوعية القرار السياسي والوعي الذي يسبقه، لا على حق المواطنين في المشاركة من حيث المبدأ.
وبذلك يمكن قراءة الفيديو باعتباره مناسبة لاستحضار سؤال أوسع من المنافسة بين الأحزاب والأسماء: كيف يتحول المواطن من مجرد رقم في يوم الاقتراع إلى فاعل يتابع البرامج، ويفحص الحصيلة، ويسائل المنتخب بعد انتهاء الحملة؟
فالاقتراع ينتهي في دقائق، لكن أثر الاختيار قد يمتد لسنوات. وبين الاثنين توجد الحلقة التي كان برنارد شو، بطريقته الساخرة، يدعو إلى التفكير فيها: جودة الاختيار لا تقل أهمية عن حرية الاختيار.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للنقاش الذي يثيره الفيديو؛ فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد وضع ورقة داخل الصندوق، وإنما تحتاج إلى مواطن يمتلك المعلومات، وأحزاب تتحمل مسؤوليتها، ومؤسسات تضمن النزاهة والمحاسبة، حتى يصبح التصويت أداة للاختيار الواعي لا مجرد طقس يتكرر مع كل موعد انتخابي.

